![]() |
مشاركة: مختارات من قصصي
اقتباس:
التعليقات ليست ضرورية إلى هذا الحد . افعل ما يحلو لك يا عزيزي؟ دمت مبدعا. |
مشاركة: مختارات من قصصي
(6) يختفي القمر خلف الأفق الغربي، فتغمر الظلال المنطقة.. يخيم الظلام وتبدو أشباح أشجار الصفصاف والدفلى والعليق، تتحرك من بعيد يلتفت عارف ويهتف للنساء أن يتبعنه ببطء.. تتمنى كل واحدة منهن أن لا يصرخ إبنها في تلك اللحظات العصيبة. <إنهم منا يا جماعة < ! كانت مجموعة من المتسللين العائدين تتجه إلى الغرب، وعندما شعروا بقدوم عارف والنساء كمنوا بين الأشجار.. وما أن عرفوا أنهم ليسوا من الجنود حتى قال أحدهم < إنهم منا يا جماعة> ونهض واقفاً من خلف شجرة عليق، فاهتز جسم عارف من هول الرعب ووقف رافعاً يديه! ! قال الرجل:من؟ فقال عارف:صاحب ! - أي صاحب في هذا الليل؟ - من النازحين. فقال الرجل: نحن من العائدين!! اقترب عارف منه فشاهد خلف الشجرة مجموعة من النساء والأطفال والرجال ..قال عارف مؤكدا: - إذن أنتم من العائدين.. - أي والله لكننا لا نعرف الطريق! ! - ليست مشكلة سأدلكم وحتى لا يضيع عارف فرصة ثمينة، قد يقبض من ورئها مبلغاً محترماً، أعلن للنساء أن مهمته قد انتهت، وانثنى إليهن يهنئهن بسلامة الوصول.وبكل بساطة، أشار باتجاه النهر، وقال إنه ما عليهن إلا أن يقطعن هذه المسافة القصيرة بين الأشجار ليصلن إلى النهر، ويعبرنه بكل هدوء، إذ أن المياه قد لا تصل إلى ركبهن. .شعرت وردة أن حملاً ثقيلاً قد أرتفع عن كتفها، غير أن الشرط كان أن يجتاز النهر مع النساء، ويؤمنهن إلى عمان أو يدلهن إلى أقرب طريق للمواصلات على الأقل.ويبدو أن عارف قرأ ما يدور في رؤوس النساء.. - ألا تصدّقن؟ النهر على مرمى حجر وما أن تعبرنه حتى تجدن الفدائيين والجيش في طريقكن، لا تخفن أن تضعن.. أرغمت وردة نفسها على الاطمئنان لكلام عارف كما أرغمت نفسها مسبقاً على التصديق أن تحرشاته عفوية بريئة! ! واندفعت أمام النساء فتبعنها ،وسمعت صوت أحد العائدين يقول: انتبهن من الدوامات!.. فانبرى عارف قائلاً: لا تخفن لا توجد دوامات في هذه المنطقة . وانثنى إلى العائدين يتفاوض معهم حول ثمن العودة التي لن تتم بدون معرفته للطرق الجبلية والأودية الملأى بمردة الأتراك والانكليز، ومختلف أنواع الوحوش ومصيبة المصائب كمائن قوات العدو التي لا يحصى عددها! ! وأكّد على الكمائن حتى يجد تبريراً للكمين الذي سيقع فيه العائدون والذي سيعيدهم بدوره إلى الضفة الشرقية أو يفتك بهم، وحتى لا يقال أنه كمين مدبر بمعرفة عارف. صحيح أن النهر لم يكن بعيداً كما قال عارف، لكنه أبعد بكثير من مرمى الحجر اذ قطعت النساء عشرات المرامي ولم يبلغنه بعد.. تنهدت وردة من قلب مثقل بالآلام وشتمت في سرها اليوم الذي وجد فيه آل العلي ومشايخهم ومخاتيرهم، شيخ يقول لشيخ ومختار يقول لمختار وجدّ يقول لجدّ حتى الجد الألف! ! ! كما شتمت الظروف التي جعلتها راعية بنت راع ابن راع وحتى الجد الألف أيضاً.. كثرت أشجار الدفلى والصفصاف والعليق.. جزمت وردة أنهن يقتربن من النهر.. أخذت تزيل الأغصان المتشابكة من أمامها بيد، بينما اليد الأخرى تضم الطفل إلى صدرها . إنه النهر يا بنات . وجلست جانباً مفسحة المجال للنساء، فمددن أطفالهن وجلسن يسترحن..كانت المياه تندفع هادئة ولا يبدو أنها عميقة... قالت الديسية العاقر: - لماذا صوت الماء خفيف؟ فقالت الطورية:- باركها المسيح لما تعمّد فيها، قال لها: اهدأي يا مباركة .. فهدأت ومنذ ذلك اليوم وصوتها خفيف! ! أعجبت وردة لقدرة المسيح العظيمة، وبدا لها أنها كفرت بالله سبحانه وتعالى عندما قارنت بين المسيح وبين محمد – صلعم – عندما قال للصخرة المشرفة وكانت قد صعدت إلى السماء حينها : اهدئي يا مباركة ! فوقفت الصخرة منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، وظلت معلقة بين السماء والأرض! ! ! وأخذت تستغفر الله في سرها...قالت المرأة الطورية: - لننهض يا بنات، توكلن على الله.. نهضن وأخذن يتضرعن إلى الله في السر وفي العلانية. لم يكن عرض النهر كبيراً، فقد قدّرته وردة وهي تتأمله بما يقارب ثلاث عشرة خطوة وقد يقل عن ذلك...قالت العيزراوية: لو معنا حبل لجعلنا واحدة تقطع وتربطه في الجانب الثاني لنتمسك به ونعبر...فقالت الديسية أم الطفل : يا ولايا المياه خفيفة.. ولو توفر الحبل من التي تغامر منا وتقطع وحدها وتربطه؟ قالت وردة: لربطناه على وسطنا وامسكنا من طرفه وجعلناها تعبر، واذا ما غرقت فسنسحبها. قالت الديسية العاقر: - يا بنات قبل أن نغادر البلد فكرنا بالحبال، فقال الناس إن المياه خفيفة. قالت الطورية: وإذا وقعنا في دوامه؟ ردت الديسية العاقر: - إذن ابقين جالسات علّ اليهود يحضرون إلينا.. وبدت الفتاة العذراء وهي صامتة صمت من في القبور! !نظرت إلى وجوه بعضهن..رعب، قلق، حزن، وأسئلة كثيرة تدور في الأذهان.. قالت وردة: - توكلن على الله يا بنات، ولنقطع . وتقدمت باتجاه الماء وهي تشكل ثوبها وتلفه على وسطها ، ثم ضمت الطفل إلى صدرها وأصلحت الصرّة على ظهرها.. وتشبثت بعرق صفصاف يمتد فوق النهر، غير أن المرأة العاقر، اقترحت أن تمسك كل امرأة بيد الأخرى.. وهكذا تركت وردة عرق الصفصاف ومدت يدها إلى العاقر فأمسكت بها.. ومدت المرأة العاقر يدها إلى ابنة قريتها أم الطفل الصغير فأمسكت بها ، تبعتها الفتاة العذراء، فالمرأة العيزراوية تحمل طفلتها .. وأخيراً المرأة الطورية وقد أجلست الطفل الكبير على كتفيها ، وضمت الآخر إلى صدرها ، بعد أن رفضا بإصرار أن تقوم المرأة العاقر أو الفتاة العذراء بحمل واحد منهما. تقدمت وردة وقد غاص قدماها في مياه النهر.. سارت ببطء ، تمايلت قليلاً عندما انزلق قدمها عن حجر صغير، غير أنها استعادت توازنها وتقدمت ببطء.. خطت قليلاً .. أخذت المياه ترتفع حتى بلغت ركبتيها.. ********* .جلست عايشة العلان على قطعة كيس من الخيش، وأخذت تبرم الغزلة وهي تتنهد بألم وحسرة.. .شعرت وردة بالتيار يكاد يسحبها. .نظر محمد عودة إلى الناي بلهفة وشوق... تقلبت الحاجة ذوابا في فراشها أرقة .....جلس الأب إيليا خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة .. سارت اللاجئة المجنونة عبر أزقة القدس، ترتدي كيس الخيش اياه! ! وبشعرها الأشعث المنفوش.. جلس الشيخ عبد الحميد خاشعاً متأملاً في فراشه.. ركزت وردة قدميها على أرض النهر وثبتتها جيداً حتى تكبح جماح التيار.. استغاثت الطورية بيسوع المسيح وتوسّلت الديسية بكل الأولياء.. ودعت العيزراوية أنبياء الله جيمعهم أن يقفوا معهن، وعرّت الفتاة العذراء رأسها ونظرت إلى السماء متوسلة.. وعلق اسم الله بلسان وردة ومدت قدمها فشعرت باندفاع التيار، فأعادتها إلى الأرض في ثبات .. حركتها ببطء وإلى الأمام دون أن ترفعها فنجحت في التقدم خطوة أخرى..ارتفع نحيب الأطفال.. .