![]() |
مشاركة: مختارات من قصصي
مجددا اشكرك اخي القاص المبدع محمود شاهين على هذا العطاء الذي تشكر عليه واتمنى لو تنال هذه الاعمال حقها من النقد والقراءة
|
مشاركة: مختارات من قصصي
اقتباس:
بعد فروغي من القصة سأنشر نقدا عنها كتب في صحيفة الأيام الفلسطينية ، يقارن فيها الناقد بيني وبين الكاتب الليبي ابراهيم الكوني . |
مشاركة: مختارات من قصصي
كنت وزوجتي نتنزه على شاطىء طرطوس ، وكان حيدر يقيم في كوخ بالقرب من الشاطىء. قلت لبيرجت ، لنذهب لزيارة حيدر ونعلمه أننا هنا.
سرنا إلى جانب الشاطىء لعلنا نرى حيدر في البحر يصطاد سمكا كعادته. لم نره . سالنا صيادا كان يخيط شبكته إلى جانب البحر. أخبرنا أن حيدر خرج من البحر وهو الآن في المتنزه القريب. ذهبنا إلى المنتزه ، كان حيدر يجلس مع بعض أصدقائه ، وكان المنتزه يعج بالمتنزهين. ما أن صافحنا حيدر وضيوفه حتى سألت عن الكلب . قال حيدر أنه يحرس الكوخ . قلت سأذهب لأحضره . قال: سيأكلك ! قلت لست ممن تأكلهم الكلاب ، وسترى . وحين انصرفت راحت زوجتي تصرخ بعربية مشوبة بلكنة أوروبية ( محمود لا تجن ) لم اذعن لها ، وخرجت من المنتزه ميمما وجهي شطر كوخ حيدر ، سالكا طريقا شجرية . لم أر الكلب من قبل إلا مرة واحدة ، قبل أكثر من عام ، حين زرنا حيدر ليلا مع بعض الأصدقاء . ولا أظن أن الكلب تنبه لي ليتذكرني . ولا أعرف على ماذا اعتمدت حتى بت مقتنعا أنني سأتمكن من إحضاره . أظن أنها واحدة من الحماقات التي ارتكبتها في حياتي . ماذا سأفعل ؟ كيف سأحضر الكلب ؟ في البلدة كنت أحمل معي بعض الخبز لكلاب الفلاحين ، وما أن تهرع الكلاب نحوي حتى أشرع في إلقامها الخبز . لكن ماذا سألقم كلب حيدر وأنا لا أحمل شيئا ، ولا أظن أن الخبز سيجدي معه لو توفر . لم أكن خائفا على الإطلاق ، وحتى حينه لا أعرف لماذا كنت واثقا من قدرتي على تطبيق الكلب ، دون أن أعرف كنه هذه القدرة . ولا أعرف كيف وجدت نفسي أنادي من بين الأشجار بصوت عال ( فيدل فيدل فيدل ) وهذا اسم الكلب . لم أكن قد رأيت الكوخ بعد ، وبالتأكيد لم يكن الكلب قد عرف بقدومي قبل المناداه . هو بالتأكيد سمعني الآن ويصيخ السمع لمنادتي ، كلما اقتربت من الكوخ بخطوات متئدة . شاهدت أعلى الكوخ يطل من بين الأشجار. أبطأت من سيري وأنا أنادي الكلب . غير أنني لم اسمع أي نباح ولم ار الكلب أبدا. عجيب! ماذا أفعل ، أنا لا أريد الكوخ فلماذا أتقدم أكثر ؟ وبالتأكيد سمعني الكلب وربما تجاهلني . أصبح قرابة نصف جدار الكوخ في مواجهتي . توقفت ورحت أنادي الكلب دون أن أتحرك . كان الكوخ يبعد عني قرابة أربعين مترا على الأكثر. رحت أنظر تحت الأشجار لعلي أرى الكلب . لم أر شيئا . رحت أعيد النظر وأدقق تحت الأغصان الممددة فوق الأرض . شاهدت رأس الكلب ، كان يكمن بين الأغصان ملقيا رأسه على أماميتيه ويحدق نحوي بكل حدة بصره . لم أتوان على الإطلاق ، فما أن التقت عيوننا حتى هتفت بفرح شديد وأنا اوميء بيدي ( لك فيدل تع ! ) غير أن الكلب لم يحرك ساكنا ، ولم ينبس بأي صوت . كررت النداء والإيماء !دون جدوى . لا شك أن الكلب متوجس مني . خاطبته بندم ( ايه ! ما بدك ؟ باي ، أنا راجع لعند حيدر . خليك هون ) واستدرت وقفلت عائدا . سرت قرابة ثلاث خطوات والتفت لأنادي الكلب ثانية . لكن دون جدوى أيضا ! سرت خطوتين أخريين والتفت لأناديه ثالثة . وما أن ناديته بنفاد صبر مؤكدا له أنني لن أصحبه إذا لم يأت حالا ، حتى فز وانطلق نحوي كالسهم ، استدرت بكامل جسدي وثبت قدمي في الأرض وأشرعت صدري له فاتحا يدي على وسعهما . وثب نحوي من مسافة تقارب الأمتار الثلاثه ، لتطوق أماميتيه كتفي فيما خلفيتيه تنشبان بحزامي ، الكلب وكأنه مصارع متمرس أي حركة تضمر سوءا مني ستجعل رأسي أو عنقي بين فكيه ! راح يتشمم وجهي يمينا ويسارا وكأنه سيقبل خدي فيما يداي تملسان على رأسه بكل حنو وأنا اميل برأسي أيضا لأعطيه خدي الآخر ! استمر الوضع قرابة دقيقة ، لا أعرف فيما إذا شم رائحة حيدر تنبعث مني ، أو أنه اطمأن لي . نزل عني وراح يتشمم الأرض وما لبث أن سلك الطريق الذي سلكه حيدر كما يبدو ، وهو الطريق الذي جئت منه . وحينها جزم أكثر أنني سأ صطحبه إلى صاحبه ، هكذا بدالي حين راح يذرع الأرض مرحا أمامي ويعود نحوي مبديا فرحة هائلة ! وما أن انهى استقباله لي حتى راح يعدو أمامي في الطريق الترابي متتبعا رائحة خطو حيدر . حتى حينه يا لوسي لم أكن أعرف أن الكلب يستطيع أن يميز رائحة خطو صاحبه حتى لو خالطها آلاف الخطوات ، وكنت من حماقتي وأنا فدائي في الأرض المحتلة أرد الآبار ليلا وأدور حول البئر عدة دورات ليختلط وقع أقدامي بأقدام الناس فلا تستطيع كلاب الأثر متابعة ملاحقتي . ليتبين لي الآن وأنا أتبع كلب حيدر أنني كنت جاهلا تماما ، فقد سبقني الكلب إلى المنتزه ودخل إليه وذهب في خط شبه مستقيم إلى مائدة حيدر ، رغم وجود متنزهين على جميع موائد المنتزه .أية قدرة رائحية هذه التي عند الكلب ، ثم هل تترك الخطوات في الصيف رائحة ما ؟ وكيف يستطيع الكلب تمييزها من مئات الروائح الخطواتية ؟ كان حيدر وضيوفه وزوجتي يحدقون إلي غير مصدقين ، فيما أنا أقف ضاحكا مزهوا بنصري ،رافعا يدي مشهرا ابهامي الأيمن دون باقي أصابعي . هاتفا لحيدر ( آه كيف أنا وياك ؟) وما لبث حيدر أن هتف ( يلعن أبوك راعي إبن راعي ) !! أخذت طبقا من اللحم المشوي ورحت أطعم ضيفي فيدل ! آه يا لوسي آه ! يبدو أنك لن تأتي فعلا ، إنها السابعة مساء ، وكم بودي أن أتخلص من أفكاري الحمقاء وأنسى قطك ، بل وأنساك ايضا ، ولأكن شريرا ، ولأكن مجرما ، فلست الشرير أو المجرم الوحيد في هذا العالم المليء بالأشرار ، بدءا بي إذا شئت ، مرورا بالسيدة الحديدية وابن ريغن ، وانتهاء بمغتصبي وطني وكل أصحاب الجلالة والسيادة ! لم يبق أحد كما ترين ، فالجميع أشرار . العالم كله أشرار يا لوسي ، ومصيبة إنسان مثلك أنه قيض له أن يعيش في هذا العالم ، وفي هذا العصر البذيء بالذات ! سأتصل بك للمرة الأخيرة يا لوسي. وإذا لم أجدك لن أتصل ابدا ، سأشمع أذني تماما وأبتلع كمية من الحبوب المنومة ، وأطرح نفسي في السرير إلى صباح الغد . فتحت أذني . وفيما كنت أدير القرص ، قرع جرس الباب . أقفلت الهاتف ونهضت متناسيا كل متاعبي وآلامي . فتحت الباب . كانت لوسيان بشحمها ولحمها . هتفت ( لوسي ) لم تتكلم . زمت شفتيها بحركة اشمئزازية ونظرت خلفها قائلة ( معي هاريش ) وهذا صحفي هندي ، وهو صديق مشترك لنا ( أهلا تفضلا ) دخلا . صافحت هاريش . مرحبا به بالإنكليزية . جلسا . *********** يتبع الحلقة الأخيرة . |
مشاركة: مختارات من قصصي
لم استطع إخفاء ما كان يعتمل في نفسي طوال النهار . نظرت نحو لوسيان وهتفت:
< لو لم تات لجننت !> قالت : < أف هل أنت منزعج من أجل محمود ؟ > قلت : < لا أظن ، لكن أشعر أنني قسوت عليك كثيرا. أنا آسف جدا لما بدر مني . ماذا فعلت ؟ >؟ < اتصلت بهاريش وجاء . ذهبنا معا ودفناه > < أين ؟ في مقبره ؟> < لا لا ، لم يسمحوا لنا أن ندفنه في مقبرة > ! < لماذا > ؟ < لأنه قط >! < أين إذن دفنتماه ؟> < في صيدنايا > < أف في صيدنايا ؟ ألم تجدا مكانا في دمشق ؟> < لا لم نجد > < في جبل قاسيون مثلا ، أو في وادي بردى ، أو في الغوطة > < لا لا لم يخطر ببالي غير صيدنايا ، ربما لأنها بلدة مسيحية > < لكن القط ليس مسيحيا > !!!!! < في الحقيقة احترت ، القط يحمل اسما اسلاميا ، وأنا مسيحية ، فاقترح هاريش أن نحرقه على الطريقة الهندوسية ! فصرخت لا لا ، هذا غير ممكن ! > < لو كنت مكانك لقبلت ، ففي هذه الحال تحتفظين برفاته أو تنثرينه في نهر بردى >! < لا لا ! أنت مجنون ! > < لا لست مجنونا ! فالقط يحمل اسمي ، وأرى أن الطريقة تليق بي > < لا لا ، لا أحتمل أن أراه يحترق أمام عيني ، ولا أحتمل أن احتفظ برفاته في بيتي .< < تنثرينه في النهر إذن > < لا لا ، ثم إن نهر بردى غير مقدس > < أوهو ! نقدسه طالما أن رفات محمود سيذر فيه ! > < لا لا ! لاأستطيع ، ثم إننا دفناه وانتهى الأمر .> < على أي طريقة دفنتماه ؟ < < رسمت على قبره شارة الصليب> < الصليب ؟! > < ماذا أفعل ؟ > < أكان من الضروري أن تدفنيه على دين ما > ؟ < في الحقيقة لم أعرف ، ولم يسبق لي أن دفنت قطا أو غير ذلك > < طيب ، كيف دفنتماه ؟ هل حفرتما له قبرا ؟ > < طبعا ، لكن الأرض كانت قاسية ، وأنا لم أحضر معي سوى ملعقة ! انكسرت على الفور ! > < ملعقة يا لوسي ؟ تحفرين قبرا بملعقة ؟ > < كنت أظن أن الأرض لينه > < ماذا فعلتما بعد أن انكسرت الملعقة ؟> < أحضر هاريش من سيارته أداة حديدية حادة ، وحفر بها القبر > < حفر قبرا عميقا وواسعا ؟ > < لا ليس كثيرا > ولم أجرؤ أن أقول لها أن الثعالب ستنبش القبر وتفترس محمود . سألتها : < وبماذا كفنتما المرحوم ؟ > < بقميص أبيض ، ووضعنا البلوفر فوقه > < البلوفر ؟ كنزتك الصوفية الجميلة ؟ > < نعم وأهلنا التراب عليه ، وأقمنا فوقه رجما صغيرا من الحجارة > < وكم استغرقت العملية ؟ > < كثيرا ، ذهبنا منذ الصباح ، ولم نعد إلا الآن ، تناولنا طعام الغداء هناك > < هززت رأسي فيما ابتسامة لا تخلو من سخرية ترتسم على شفتي ، ويبدو أن لوسيان لمست السخرية في ابتسامتي وهزة رأسي . > تساءلت: < لماذا تضحك ؟> قلت: < أتساءل من منا المجنون ، أنا أم أنت ؟> ويا ليتني لم أتفوه بهذه الكلمات . فقد غضبت لوسي ، وأنا لا أريد لها أن تغضب ، وراحت تتحدث بلهجة غلب عليها الإنفعال : < مجنونة ؟! أنت قاس ! قاس جدا ! ولا تعرف أهمية محمود وزميله فرنسيس عندي . لا تعرف ولن تعرف ! عندما مرضت ، بقيت يومين طريحة الفراش ، لم اكن قادرة على النهوض ، ولا يوجد من يقدم لي شيئا . ولم يكن عندي هاتف في البيت . لم يحضر إلي أحد . ولم يسأل عني أحد . ولا اظن أن أحدا فكر في ، أو سأل نفسه ماذا جرى لي ، لا من الأصدقاء ولا من الصديقات . كلكم هكذا . لا تتعرفون على الإنسان إلا وهو قوي ويسير على قدميه ، وعندما تحتاجون إليه . أما عندما يحتاج إلى أحد ، فإنه لا يجد . فرنسيس ومحمود ظلا إلى جانبي ولم يفارقاني ، مع أنهما اعتادا التجوال كثيرا خارج البيت . ظلا إلى جانبي على السرير ، يموءان حزنا عندما أتألم ، ويمرحان معي عندما تخف موجات الألم . يقبلان عنقي ، ويعضان أصابع يدي مداعبة ، وعند النوم ينامان إلى جانبي . لم يبتعدا عني للحظة .ونفدت لحمتهما ولم يسألاني عن الطعام . وفي اليوم الثاني شاهدا حالي تسوء كثيرا ، خرجا من النافذة وراحا يموءان ويصرخان أمام باب البيت من الخارج ، كنت أستمع إلى موائهما من الداخل . ظلا يموءان ويخرمشان على الباب لأكثر من نصف ساعة . أدرك الجيران أن في الأمر شيئا فهرعوا وخلعوا الباب ، وجدوني في حال سيئة ، فسارعوا إلى إحضار الطبيب . عندما مرض محمود في الفترة الأخيرة ، أهملته قليلا ، وكان يجب أن آخذ إذنا من عملي لأعتني به أكثر . لم أدرك أنه مريض جدا إلا بعد ان قال الطبيب أنه لم يعد ثمة أمل في شفائه . كم لمت نفسي ، فلو اهتممت به منذ البداية لما مات . توقفت عن العمل لأظل إلى جانبه لعله يشفى . كان يتألم بشدة . عرفت ذلك من موائه والألم الذي كان باديا على وجهه . كم كان حزينا يا حرام . لم يكن يأكل أو يشرب ، وأنا أتوسل إليه دون فائدة ترجى . أحضرت له حليبا وعصيرا طازجا . بالكاد حتى كان يبل ريقه . أحيانا كان يزحف من مكانه بضعة أقدام فأستبشر خيرا . صباح اليوم ، كنت جالسة إلى جانبه وأملس على رأسه وظهره ، وفجأة تنشط وبدأ يزحف ، لا أعرف ماذا كان ينوي أن يفعل وإلى أين سيذهب ، كي أحمله إلى المكان الذي يريد. تركته يزحف وأنا أحبو إلى جانبه . خرج من غرفة النوم إلى الصالون . أدركت أنه ربما يريد الذهاب إلى التواليت . حملته ، فأخذ يموؤ بعصبية وألم . وما أن أعدته إلى الأرض حتى توقف عن المواء وتابع زحفه . ظللت أحبو إلى جانبه وأشجعه . عبر الصالون واتجه نحو التواليت . ظل يزحف إلى أن وصل . فتحت له الباب . دخل حبوا . نظر إلي وماء عدة مرات . أحسست انه خجل مني ، ولا يريد ان يتبول أمامي . أغلقت الباب عليه وعدت أنتظره في الصالون إلى أن يموء لي كي أفتح له . انتظرته قرابة عشر دقائق . لم اسمع صوته. قلت لعله لم يقدر على المواء أو لم ينته بعد. نهضت لأطمئن عليه . هتفت له من خلف الباب < محمود ، محمودتي > لم يمؤ ، وحين فتحت الباب وجدته مضطجعا على جنبه ، دون ان تبدو منه أية حركة . تنبهت للبول على مقربة منه . انحنيت عليه وأنا أهتف < محمود ،محمود ، محمودتي > لم يتحرك فيه شيء. تحسست جسده . أدركت أنه ميت. حملته إلى الصالون ، أجلسته في حضني ورحت أبكي > وراحت لوسيان تبكي فيما هاريش صامت ، ولم أتنبه لنفسي أنا الآخر إلا وأنا أبكي .. لا أعرف فيما إذا كنت أبكي القط ، أم أبكي لوسيان ، أم أبكي نفسي ، أم أبكي الحياة برمتها ... كانون أول 1986 آذار 1988 يتبع في الحلقة القادمة نص نقدي عن القصة للدكتور سامي مسلم نشر في صحيفة الأيام الفلسطينية ، يقارن فيه بين هذه القصة وقصة التبر لإبراهيم الكوني . |
مشاركة: مختارات من قصصي
الحيوان نموذج لإنسانية الإنسان
د. سامي مسلم راودتني فكرة الكتابة عن قصة محمود شاهين )موتي وقط لوسيان) أكثر من مرة منذ قرأتها لأول مرة قبل أربع سنوات. وظلت القصة عالقة في ذهني تراودني باستمرار لما فيها من جمالية وقوة في التعبير القصصي ليس عن الإنسان فقط وإنما عن الحيوان. وبعد قراءة قصة إبراهيم الكوني (التبر) التي نشرت ضمن سلسلة "كتاب في جريدة" رقم (51) عن دار الأيام، قررت أن أكتب عن القصتين معاً لما يشتركان فيه من "حداثة" أو كتابة بأسلوب جديد وحبكة جديدة أو على الأقل بأسلوب غير تقليدي. فالبطل في القصتين ليس الإنسان وليس الحيوان بشكل مجرد. إنه رقي البشر إلى مستوى "أنسنة" الحيوان أو "حيونة" الإنسان. إن القصتين تعالجان مأزق الوجود الإنساني في عالم بغيض لا يرحم، يفرض الغربة على الإنسان في مجتمعه البشري. ولا يجد الإنسان فكاكاً من عزلته إلا بالتماهي مع حيوانه الأليف الذي يعيش معه رفيقاً وأخاً وصديقاً، وأنيساً. فيفرح الإنسان لفرح حيوانه، ويحزن لحزنه، ويخاطبه ويتحدث إليه، يجادلهُ، ويغضب منه. يستهزئ به الحيوان ولا يستمع إليه. ينظر إليه بعيون كلها توبيخ إذا ما أخطأ في معاملته له. ويضحي من أجله أكبر التضحية وهو الفداء بالنفس (لدى إبراهيم الكوني) والهرب من الظلم (لدى محمود شاهين). وقصة الحيوان في الأدب الإنساني قصة طويلة لم تبدأ مع محمود شاهين أو إبراهيم الكوني. إن جذورها تمتد عميقاً في التاريخ البشري، إن كان بالرسم أو الحفر على الحجر وفي الكهوف، أو في الآثار أو في القصص والتراث الديني، أو في الأسطورة أو في الأدب القديم والحديث، في الغناء والفن والرسم والنحت، في الفنون الحديثة من أفلام تمثيلية ووثائقية وصور متحركة، اجتذبت قلوب الملايين من البشر في مختلف القارات، فأضحكتهم أو أبكتهم. وقد نالت علاقة الإنسان بالحيوان، أو بالعكس، علاقة الحيوان بالإنسان، مكاناً متميزاً في