رفع الشيخ فايز العلي كأسه عالياً فارتفع كأس الكابتن شلومو وكأس المختار فالح العلي وكؤوس كثيرة... قطعت وردة ثلث المسافة.. ارتفع الماء إلى ما فوق ركبتيها... رددت اسم الله أكثر من ألف مرة... مدت قدمها إلى الأمام ببطء وشعرت أن قدمها تدور في فراغ، وأحست بالتيار يدفعها.... اختل توازنها.. لم تتمكن من استعادة قدمها التي حركتها أولاً أو من تثبيت قدمها الأخرى... وشعرت للحظة أن كل أملها في لقاء زوجها قد تحطمت.. وأحست بساقها تذهب مع الماء.. كادت أن تهوي .. هوت.. ندت عنها صرخة هائلة وهي تسحب يدها من يد المرأة العاقر، وتدفع الطفل باتجاهها، وتتشبث بعود الصفصاف. ودون وعي من الأخرى، كانت تتثبت بالطفل وتشده إليها وتتراجع إلى الوراء في اندفاع، وهي تجاهد حتى لا يطرحها التيار، بينما صراخ الطفل يعلو، ويختلط بصراخ الأطفال الآخرين.هوت وردة إلى قاع الدوامة بعد أن تقصف عرق الصفصاف في يدها.. وقفت النساء في رعب رهيب وهن يحدقن إلى الماء.. وبعد قليل شاهدن الدوامة تقذف بجثة وردة فتسحبها مياه النهر أمام عيونهن.. دون أن يتمكّن من عمل شيء... ومكثن يرقبن الجثة الطافية فوق الماء في ذهول مخيف، إلى أن حدّ الظلام من مشاهدتها.. فتراجعن إلى الشاطئ يلفهن الحزن والأسى، بينما صراخ الأطفال يعلو ويعلو في استغاثات مفجعة، ولم يعد جنود الاحتلال يخيفون أحداّ! ! ! ضمت المرأة العاقر الطفل فارس إلى صدرها وطوقته بذراعيها في حنان غامر بينما صراخه يعلو ماما، ماما... دقت اللاجئة المجنونة صدرها بالحجرين وهي تمر من أمام كنيسة العذراء، وغنّت أغنيتها بصوت حزين: يا حسرتي حملوا وشالوا، وخلوني وحيدة.. .نزلت الدموع من عيني الأب إيليا وهو يجلس خاشعاً أمام أيقونة العذراء في كنيسة القيامة: ألا ترين ما حل بأبناء وطنك أيتها العذراء القديسة؟ إلى متى يا أم يسوع؟ إلى متى تحجبين عنا بركاتك ورحمتك؟؟ وقال الشيخ عبد الحميد وهو يجلس خاشعاً أيضاً: ربنا لا تُحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين... أصلحت عايشة العلان من وضع جلستها فوق كيس الخيش وهي تبرم الغزلة...انحدرت دموع طفيفة من مقلتيها، وأخذت تندب بصوت بطئ حزين: حمرا يا لهيبة وين رحتي بركابك في باب السرايا علقوا لجامك؟ حمرا ومن دبيب النمل حظيـــــتي على فراقهم ليش انتي ذليتي؟ مالك يا حمرا كبيتي في الســهــــل صايبك مسمـار ولا على الأهل؟ مالك يا حمرا كبيتي في المراح صايبك مسمار ولا محمد راح. أثارت عايشة العلان الحزن في نفس الحاجة ذوابا ومحمد عودة. وكان محمد متشوقا للبكاء منذ لحظات.. لا مس فوهة الناي بشفتيه، وأخذ يعزف لحن النزوح.. انسابت الألحان بين ثنايا الليل.. تكسرت فوق الشعاب والتلال.. تسربت إلى بيوت القرية... فبكى كل من كان يقظاً... 1976 -77 |
مشاركة: مختارات من قصصي
الأعزاء متابعي قصصي
جزيل شكري لكم لم يسعفني الوقت في تنضيد قصة جديدة . سأحاول في أقرب فرصة .وستكون قصة ( أولادي .. نشيد القدر) |
مشاركة: مختارات من قصصي
أولادي
( نشيد القدر ) حصار. حصار.. حصار.. ثلاثة أشهر من الحصار المميت ، وأم محمود تتقلب في مخيم الدهيشة على نار . نار حقيقية . ف عقبة وابنه وزوجته محاصرون هناك مع المحاصرين في مخيمات لبنان . لم تعد قادرة على النوم ، حتى أن جفنيها استحالا على الإغلاق ! من اين سيأتيها النوم ؟ وكيف يأتيها < قال نام لاذبحك ، قال شيء يطير النعاس من العينين > وتسمع أن المحاصرين أكلوا لحم الحمير والبغال والقطط والجرذان ، وشربوا البول والماءالآسن . عشرات الأطفال ومئات الرجال والنساء ماتوا جوعا أو قنصا . البيوت تهدمت والناس يتكدسون في الملاجىء دون نور / دون هواء / دون ماء ، دون أي شيء على الإطلاق ! يا ربي !