جميع الحضارات والأديان ولدى مختلف الشعوب وفي كل القارات، ولكن من الملاحظ، وبشكل عام، أن الإنسان يبقى في هذه القصص والروايات، هو الإنسان والحيوان هو الحيوان. يستخدم الإنسان الحيوان لمآربه، يعبر عن قوته أو قوة الطبيعة، مثل أبو الهول مثلاً، رأس رجل على جسد أسد، أو بعض آلهة اليونان، نصفها الأعلى إنسان ونصفها الأسفل حيوان؛ أو يستخدمه الإنسان كناطق باسمه للتعبير عن آرائه وعواطفه ومواقفه خوفاً من بطش الحكام على مر العصور مثل كتاب (كليلة ودمنة)، أو لإدانة ما يقوم به الإنسان من أفعال شريرة من وجهة نظر إنسان آخر، مثلما فعل جورج أورويل في (مزرعة الحيوان)؛ أو يجعل الإنسان الحيوان ينطق بالحكمة السياسية والحياتية مثلما فعل توفيق الحكيم في (حماره)) وخالد الحسن في (مذكرات حمار وطني(، أو اسحق موسى الحسيني في (مذكرات دجاجة) أو كما في الأدب الصيني القديم حيث يمثل السعدان أو القرد رأس الحكمة والتعقل والفهم، أو في أغنية للأطفال كتبها د. محجوب عمر بعنوان "أنا اسمي حمار شيخ الشطار". ومن الملاحظ أيضاً أنه كلما شعر الإنسان بالغربة عن مجتمعه البشري، بسبب الظروف السياسية والحياتية والاقتصادية، لجأ إلى الحيوان أو إلى مجتمع الحيوان ليتنفس الصعداء، وليجد في ذلك المجتمع الراحة والطمأنينة ( حتى لو كانت مؤقتة) بعيداً عن ظلم بني البشر. ففي الأدب العربي القديم، لجأ الشنفرى إلى هذا المجتمع الحيواني في لاميته الشهيرة. وتحدث الفرزدق وجرير عن العلاقة مع الذئب، وتربى سيف بن ذي يزن، وفقاً للأسطورة، لدى أمه الغزالة. وكذلك حي بن يقظان. وجاءت تلك المقالة أو الرواية لابن رشد مقالة فلسفية تظهر الجدل الفلسفي بين الطبيعة والإنسان. وهذا الدافع الفلسفي نجده أيضاً في الروايتين اللتين أمامنا. * * * محمود شاهين يدور في عالم ثنائي: الخير والشر، الاحباط والأمل، هاجس الفناء وهاجس البقاء. هاجس الفناء يتشكل من كل الأشرار والظلام في هذا العالم. هو الشرخ الذي يمتد من جسده من المحيط إلى الخليج. هذا الشرخ الذي حطم كل طموحاته في الحرية والاشتراكية، في الوحدة والتحرير، في التحرر والانعتاق، وفي الديمقراطية. يصبح العالم كله سوداوياً حيث ..."لم يعُد هناك ولا شمعة واحدة تنوس أو تخبو في حلكة ظلامي." (ص15) هاجس الفناء تمثله حمامة مصلوبة تجسد الوضع الفلسطيني كما يراه في أطفال صبرا، وفي عسكر الاحتلال، وعسس الاحتلال ومخابرات وجواسيس الاحتلال، في ظلم والده. لكن مذابح صبرا، التي وقعت في 1982 وفي 85-1986، هي استفحال هاجس الفناء. يقول لنفسه "ليس في حياتك الا حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير. إنها صبرا، صبرا اختصار زمانك، صبرا اختصار حياتك، صبرا اختصار شقائك، فاركن إليها، صبرا اختصار موتك. رمز مسافات العذابات فيك، ليالي الحزن الطويلة في عينيك." (ص30-31). ومع ذلك، أو بالرغم من ذلك، فإنه بانتظار التغيير القادم عن طريق هاجس بقائه. وهاجس بقائه هذا يتمثل بحبيبته، أي حبيبة كان يحبها في تلك اللحظة. الحبيبة قد تكون حياة المقدسية أو بسمة الفلسطينية أو كلير القادمة من "بلاد بلفور قاتلي"، أو لوسيان الفرنسية. لكن من بينهن هي بسمة التي تمثل التجسيد الحي لهذا الهاجس. فهي آسرته، دماغه معطل لا شيء فيه سوى الموت بينما بسمة وحدها التي ترمم شروخه وتعيد إليه توازنه، فهي تمثل الحياة بصدرها المتدفق، خاصة إذا أسند "جسده الميت" إلى هذا الصدر العامر. وهي أيضاً تشكل بالنسبة إليه "فيض الينابيع التي لا تنضب، خصب دائم، وبلسم جراح، هي اختصار الفرح والبقاء"، ورغم كل القيود التي قد يضعونها فيها لحجرها لكنها "ستأتي مع السحاب والمطر والندى، مع أجنحة الطيور". في هذا العالم الوحشي والموحش معظم الأحيان إلا عندما يتذكر محبوبته، يعاني الكاتب من العالم الخارجي. لذلك تراه يلجأ إلى الحبوب المنومة وسدادات الأذن لأنه لا يريد أن يسمع أي شيء من خارجه أو من داخله. يريد فقط أن يدفن نفسه في جسده، في سريره. تشكل هذه الرواية ذكرى لكل ما مر به الكاتب من تجارب وحصل عليه من خبرات. النضال ضد الإسرائيليين، الحب في القدس، والفرار من أمام عسكر الاحتلال وترك حبيبته وحدها تنتظره في الباص، ويهرب من الضفة الغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي إلى المنافي. يتذكر والده ووالدته. يتذكر كم كان والده قاسياً. كان يضرب أمه أربع مرات في اليوم. "آه يا أمي التي لم أرها منذ ستة عشر عاماً، يا أمي التي ماتت دون أن أراها، دون أن تراني ... آه يا قطيعنا الذي كنت أرعاك" (ص29). القصة بسيطة، قصة أي فلسطيني، عاش النضال وعاش الشتات. هي قصة قد تكون متطابقة مع سيرة محمود شاهين الشخصية. فالبطل أو الراوي اسمه محمود. يعيش في قرية، تقع في منطقة القدس. الكاتب نفسه هو أصيل قرية السواحرة في منطقة القدس. يتربى في عائلة ترعى الغنم والماشية. يعزف الناي (أو الشبابة) بشكل محترف. وهو كذلك بالفعل. بالنسبة للكاتب فإن والده قمعي تقليدي، يضرب العائلة لأي سبب كان، الأم والأولاد والكلب. يعيش تحت الاحتلال. يُحب تحت الاحتلال، يطارده الاحتلال. يهرب من الاحتلال. وعندها نعرف أن سبب هروبه ليس فقط جرائم الاحتلال وإنما قسوة أبيه أيضاً. يلتحق بالثورة، يصبح محباباً (أي على وزن مزواج)، تزوج مرتين وعاشر قرابة خمسين امرأة من القارات الخمس. (ص40) والقصة هذه يكتبها إلى حبيبته أو صديقته الفرنسية "لوسيان"، هي رسالة اعتذار بالواقع، اعتذار عن خطأ ارتكبه في حق لوسيان أو بالأحرى في حق قطها "محمود"، ولوسيان عندها عادة: تسمي قططها باسماء من تحب. حبيبها الأول فرنسي كان اسمه "فرنسيس" وبالتالي اسمت قطها "فرنسيس". حبيبها الحالي اسمه محمود وبالتالي اسمت قطها "محمود". المشكلة أن "محمود" هذا مات. وتريد دفنه. فالتجأت إلى حبيبها محمود ليساعدها في هذه المهمة. ومحمود كان في إحدى مزاجاته المتعكرة الناجمة عن "هاجس فنائه" ينزعج، ينرفز، يصيح عليها، يقول لها أن ترمي "محمود" في القمامة وتنساه. جن جنونها. حزنت، غضبت منه. بكت منه لأنه غير إنساني ونعتته قائلة "شرير مجرم قاس" (ص37)، وأغلقت سماعة الهاتف في وجهه. وذهبت تبحث عن صديق آخر يساعدها في دفن "محمود" دفناً يليق به. هذه هي القصة بالفعل. وفي تداعياتها يريد محمود شاهين أو الراوي أن يثبت لصديقته الفرنسية أنه "إنسان" أو بالأحرى يرقى بإنسانيته إلى مستوى حيوانية الحيوان لأنه يتمتع بحب الحيوانات. وقد عاشر الحيوانات وأحبها ورضع منها وهو طفل صغير إلى حين كبر واضطر إلى النزوح عن وطنه، فلسطين. بعد أن يتشاجر معها، تعاوده الشكوك فيما فعل. فلوسيان امرأة ناعمة رقيقة، أرق امرأة عرفها في حياته وأكرمهن بعد "عائشة العلان، ناعمة كحرير الشام وشفافة كماء زمزم." (ص50). يريد أن يذهب إليها ليساعدها في دفن "محمود" حتى تقتنع أنه ليس شريراً ولا مجرماً ولا قاسياً. ويصيح "رباه! لعلني أصبحت شريراً دون أن أدري!" (ص54). ليبرئ ذمته أمامها، يتحدث إلى نفسه. فيبدأ بسرد القصص التي عاشها والتي تثبت أنه يحب الحيوانات والكلاب والقطط. ويقص عليها أنه عندما كان فدائياً غضب من زميل له، أي من فدائي آخر، لأن هذا الفدائي أطلق النار على البغلة. فيقول في مرافعته عن نفسه "وكان يجب معاقبة الفاعل، ليس لعدم إنسانية ما فعله وحسب، بل لأهمية البغلة لنا في رحيلنا وارتحالنا ونقل سلاحنا وذخيرتنا، وسفدها من قبل بعضنا أحياناً!!" (ص54). هنا يربط بين كون الإنسان إنسانياً وبين معاملته للحيوان. يجب أن لا نبرر قتل الحيوانات لأن ذلك ينتقص من إنسانيتنا ويعطي الذريعة لإسرائيل أن تفعل بنا ما تفعل. يتساءل: أحقاً نحن أشرار؟ إن كنا كذلك، "لبررنا لليهود كل ما فعلوه بنا، وبالتالي سنبرر لأنفسنا كل ما نفعله بهم في المستقبل." (ص55) إذن عليه أن يعتذر إليها ويُبدي لها أسفه "لموت هذا القط التعس" (ص55( ينتقل محمود شاهين من مرحلة الاعتذار ومراجعة النفس على ما اقترفه إلى مرحلة أعلى وأرقى في تعامله مع الحيوان ليثبت انسانيته. يقص لها حكايته مع كلبهم "سمور" في البيت كيف كان يجلس ليستقبله "بالاحضان"، وكأنه يستقبل طفلاً عزيزاً، يضمه، يعانقه، يداعبه، يملس على رأسه، يطعمه مما أحضره معه، يسأله عن أحواله، يسأله هل لا يزال والده أي صاحب البيت، يضربه لأي سبب "كان أبي يضرب كل شيء، نحن وأمي يومياً لاتفه الأسباب" (ص55( وكان الكلب يبادله هذا الحب وهذه المشاعر. كان يشعر بالكلب يشكو همومه له، ويلومه لأنه تركهم وهرب من البيت "يقاسون الحياة في كنف أبي" (ص57). يرقى الكلب بإنسانيته في المشهد الذي يقوم الأب بضربه ضرباً مبرحاً. يأتيه محمود وهو يحتضر. "حدق إليّ للحظات، انزلقت دمعتان من عينيه. ضممت رأسه برفق إلى أن لفظ أنفاسه بين يدي، فرحت أبكي..." (ص57). وهنا يناشد لوسي قائلاً لها في أحلامه "كنت أحب الحيوانات أنا الآخر. ولا أعرف من الذي غيرني..." (ص57). وفي مكان آخر يزفر "آه يا لوسي، أحن إلى الأغنام والمواشي، أحن إلى ... أحن إلى قبر أبي" (ص84) ليثبت ذلك مرة أخرى، يدخل محمود شاهين، من خلال الراوي محمود أبو الجدايل، في قص روايته مع رعي الغنم والخراف وخاصة علاقته بالكبش مرداس ابن دهمان وأخته العبورة "ندى" بأسلوب مبدع وخلاق يكشف عن حس مرهف وروح قلقة، وعذاب دائم، ومجال واسع من الحب بكل أشكاله: حب الإنسان والحيوان، حب النساء وحب الطبيعة والفصول، وحب الأرض، ورفض لكل أشكال الاضطهاد الذي يمارسه عليه المحتل الإسرائيلي، ورفضه للقمع الأبوي الذي يجعله يتظاهر بضرب كلب لكي ينجو من هذا القمع الأبوي. يروي كيف كان "يسرح" مع الأغنام، وينام معها، ويصحو معها، ولا يغفو إلا إذا نامت. يرسم صورة جميلة عن عذابه الحلو عندما يضطر أن يحمل الحملان بين يديه عندما تلد أنثى من الغنم في المرعى. يحنو عليها، يطعهما الحليب، يعزف لها على الناي أو الأرغول أو المجوز، كيف كان يمتص الحليب من ضرعها مباشرة إلى فمه (ص60)، ويخبر لوسي في هذه المرافعة أن الأغنام هي بمثابة أمهات له في الرضاعة. أنه "ابن الأغنام ابن الجبال والبوادي والشقاء ..." (ص60( من محبته لأغنامه يسمي هذه الأغنام باسماء بنات البلد الجميلات. ويجن جنونه عندما يذكر أباه له أنه يجب أن يخصي مرداس ليكون مرياعا للقطيع. فيجن جنونه لهذا المصير البائس اللا إنسـاني الذي سيصيب حمله مرداس "الذي غدا جزءاً مني" (ص62). فصرخ في وجه أبيه، ربما هي المرة الوحيدة التي صرخ فيها في وجهه، "لا" فيستبدل مرداس بوالده دهمان. يبقى مرداس مع القطيع ويباع دهمان إلى راع آخر في قرية أخرى ليصبح فيها "مرايا" للقطيع. ولكي يثبت أن خياره على مرداس كان خياراً صائباً. يدخل الراوي في رواية مطولة حول مزايا مرداس وفحولته في "اغتصاب" النعاج والغنم، وفحولته في مقارعة الكباش من القطعان الأخرى ومنازلته لأثني عشر كبشاً من جيرانه مرة واحدة من بينها كبش أخ له من أبيه فيرديه قتيلاً، فيشتمه محمود ويسميه قابيل في إشارة دينية إلى قتل قابيل لأخيه هابيل، وهي أول جريمة مسجلة في الكتاب المقدس. ويقص كذلك منازلة مرداس لأبيه دهمان. ولولا تدخل محمود لفض الاشتباك بينهما بعد الجولة الأولى من المنازلة، لفج مرداس رأس أبيه دهمان ولتركه قتيلاً. لكن تدخل محمود حال دون ذلك. وحال دون ذلك أيضاً أن الأب دهمان الذي كان بإمكانه أن يقتل ابنه مرداس رفض أن يفعل ذلك، وتنازل عن جزء من كبريائه وقوته لكي لا يهزم أبنه. وهذا ما أكبره فيه محمود، فذهب إليه يواسيه، فضمه إلى صدره وجفف عرقه، وهمس إليه وهو حزين كئيب كأنه يسترجع وضعه وعلاقته مع أبيه فيقول للكبش دهمان "لا تحزن يا دهمان وتحمل، تحمل أيها الفارس الشيخ، إنها الدنيا هكذا قاسية لعينة، ملعون أبوها، ... حتى الابن الذي انجبته من صلبك يقف ضدك فيها." (ص83 (يصف محمود خوفه على مرداس في المعركة بينه وبين أخيه الكبش من أبيه، وكيف كان يجفف بالكوفية التي على رأسه، عرق مرداس، متفقداً جسده من الاصابات. ويصف كيف كان مزهواً بنصر كبشه مع شحنة من الألم غير الجدي على مقتل أخيه. ولأن مرداس قد يكون مصاباً لم ينم تلك الليلة بل ظل سهراناً يقظاً حارساً لمرداس. ولم ينم إلا في غداة اليوم التالي عندما رأى كبشه يعتلي ظهر نعجة. فهمس له "آه منك يا عكروت: ونمتُ بعمق." (ص72( محمود شاهين، موتي وقط لوسيان، قصص، نابلس، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، 1998، 98 صفحة. إبراهيم الكوني، التبر، سلسلة كتاب في جريدة، رقم 51 (السنة الخامسة)، كانون الثاني 2002. ملاحظة: يتطرق الكاتب في مقالته إلى قصة اخرى لي هي ( جسدي بين صبرا وبسمة) كون القصتين تدوران حول شخصية واحدة هي ( محمود) |
مشاركة: مختارات من قصصي
سبحان الله اخي محمود
من الحيوان نستقي العبر والحكم شكرا على هذا المقال النقدي الجميل دمت بخير |
مشاركة: مختارات من قصصي
اقتباس:
دمت مبدعا |
مشاركة: مختارات من قصصي
النهر المقدس
صدرت ضمن مجموعة ( نار البراءة ) عن دار ابن رشد في بيروت 1979 ( قصة طويلة جدا ) ترجمت إلى الإنكليزية وصدرت عن منشورات جامعة كولمبيا في الولايات المتحدة ، ضمن ( مختارات من الأدب الفلسطيني ) (1) - هل سننزح إذا سقطت الضفة يا عمتي أم لا؟ أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق النول الذي طوته وأحضرته معها إلى الكهف ريثما تنتهي الحرب: - لا يا عمتي لن ننزح واليهود لنا ولهم الله ! - ومحمد يا عمتي؟ -له رب يرعاه يابنتي ! - وإذا بقي في عمان ولم يعد؟ -سنرسلك إليه يا إبنتي! أعلن راديو العدو سقوط الضفة بكاملها. لم يصدق الناس النبأ. خر المئات سجوداً في كنيسة القيامة..قال المطران إيليا متضرعاً وهو يجثو أمام تمثال الرب، وعلامات الحزن والرعب ترتسم على وجهه: < ربنا أنزل علينا رحمتك الطاهرة، وانقذنا من شر الأعداء، واحم ربنا ديارك الغالية> ردد الناس من خلفه (آمين).. بسط الآلاف أذرعهم داخل المسجد الأقصى وشخصوا إلى السماء .. قال الشيخ عبد الحميد متوسلاً: < ربنا اجعل من أمامهم سداً ومن خلفهم سداً، واجعل اللهم على أعينهم غشاوة علهم لا يبصرون > ارتفعت أصوات تستغيث وتتوسل بخشوع: (آمين). دوت طلقات الرشاشات في سا حة الأقصى، ومرت بعض الطائرات المعادية على ارتفاع منخفض فألفت قنابلها وفتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي .. تناثرت أشلاء من أجساد بشرية. جمد طفل من الرعب لحظة ثم هرب تاركاً عند قدميه بركة صغيرة.. خرج آلاف البشر من الملاجئ والمنازل وأخذوا يعدون في اتجاه الشرق.. ذاك حمل أخفّ الأشياء، وذاك أضاع حماره، وذاك فقد محفظة نقوده.. ارتفع الصراخ والضجيج.. ذاك يسأل عن إبنه، وتلك تصرخ وتولول، وهذه تمزق وجهها بأظافرها، وذاك رجل فقد صوابه وانهال على زوجته ضرباً بعصا، لأنها لم تحضر ما خف حمله كما أمرها، لاعتقادها أن الضفة لن تسقط.. وتلك امرأة كانت قد رتبت كل حاجياتها، فها هي تضع الدجاجات في لقن العجين وتحمله على رأسها، بينما الطفل يصرخ في الحذل المتدلي على ظهرها، وزوجها يحزم بعض الأمتعة ويحملها ويسوق الأطفال أمامه..