وتلطم أم محمود صفحتي رأسها براحتي يديها ، ثم تزم قبضتيها وتدق صدرها ، وصورة عقبة وزوجته وابنه لا تفارق مخيلتها < يمه يا حبيبي يا نور عيني يا فلذة كبدي يا حشيشة قلبي ، يا مقلتي يا مهجتي يا بسمتي ، أنا أجوع عنكم يمه ، أنا أحفى انا أعرى ، أنا أبرد ، أنا أموت عنكم يمه ، بس الله ما يحرمني من شوفة عيونك وعيون ابنك ورفاقك ، يمه أنا اللقمة ما عادت تنزل روحي يا حبيبي ، وكيف تنزل يمه وانتوا بالجوع والعطش وتحت القصف ، ألله يقف معكم ويحرسكم ويحميكم وينصركم ويكسر عدوينكم يمه ، الله يخلي ليلهم ليل ونهارهم ليل يمه > ... وتطول أيام الحصار . تطول ليطول معها عذاب أم محمود ، ويعجز العالم كله عن إدخال مؤونة ومساعدات إلى المحاصرين . تفقد أم محمود كل مقدرتها وجبروتها على الإحتمال ، فتقرر الذهاب إلى لبنان مصطحبة صفيحتي زيت وزيتون ، وعلبتي حليب وبضعة ارطال من الطحين . أيقظت ابنتها قبيل الفجر، وخا طبتها بلهجة حاسمة < خلص يا بنتي ما قادر أصبر ، لازم اروح ، إما أحيا معهم وإما أموت معهم > هبت فاطمة على غير هدى < يا ويلي يا حسرتي كم مرة قطعت هذا الطريق من الدهيشة إلى مخيمات الشتات > غير أن أم محمود لم تجادل ونهضت من فورها قاصدة بيت المختار ليخرج لها تصريح زيارة . قبلت فاطمة واولادها عشرات القبل ، وراحت توصيها قبل أن تسلم نفسها لسيارة الأجرة التي ستقلها إلى الجسر < يمه يا حبيبتي الدنيا فيها حياة وموت ، ديري بالك على اولادك ، مش كل ما أجت دورية لليهود عالمخيم يطلعولها بلحجار ، الكف ما بيلاطم مخرز يمه ، الأولاد بيرجموا اليهود بلحجار واليهود برموهم بالرصاص ! الله يكسرهم ويهد حيلهم ، ويضيق الدنيا في وجوههم ، يكفي راح فيها جهاد يا بنتي ، بلاش يروح نصر وسرحان . برا وبعيد الموت لعدوينهم إن شاالله > أسلمت أم محمود جسدها إلى السيارة . انطرحت في المقعد الخلفي وشردت ، شردت ، شردت : ( ألله يرحمك يا بو محمود ويجمعني معك في الجنة ! ألله ما ينسيني اليوم إلي أجو فيه بجثتك محمولة على الكفوف بعد معركة القسطل عام ثمانية واربعين ، قالوا لي إنك استشهدت جنب القائد عبد القادر الحسيني ، اعتزيت فيك يا بو محمود ، ورفعت راسي وزغردت ، مثل ما رفعت راسك لما استشهد أبوك عام ستة وثلاثين . شمخت يا بو محمود شمخت ، وأقسمت أمام جسدك بأن يسير الأولاد على دربك لما تتحرر البلاد . بعد كم سنة صار محمود رجل مثل الجبل يا بو محمود ، اندلعت الثورة في غزة ، أطلعت بارودتك من المخبأ وقلت له < يله يا ابني على درب أبوك ، تأخرت كثير ! إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ، الله يحرسك ويوقف معك > وبوسته وودعته ، وراح يا بو محمود . راح . غاب غاب وما رجع . سنة سنتين وما رجع ، صارت حرب الستة وخمسين وخلصت الحرب وما رجع ، وانسحب اليهود من غزة وما رجع ، قلت راح فيها يا بو محمود ، وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، قلت اروح أدور عليه ، سافرت لمصر ومن مصر لغزة يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، دورت ، سألت ، استفسرت ، دلوني على شاب كان رفيقه ، رحب فيه وصار يبكي يا بو محمود ، . قلت له :< لا تبكي يا بني ألله يرضى عليك ، أنا حاسة أنه محمود بسلامته استشهد بس بدي أطمئن يا ابني ، إن كان محمود رجل ، إن كان بطل ، إن كان جبل مثل الجبل يا ابني ، ولا كان نذل وطى راس أمه ؟! > ومد الشاب إيده إليه وصرخ فيه < كان محمود أسد ابن أسد ، بزنده يشيل جمل ، وبصدره ينطح بلد ، ابسمته يطل الفجر ، ابضحكته يزخ الفرح ، وبخطوته