وتلك امرأة تنزلق قدمها فترسو بين صخرتين وتصرخ جاهدة لإخراج رجلها دون جدوى. تنبه الراعي محمد عودة إلى الضجيج القادم من الغرب.. ترك القطيع وصعد سفح الجبل ليتبيّن الأمر.. ذاك شاب يعدو، وذاك راع يسوق قطيعه هارباً، لكن من أين كل هذا الصراخ؟وما لبث محمد عودة أن تبين الأمر إذ ظهر آلاف من البشر يركضون في الأودية وعلى قمم الجبال ومع السفوح ..انثنى إلى القطيع .. أخذ بيده صفيحة وشرع يضرب عليها فأجفل القطيع .. وما أن بلغ قمة الجبل وأحكم النظر حتى نزع كوفيته عن رأسه وأخذ يلوح بها وينادي بصوت عال< يا ناس يا هيه، الضفة سقطت في أيدي اليهود، والناس هربوا .ها هم يهرعونمن الغرب . يا ناس يا هيه...> وركض على قمة الجبل، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وكرر النداء وهو يلوّح بكوفيته وعقاله ويقفز عالياً، ثم يهوي على الأرض ويرفس بقدميه ويدحرج الحجارة الكبيرة من القمة.. سمع الناس نداء محمد عودة فخرجوا من الكهوف التي أووا إليها منذ إندلاع الحرب، وقد ارتجفت قلوبهم من الرعب والهلع، ودبّت بينهم الفوضى شأن القادمين من الغرب .. وقفت وردة العودة ترقب شقيقها الذي كان يقفز عالياً ، وشاهدته وهو يتوقف عن القفز والنداء وينحدر مع الجبل جريا. ويدحرج الصفيحة خلف القطيع فتخرج قرقعة هائلة فتهرب الأغنام أمامه..ارتفعت أصوات تدعو إلى النزوح وأصوات إلى التريث لتبين الأمر، لكن محمد عوده بلغ الوادي فقطع الشك باليقين: < يا ناس اسمعوا > فأنصت الكل وقد تحلقوا من حوله وهو يعتلي صخرة عالية : < الدول العربية انهزمت، واليهود احتلوا الضفة والقطاع وسيناء والجولان، أنا لا أقول لكم إلا الصحيح، شاهدت النازحين من القدس والطور والعيزرية وأبو ديس بعيني هذه، ها هم يأتون من الغرب، يحملون عفشهم وأولادهم على ظهورهم ويهربون شرقا. إذا لم تصدقوا اصعدوا إلى الجبل وشاهدوا، ها هم يهرعون من الغرب كأفواج النمل.> زاد محمد عودة من الطين بلّة، فعلا الصراخ ودبّ الضجيج: (هل سيفعلون بنا ما فعلوا عام (48)؟ هل يحدث كما حدث في دير ياسين وكفر قاسم؟ سيحدث أكثر من ذلك.. النزوح يا ناس.. اكسبوا حياتكم وحياة أطفالكم.. انهم يبقرون بطون النساء الحوامل، ويقطعون رؤوس الأطفال.. ألا تذكرون دير ياسين؟ آه، لو لدينا سلاح.. هرع الناس إلى ملابسهم وحاجياتهم يحملونها.. تعثروا ببعض.. تلقت الطرمزية صدمة قوية من رأس أحدهم فنزلت الدماء من أنفها. وأفرغت جميلة الحمدان كمية من الطحين على قطعة قماش بالية وصرّت عليه... وأخذت فاطمة زوجة المجنون الأخرس علي الخطيب – الذي انخرس وجنّ بعد أن أحرق لسانه بنار البشعه – تضرب كفا بكف ،ونظرت إلى عايشة العلان لتجدها جالسة في ذهول.. خطت نحوها: - ما رأيك يا حجة هل ننزح أم لا؟ - لا والله يا بنتي ما دام النزوح موت وفي الحياة هنا موت، لا والله، نموت في بلادنا أحسن لنا. ولم تجادل فاطمة في ذلك واعتبرت قول (عايشة العلان) القول الفصل.. وكان كل ما يقلق عايشة العلان ابنها محمد الذي قد لا يترك عمله في عمان ويبقى هناك، وتبقى زوجته وطفله هنا.. .آلاف من البشر يتجهون إلى الشرق.. قوى واهنة، خطا ثقيلة.. ألسن جافة من الظمأ، أطفال يصرخون ...كلاب تبحث عن نقطة ماء.. شمس حزيران تلقي بحرارتها على الرؤوس.. عرق يتصبب من الجباه.. شفاه تتقصف في ذبول.. عجوز يتدحرج من سفح جبل فيستقر على حصباء الوادي، يشهق ويشهق وينام نومته الأبدية.. أم تسأل عن طفلها المفقود فلا يجيبها أحد... طائرة تفتح نيران رشاشاتها ، تتهاوى جثث وتنهض أخرى متمايلة من ألم الجراح! ! غراب ينعب في السماء.. بيدر قمح تحرقه قنبلة معادية.. جندي يغيّر ملابسه بملابس مدنية، وآخر يتخلى عن بندقيته، وآخر يبادلها بمطرة ماء.تنزل دموع وردة العودة . تنتحب بصمت... تنبعث اللاجئة المجنونة فجأة قادمة من أسفل الوادي ومتجهة إلى الغرب بعكس معظم البشر، ترتدي كيس الخيش إياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش، تدق صدرها بحجرين، وتغني بصوت مفجوع وقد نضبت الدموع من عينيها.. تقول عايشة العلاّن ومن قلب حزين: آه أيّتها الأم البائسة إلى أين تتجهين، بينما الناس يولون الأدبار؟! تنظر الحاجة ذوابا إلى زوجها الهرم عوده، ثم إلى ابنها محمد وهو يقف إلى جانب القطيع.. يتجهم وجهها ومخيلتها تبحث عن مصير ابنتها بينما صراخ ينبعث من المغارة التي لجأت إليها عائلة (أحمد أبو الجدايل). خيوط مبعثرة تمتد ما بين الضفتين.. امرأة تحمل طفلاً بيديها وطفلين على ظهرها.. شيخ يتضرع إلى الله.. سرب حمام يفر مذعوراً من أحد السدود .. تنعق بومة معلنة عن أبدية الحزن ! ! ! يرقص جنود الأعداء في حرم الأقصى ..يغتصب آخرون عذراء على ضريح يسوع في كنيسة القيامة.. تتلون السماء بلون قاتم.. أطفال مدرسة الأيتام ينظرون بعيون حزينة حائرة .. حبال تمتد بين ضفتي النهر.. تهاجر طيور القطا في أسراب عن أرض الوطن.. يعبر الناس النهر متشبثين بالحبال.. تصرخ امرأة وقعت في حوّامة. جثة طفل تطفوا فوق ماء النهر.. يمتطي راع ظهر كبشه ويخترق به الماء خلف القطيع.. تسبح الأغنام، تجاهد وتصعد إلى الضفة الثانية.. رجل يردف أطفاله من خلفه على ظهر بغل ويجتاز النهر.. حمار يكتشف أنه يجيد السباحة.. قس يقف بعينين دامعتين.. دجاجات تسقط عن رأس امرأة فتطفو فوق مياه النهر وهي تستغيث! ! يتبادل عارف ابن الشيخ على الأنخاب مع جنود الاحتلال.. يقذف النهر الدجاجات إلى البحر الميت.. يصعد كلب إلى الضفة الأخرى.. يوزع جنود العدو البسكويت على الأطفال النازحين! ! يسقط كيس طحين عن رأس امرأة في الماء فيستقر في قاع النهر...يعزف محمد عوده على نايه لحن النزوح، تتسلل النغمات عبر الجبال والشعاب.. تئن... تدمع عينا عائشة العلاّن، وتبكي وردة العودة زوجها في صمت..ترفع الحاجة صفية راية الاستسلام فوق مدخل المغارة..وتعلن الحاجة ذواباً عن الصمود حتى الموت... ويذرف العجوز عودة من قلب حطمته عذابات الحياة. يتبع 2) |
مشاركة: مختارات من قصصي
(2) ينطلق لحن النزوح كئيباً مبكياً من ناي محمد عودة.. فتحمله الريح.. تتكسر ألحانه عبر التلال فيبلغ مسامع عائشة العلان .. تمر صور عشرات المآسي في مخيلتها ثم تستقر عند صورة (محمد) فتأخذ بالغناء والبكاء وهي تنسج على النول، فتختلط أغاني السفر بأغاني الغياب وأغاني المساجين بأغاني الندب: يا ريتكم تروحوا وأعيد حنايا تروحوا سالمين وأعيد أنا منايايا يا ريتكم تروحوا وأعيد ملبوسي تروحوا سالمين تايقوى ناموسي ونتو غايبيــن محرمـــة الغيّــة لما تروحـــــوا يا نور عينيّــه ونتو غايبين محـــرم اللبــس لما تروحـــوا وتلفوا عالقـــدس ونتوا غايبين محرم الملبوس لما تروحوا وتطلعوا من لحبوس ************ بعيدين عني وأنا في العين ما ريهم وأنا اشتاق قلبي تني أحاكيهم طارت الطيارة والهوا يوحـــي تيجوا بالسلامة يا بعـــد روحـي *********** يتسرب صوت عائشة العلان إلى مختلف البيوت... تذرف النساء الدموع ووردة تنتحب بصمت كعادتها وتحضن طفلها وتضمه إلى صدرها.. تنهض وتجلس صامتة بالقرب من عمتها ثم تأتي الحاجة ذوابا وتنضم إليهما... لقد بعثها غناء عايشة العلان .. تنهض وردة لتجلسها مكانها: - ابق جالسة يا بنتي، الله يجمعك بزوجك بالسلامة. - الله يسلمك يا أمي. تجلس الحاجة ذوابا إلى جوار ابنتها: - كيف حالك يا عايشة؟ - الله يسلمك يا حجة - يا وليّة إلى متى الندب والنعي، الغائب علمه معه، إن شاء الله ما يصير إلا الخير، لماذا تعمي عينيك من البكاء؟ - أنا عارفة يا حجة، الله يرضى عنّه ويحن إليه ويسهل الصعاب في وجهه، لو إنه طمأنني بكلمتين عن حاله، ولو امرأته وابنه عنده، والله يا حجة لخفّت مصيبتي.. يا بني من يغسل له ملابسه، من يطبخ له، يا ترى كيف عيشته؟ جوعان، عريان، حي،ميت؟! الله أعلم... - الموت لاعدائه.. طوّلي بالك، الله مع الصابرين. -إلى متى نصبر يا حجة؟ حرمنا من أولادنا وأهلنا، وتشتتنا وتفرقنا، وانهدّ حيلنا وحملنا، قلت له لما جاء آخر مرة قبل الحرب بثلاثة أشهر، يا بني خذ زوجتك وابنك معك، قال لي ريثما استأجر بيتاً مقبولاً يا أمي، ليرضى الله عنه ويحن اليه، كانت يده مجروحة من الأزميل.. .وانحنت عائشة على حجر مصقول كان محمد قد صقله بأزميله وشاقوشه لتستعمله أمه، فكانت تعمل منه مقعداً تارة، وتارة تضع عليه كؤوس الشاي والابريق. انحنت عليه وأخذت تقبله وهي تقول لتسلم اليد التي دقّته. فكرت الحاجة ذوابا قليلاً وهي تحدق في وجه ابنتها ويبدو أنها وصلت إلى نتيجة ، فقد نظرت إلى عايشة العلان: - عايشة؟ - نعم يا حجة. .- معي عشر ليرات وسأجعل محمد الله يسلّمه يجلب عنزة إلى السوق ويبيعها ، وحاولي أن تحصّلي باقي المبلغ، لنرسل البنت والولد إلى عنده ، حتى إذا طال الاحتلال كل واحد يكون عند أهله. ارتسمت علامات العرفان على وجه عايشة العلان.- الله يكثر خيركم يا حجة، لكن لماذا هي الحياة إذا طالت أيام الاحتلال وظل أولادنا بعيدين ونحن هنا، الله يرضى عنّه، أنا قلت سيأتي ولن يظل هناك، وليحدث ما يحدث. - أتريدين من الشباب أن يأتوا ليذبحوا ذبح الغنم يا عايشة، انسيتي ما عمل اليهود في الثمانية وأربعين؟ لماذا نزح الناس؟ خوفاً من المذابح،وإلا ما كانوا نزحوا. ووجمعت عايشة العلان قليلاً وتوقفت عن النسيج. - ومن المهرّب الذي سنرسلها معه؟ - سنرسلها مع عارف العلي، منذ الحرب وهو يشتغل في التهريب، لقد أرسل وأحضر الكثير من الناس.. ألم تجدي غيره يا حجة، أنسيت الأعمال التي عملها عمه فينا، أيام الانكليز، صفيحة الماء كان يبيعنا أياها بخمسة قروش؟ - ماذا سنفعل يا عايشة، مع من سنرسلها إذن؟ - ما أعرف، الله يعيننا على الذين كانوا السبب! ! (3) - كم تريد يا عارف؟ - والله يا حجة اسمعي لأقول لك - قول يا بني؟ - صلي على النبي ! - عليك ألف صلاة يا نبي.. - والله فقط من أجلك يا حجة، ومن أجل عايشة العلان!! - الله يسلمك يا بني ، كم يلزمك؟ - أنا أقبض خمسين دينار على النفر، إنما لكنّ أقدّم عيني، ويكفي ثلاثين للبنت وعشرة للولد، أربعين دينار .. والله هالمبلغ لا أقبله من أحد غيركن أبداً؟ أخرجت عايشة العلان ثلاثين دينارا من صرّتها وقالت : .- والله وحياة ابني الذي لا يوجد أعز منه في الدنيا، إننا لم نقدر أن نجمع هذا المبلغ إلا بطلوع الروح، ماذا أقول لك، باع أهل الحجة ذوابا عنزة بعشر ليرات، وأخذت خمس ليرات سلفة من الحاج علي العطا، لأنسج له مفرشين، واستدنّا من هنا وهناك حتى جمعنا الثلاثين ليرة. - امتعض عارف العلي قائلاً: - والله لا يكفي يا حجة، لما كان ناس كثير، كان ذلك يكفي، إنما أنت عارفة، اليوم على الواحد أن يتحمل المخاطر ويمشي على دمه من أجل خمسة أنفار على الأغلب ، وفي العودة لا يجد أحداً يحضره. نظرت عايشة العلان إلى وجه الحاجة ذوابا ثم إلى وجه كنّتها: - والله يا أخي ما معنا غيرها ، والطفل ستحمله أمه، هل ستحمله أنت؟ - الله يسامحك يا شيخة، وهل أحمل غير نفسي، كل واحد يحمل نفسه والله يحمل الجميع، أنا أحاسب على النفر، على كل حال إذا كان هذا غير مناسب سلام عليكم...قد يرخص السوق، وأعاهدك يا حجة سأصحبها معي يومها، إنما الآن والله لا يناسبني هذا السعر!! .وانثنى عارف العلي سائرا<الآن ستناديني الحجة وتقول إرجع يا عارف> غير أن أيا من الحجتين لم تنده له..< لكن كيف اترك هذا الغزال من بين يدي، غزال يا عارف غزال، لحم كالفستق المقشر، أرداف، آه، كيف تتركها؟ بشرفك ألا تقبل أن تصحبها، بلا أجر؟! آخ، سمكة يا عارف، ما فيها جنس العظام وأنت الصياد، لا أحد ينادي ارجع، إرجع هذا يكفي > واستدار عارف العلي عائداً إلى الحاجة ذوابا وعايشة العلان: - لعنة الله على الشيطان، والله يعز علي أن أذهب وأترك البنت، وهذا الطفل الذي حرم من مشاهدة والده، وشأنكن عندي غير قليل يا حجة!! - الله يسلم شأنك يا عارف، متى السفر يا أخي؟ - غداً صباحاً بعونه تعالى. - خذ يا أخي. وأخذت عايشة العلان تعدّ النقود في يد عارف. *************** أقبل عارف منفرداً، فارتابت عايشة العلاّن أن ترسل ورده معه لوحدها. - صباح الخير يا حجة. - الله يسعد صباحك يا عارف، شايفك وحدك؟ - أي والله. - ما حدا معك؟ - الله يسامحك، أمن المعقول أن أسافر مع بنت لوحدها؟ لن تناسبني السفرة أبداً، معي خمس نساء، إنما تركتهن على الطريق ريثما أحضر ورده. اطمأنت عايشة العلاّن لكلام عارف. - متى تقطعون النهر بالسلامة إن شاء الله؟ - الليلة، وغداً في مثل هذا الوقت ستكون عند زوجها إذا سهّل الله. - إن شاء الله لن يأتي إلا التسهيل، وداعتك ورده يا عارف يا بني ، أنا أضعها أمانة في رقبتك إلى أن تقطعها النهر وتركبها في تكسي، لا ترسلها لوحدها يا بني، وإذا وصّلتها لزوجها تكون عند الله فاعل خير. - الوداعة على الله يا حجة، لا تهتمي للأمر، ورده أختي وأعز من عيني؟ - إذا كان في الدنيا خير يا بني.. الله يسلم عينيك ويسهل دربك. وانثنت إلى الخشّة وقد تناست كل الماضي الأسود لآل العلي.. وجاءت الحاجة ذوابا لتودع ابنتها...صرتّ عايشة العلاّن بعض ملابس ورده وملابس الطفل وبعض ملابس محمد في شرشف كبير، وربطته من طرفيه، بحبل لفّت عند منتصفه بعض الشرائط حتى لا يؤلم رأس ورده.. ووضعت صرّة صغيرة فيها قليل من الزيتون والبصل والخبز لتأكل ورده.. والطفل في الطريق ولتطعم محمد من زيتون البلاد وبصلها وخبزها الذي خبزته بيديها.. كما وضعت مطرة ملأتها بالماء... ونهضت إلى كنّتها تقبلها مودعة...<الله يرضى عليك يا بنتي، سلمي على محمد وخذي بالك منه، إسهري على راحته يا بنتي ولا تناكديه. قبّليه عني يا بنتي، قول له أمك تقبلك، وما تنسي المحرمة التي وضعتها له يا بنتي.وضعت لك فيها ليرتين، لتصرفي على نفسك إذا احتجت لشيء في الطريق.. قولي له، هذه المحرمة من رائحة أمك، وضعتها لك في الملابس.. اعتنوا بأنفسكم يا بنتي، الله يسهل طريقك، ويعمي عيون العدا عنك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق.. > وأخذت تضم الطفل وتقبله بدموعها.. بينما وردة تودع أمها... حملت وردة الصرّة على ظهرها وحملت الطفل بيديها وضمته إلى صدرها وانصرفت خلف عارف العلي وعبرات ساخنة تنحدر من مقلتيها... لاحقتها كلمات والدتها وحماتها... قالت الحماة: لا تنسي عنوان محمد يا بنتي، الله يرضى عليك ويحن اليك ويجعل الخير ما بين يديك، سلمي على كل الأهل والأحباب يا بنتي، قولي لهم أن عقولنا سارحة معهم في الليل والنهار، وتنتظر قدومهم .. وقالت الأم: الله يجعل طريقك سهل ما فيها وعر يا بنتي ويوصلك بالسلامة . وكانت وردة قد ابتعدت فتوقفت المرأتان عن الدعاء وظلتا ترقبانها حتى اختفت خلف تلة مرتفعة. شاهد محمد عوده شقيقته تحمل طفلها وتسير خلف عارف العلي فترك القطيع الصغير وهرع إليها والدموع تترقرق في عينيه: مع السلامة يا أختي – وضمها إلى صدره وقبّلها ثم قبل الطفل – سلّمي على محمد، قولي له أخي محمد يعزف على نايه طول اليوم، يتذكرك مع كل طلوع شمس.. واليهود اللعنة عليهم.. قولي له إنا لن نخاف منهم ، وبعد وصولك أرسلوا لنا سلامكم بالإذاعة... وعاد إلى القطيع بينما تابعت وردة سيرها خلف عارف العلي. (4) |
مشاركة: مختارات من قصصي
(4) ويكبح عارف من جماح شبقه ويحاول أن يطرد سورة ردفيها من مخيلته.. ينظر إليها .. إنها تسير بصمت، وادعة، حزينة، بماذا تفكر؟ألا تفكر برجل يسير معها على انفراد بين هذه الجبال، ولم يشبع من النساء في حياته؟ سيما وأنها لم ترطب فخذيها منذ آخر مرة شاهدت فيها زوجها قبل ما يقرب ستة أشهر. <يا حبيبي يا محمد، هل سأشاهد طلعتك الجميلة؟ هل ستضمني في الليلة القادمة بين ذراعيك؟ لن أخجل منك. سأقول لك أنني عطشى يا محمد، ضاجعني حتى الصباح، أروني، دعني أنتشي .. ستقول لي: يا سافلة هذا يكفي ! وسأكتف!! كيف ستستقبلني؟ أعرف أنك ستفرح كثيراً ..أنظر إلى فارس ما أجمله.. إنه صورة طبق الأصل عنك، نفس الأنف، نفس الذقن.. .أنظر إلى الغمازة في ذقنه.. لماذا لم تعد إلى الضفة بعد الحرب؟ فضّلت العمل في عمان. أما زلت تدق هذه الحجارة؟ هل تستطيع أن تقول لي كم حجرا صقلت في حياتك؟ إنك تضحك ..طيّب بلاش، كم صخرة انهلت عليها بمهدّتك لتقسمها من نصفها وتحولها إلى حجارة مصقولة جميلة فيما بعد؟ أما زلت تعمل مع فتح ؟ اطمئن لم أطلع أحداً على هذا السر، حتى أمي وأمك.. .لكن لماذا لم تأتِ؟ أليس النضال من هنا أفضل من النضال من عمان؟! > تعبت يداها من حمل الطفل، رفعته إلى كتفها ونظرت إلى عارف علّه يساعدها في حمله.. تنبه عارف للأمر، مد يديه وتعمد أن يضع يده على كتف الأم قبل أن يأخذ الطفل من يديها: < سأحمله عنك> كانت وردة منهكة فلم تمانع في ذلك.. ولم تنتبه لليد التي ملست على كتفها، ثم انزلقت لتمسك الطفل من ذراعه. صخور صوانية وسدود تمتد على جانبي الوادي.. حرارة الشمس مرتفعة.. تسير ورده إلى محاذاة الوادي علّها تنعم بشيء من ظل الصخور.. - تصوري يا ورده أن الانكليز قتلوا في هذا الوادي أكثر من مائة جندي تركي وعندما أمر منه في الليل، يا ساتر يا الله، شيء يجعل الرأس يشيب، يخرج مردة الجنود الأتراك ويأخذون بالرطن بالتركي بينما مردة الانكليز يردون عليهم بالانكليزي.ماذا أقول لك، أقرأ آية الكرسي، وأتعوّذ من الشيطان وأضع رأسي وأنام..ليلة من الليالي صحوت على واحد منهم، وجدته يجلس عند رأسي ويأكل من صرّة طعامي.. سمّيت بالله وتعوّذت من الشيطان.. انشقت الأرض وابتلعته .. لا تخافي طالما أنا معك، ولاتهتمي للأمر. ونطقت ورده للمرة الأولى مع عارف وهي تجاهد لتبعد مردته من مخيلتها: - أين النساء اللواتي تحدثت عنهن؟ <ما أجمل هالصوت، من زمان أنطق يا غزال، خليني أسمع صوتك.> - بعد قليل سنصل إلى مكان التجمع.. ستجلسين هناك وسأغيب عنك قدر ساعتين وأعود بالنساء، موجودات قلت لهن أن ينتظرنني في مكان قريب. ضم الطفل إلى صدره وضغط عليه وهو يتمثل والدته بين ذراعيه! غير أن صورة الأم لم تمثل في مخيلته جيداً، ثم أن الطفل لم يملأ حضنه... صار ملتصقاً إلى جانب ورده...اختلس نظرات جانية إلى ردفيها .. ترك فخذه تقترب شيئاً فشيئاً.. اصطدمت ركبته بفخذها..تنبهت ورده واعتبرت أن ذلك قد تم دون قصد. - أنت تعبت يا عارف، أرى أنك تصطدم بي؟ - لا، أعوذ بالله إنما نزل شعاع الشمس على عيني ولم أبصر أمامي.. - وهذه المردة التي تتحدث عنها؟ - ماذا أقول لك يا وردة، الواحد منهم بسم الله الرحمن الرحيم طول عمود التلفون.. - ألا يؤذون الناس؟ - لا يؤذون غير الذي يشتمهم أو يبغضهم ، لكنهم يخيفون!! دوت محركات طائرة هليوكوبتر قادمة من بعيد وكانت فرصة ثانية لعارف: < اختفي يا وردة> ومد يده إلى خصرها وضمها إليه، وهو يلتصق إلى جانب صخرة ناتئة إلى جانب الوادي .. .. ظهرت الطائرة على ارتفاع منخفض، ولم تنتبه وردة لليد التي استقرت فوق ردفها.. مرت الطائرة ولاذت خلف الجبال..تنبهت وردة ليد عارف تملس على ردفها صعوداً ونزولاً.. وأقنعت نفسها أن ذلك ليس مقصوداً، وأخذت الطفل من يدي عارف واندفعت سائرة مع الوادي.. < لم تتكلم ، والله رضخت لك يا عارف.. أصبر يا رجل سنصل إلى مكان التجمع... ما أجمل التعري على رمل الوادي تحت ظل الصخور..سأختبرها مرة أخرى، إذا ظلت ساكتة انتهى الأمر> < من أحضرك يا وردة؟ جئت مع عارف العلي! مع عارف العلي؟ غير معقول ووصلتيني سالمة؟ لا يمكنني أن أصدق؟ لماذا أليست أنا التي أمامك؟ دعيني أرى ! أي إرفع يدك يا سافل ! كيف حال والدتي؟ تسلم عليك..خذ نسيت... ماذا؟ أرسلت لك محرمة من رائحتها. يا سلام .. والزيتون، ألن تأكل منه. سآكل. والخبز ؟ لقد خبزته بيديها حتى يطيب لك أن تاكله. ما أروع خبزك يا أمي والزيتون ألن تأكل منه؟ سآكل .والخبز، لقد خبزته بيديها حتى يطيب لك أن تأكله؟ يا سلام ما أروع خبزك يا أمي . لا تبك أرجوك، لأنني بكيت طول الطريق . ألم تخافي؟ أكثر ما أخافني المردة التي حدثني عنها عارف العلي، وما عدا ذلك ما خفت . مردة! ! جان يعني؟ هكذا يقول. اوه، اتركينا من كل هذا الهراء، حدثيني عن القرية، عن ناي شقيقك محمد، عن والدتك عن صبايا البلد، عن اليهود، عن الحرب...! ! اسمع يا سيدي أنا سامع.... لم تحدثيني عن صبايا البلد؟ لن أحدثك . أيتها الغيورة . أنت تغار أكثر مني . صحيح . ضمني إليك . حبيبتي . حبيبي. *********** وصلا إلى مكان على جانب الوادي حيث توجد بئر ماء.. ويبدو أن أغناماً كانت تنام في ذلك المكان، إذ ظهر بعض الزبل على مزبلة البئر و على صدره وإلى جانب الأحواض وعلى الحمرة وفي المصفاة. وكانت الصخور العالية والسدود الصخرية تحيط بالمكان من كل جانب، وتلقي عليه ظلاً رطباً ساحراً. قال عارف وهو يقف إلى جانب الحائط الصخري:وصلنا، سنرتاح قليلاً وسأذهب لأحضر باقي النساء، لن أتأخر عليك. وضعت ورده الطفل إلى جانب حجر، وطلبت من عارف أن يساعدها في إنزال الحمل عن ظهرها.. وكانت فرصة أخرى غير متوقّعة أمام عارف، فوقف خلفها ملتصقاً. أمسك بالحمل عن ظهرها وأخذ ينزله .. أحست وردة بشيء جعلها تجزم أن عارف يتعمد التحرش بها! ! ولم تنبس مفضلة التريث على فتح المعركة معه. ..وضع عارف الحمل جانباً واستلقى على جنبه بينما جلست وردة خائرة القوى وكوّعت على حجر قريب منها.. كان الاجهاد ينهك قواها فأسبلت جفنيها.. <ما أجبنك يا عارف لم يبق إلا أن تمد يدك وترفع هذا الثوب إلى أعلى، وبعدها ينتهي كل شيء... ماذا تتوقع من امرأة خائرة القوى أن تفعل معك؟ وليست خائرة القوى فقط، ولم تشاهد زوجها منذ ستة أشهر.. لماذا لا تمد يدك يا حيوان، يا جبان، لماذا؟> ومد عارف يدا مرتجفة.. استقرت على أعلى فخذ وردة المسبلة الجفنين.. فتحت وردة عينيها، نظرت إلى وجهه ،بدا الاحمرار وقد اندفع منه، وظهر الرعب مسيطراً عليه.. وقالت بصوت لا يخلو من نفرة: - ماذا تريد يا عارف؟ ارتعدت فرائصه.. - أنا ذاهب لإحضار النساء، خذي بالك من مردة الأتراك قد تخرج اليك!! قالت بشيء من الاحتداد أيضاً: - لماذا لا تذهب، ومردة الأتراك لي ولهم الله.. والحقيقة أن حكاية المردة قد أخذت كل تفكيرها.. - أنا ذاهب لا تصرخي، أف ما هذه المرأة؟ أيقن عارف أن لافائدة ترجى من وردة، وأنها قد تكون على معرفة تامة بنواياه. منذ أن لمس كتفها للمرة الأولى، وأنها كانت تكتم غيظها طوال الطريق.. ولم يفكر في أمر اغتصابها خوفاً على تجارته أن تبور وخوفاً على سمعته سيما وأنه من آل العلي الذين حملوا المشيخة أبا عن جد، ولهم مكانتهم بين العشيرة. كما أنه ليس بهذه الشجاعة؟؟ لكنه لم يقطع الأمل. ************** < سأخبرك يا محمد.. ماذا؟ عارف وغد ابن وغد، اوه كنت أعتقد أنك ستخبرني عن صبايا البلد، ماذا فعل بك هذا الحقير؟ ألن تغار؟ اذا حدّثتيني عن صبايا البلد أولاً لن أغار... طيب سأحدثك.. زواهي ابنة حمدان أبو رطة خطفت.. خطفت؟ نعم.. خطفت؟ أعرف أنك كنت تحبها قبل أن تتزوجني.. خطفت راعي حامد دخيل .. كيف؟ طلب يدها فلم يقبلوا، فهربت إلى منزل حامد دخيل واطنبت عليه، ورجته أن يزوجها من راعيه.. تدخلت الحمائل والعشائر وزوجوها له بالقوة! ! بالقوة؟ تقريباً لأن أهلها رفضوا أن يزوجوها من الراعي .. وماذا أيضاً؟ تلك زوجوها من رجل في السبعين، وتلك زوجوها على ذرة، وتلك انتحرت لأنهم لم يزوجوها من الشاب الذي تحب، وتلك وتلك.. تسألني عن أخبار البلد وبناتها وكأنك غبت عنها عشرات السنين... إنها كما هي لم يتغير فيها شيء .والرجال؟ اعتقل اليهود الذين وجدوا في بيوتهم سلاح، والذين ينتمون إلى الثورة والحزب الشيوعي .. بربك من اعتقلوا؟ اعتقلوا رزق أبوالجدايل! ! ومحمود عايد، وعلي عبد ربه وعلي الخطيب.. والآن خبريني عن عارف العلي، هل مازحك؟ أكثر من ذلك.. وردة تقولين أكثر من ذلك؟ أكثر... قولي لي ماذا فعل هذا الجبان بربك ؟ قلت له أن يساعدني في انزال الحمل عن ظهري و..... الحقير ابن الحقير أقسم بشرفي أني سأعلقه في المكان الذي شنق محمد فضة نفسه فيه بسد العقاب، وأتركه معلقاً أبد الدهر.. اعتقدتها مجرد ممازحة في البداية أو شيء من هذا القبيل.. الحقير ابن الحقير، أخ.. لن تهدئ من روعك يا محمد؟ كلا، لن يهدأ غضبي قبل أن أعلقه بالحبل لن يهدأ.....> (5)يتبع |
مشاركة: مختارات من قصصي
(5) أسبلت الفتاة العذراء جفنيها، بينما استلقت المرأة الطورية وتنهدت من قلب مفجوع وهي تضم طفليها.. عرّى عارف في مخيلته النساء الخمس والفتاة وأخذ يقلبهن بطناً وظهراً.. ********* .جنحت الشمس إلى الغرب،فأخذت الظلال تغمر الوادي .. أفاقت طيور الحجل من قيلولتها فانتشرت بين الصخور.. وفّرت أسراب الحمام من السدود وأخذت تحلق في السماء وتحطّ على المروج . قال عارف: انهضن يا بنات.. نهضت النساء. نفضن التراب عن أثوابهن وأخذن يطعمن الأطفال. . قالت وردة: كم يبعد النهر من هنا؟ قال عارف: اذا شددتن الهمة سنصل خلال ثلاث ساعات . ونهض واقفاً.. حملت النساء صُررهن وأطفالهن وانطلقن خلف عارف بقوى واهنة ومئات الأفكار القلقة والهواجس تطرق مخيلاتهن.. ********** <ما أوحش الجبال في الليلل ! والله إني لا أعرف لماذا هذا التعب والشقاء والتهريب ودفع النقود.. فلو قطعنا النهر في النهار أمام أعين اليهود ماذا سيفعلون بنا؟ ماذا يريدون غير أن نرحل عن بلادنا ونتركها لهم؟..> .ونظرت المرأة الطورية حولها علّ إحدى النساء تجيبها.. قالت العيزراوية: - يا وليّة ألم تسمعي عن البنت العذراء التي اغتصبها حرس الحدود بعدما قتلوا شقيقها وتركوها ملقاة على جانب الوادي إلى أن ماتت وهي تنزف؟ وقالت الديسية العاقر: - ألم تسمعن عن العائلة التي سلبوها نقودها؟ وأخذت كل واحدة تردد ما سمعته من قصص عن الناس الذين ينزحون أمام أعين جنود العدو. ولم تتفوه وردة بشيء إذ كانت منهكة والطفل يلتصق بصدرها منكمشاً كالقط، وعيناه تتلصصان فيما حوله وقد انهك ذراعيها..وحسدت المرأة الديسية التي كانت تضع طفلها في الحذل الذي يتدلى على ظهرها. وتحمل صرة الملابس بيديها، لكنها تراجعت عن ذلك بعد أن جزمت أن طفلها كبير ولا يستقر في الحذل إلا إذا نام. كان طفل المرأة الطورية الكبير، يدرج إلى جانب أمه، بينما تضم شقيقه الصغير إلى حضنها، أما طفلة المرأة العيزراوية فكانت تدرج هي الأخرى، وتتعثر بين الفينة والأخرى وتقول لأمها: -أين بابا يا ماما؟ تقول لها الأم إنه ينتظرهم على حافة النهر!وتكثر أسئلة الطفلة وتتكرر: متى نصل النهر؟ لماذا نسير في الليل؟ أين سننام؟ إذا صادفنا اليهود فهل يذبحونا؟ تعبنا لو نستريح، أو تحمليني؟ عدا عشرات الأسئلة التي تدور حول اليهود والنساء اللواتي معها... فتحملها الأم وتطلب منها أن تسكت فتسكت! ! تعبت وردة وهي تنقل الطفل من كتف إلى كتف ومن يد إلى يد وتمنت لو أن عارف يدعهن يسترحن بعض الوقت، ونظرت إلى السماء فشاهدت القمر يطل من بين صخرتين عاليتين. ******** عرج عارف جانباً وأخذ يسير مع سفح جبل ..التفت إلى النساء قائلاً: - عندما نطل على السهل سنرتاح.. وفر سرب من طيور الحجل من أمامه فأحدث اصطفاق أجنحته صوتاً مرعباً.. التصق الأطفال بأمهاتهم ، وقف شعر رأس عارف واستنجدت الطورية بيسوع المسيح.. أخذوا يصعدون مع السفح باتجاه الشرق، فانجلت لهم بعض التلال، وتمنت وردة أن يقرب الله من نهاية هذا الصعود إذ خارت قواها وباتت تشعر أن الطفل سيسقط من يديها. ما أن أشرف عارف على التلال المنبسطة حتى أشار إلى النساء أن يلتقطن أنفاسهن ، إذ ستبدأ المرحلة النهائية كما قال.تنفست النساء الصعداء واستلقين إلى جانب أطفالهن الذين هدّهم النعاس.. أجسام منهكة، عطشى إلى الراحة، لكن من أين يا حسرة؟ يا ليت هذا الدليل يدعهن يأخذن غفوة، غفوة صغيرة يسترددن أنفاسهن خلالها. ********* < خمس نساء وفتاة عذراء،وأنت والليل والسماء والأرض، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.. تبا لك،جبان، جبان، سيقتلك الظمأ ولن ترويه مدى حياتك.. قال لك شلومو ماذا لديك اليوم؟ فقلت له خمس نساء وفتاة عذراء . قال لك هذا صيد دسم! ! فرفضت حرصاً على تجارتك وسمعة العائلة بينما صورة الفتاة العذراء التي ماتت من استمرار النزيف بعد أن قتل شقيقها واغتصبتماها وبعض الجنود تمثل في مخيلتك.. والآن ماذا ستفعل؟ ! ! اقترب من هذه العذراء ..أنظر كيف تضطجع على جنبها، إنها ممتلئة .. تمدد خلفها، حاول أن تتحرش بها، أملس بيدك على فخذها.. جبان لا تستطيع أن تفعل ذلك.. إذن عريهن في مخيلتك وضاجعهن في آن واحد أيها الجبان، دعهن يستلقين على بطونهن تحت ضوء القمر.. هكذا..يا سلام..، إنها ليست المرة الأولى التي تعرّى فيها النساء على ضوء القمر، أنظر إلى سحر الأجساد المستلقية أمامك.. بمن تبدأ؟ بالعذراء؟ والأخريات؟ فيما بعد، ليكن ! ما أجملك أيها القمر! ! وما أجمل الأجساد عندما تتعرى على نورك! > تهرب الصور من مخيلته،يعود إلى وعيه.. لا يشعر بأنه أروى عطشه.. ينظر إلى النساء، يشعر بشبق كبير في داخله يدفعه إلى الحقد على النساء، ويندم لأنه لم يوافق شلومو على اغتصابهن .. تنتابه موجة من الغضب..يحتضن رأسه بيديه ويصرخ بالنساء:انهضن ! تنهض النساء وقد اعتراهن الذعر، ويصرخ الأطفال.. ينحدر عارف مع تلال منبسطة ..تحمل النساء أطفالهن وصررهن وينطلقن في اثره وهن يتساءلن في سريرتهن عن السبب الذي جعله يصرخ بهذا الشكل.. غير أن أيا منهن لم تكشف السبب في ذلك، وإن كانت وردة قد فكرت بأن لذلك علاقة بما حدث لها مع عارف قبل أن تحضر النساء.. تلال صغيرة وشعاب، ثم أرض منبسطة، السير هنا أفضل من صعود الجبال.. القمر أخذ يجنح إلى الغرب، قال عارف أنهن لن يعبرن النهر إلا بعد أن يغيب القمر. |
مشاركة: مختارات من قصصي
الأستاذ محمود شاهين..
إنني أشعر بأن أسلوبك ممتع وبأن نصوصك بالتأكيد تستحق القراءة والنقد.. لكن ما يحيرني فعلا هو انعدام التعليقات في هذا الركن!!.. المهم.. أنا شخصيا قررت أن أنسخ القصص وأخصص لها ملفا خاصا في حاسوبي.. هذا من بعد إذنك طبعا.. وذلك لكي يتسنى لي أن أقرأها بهدوء عندما يتيح لي الوقت ذلك تحياتي لك |
| الساعة الآن 10:22 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط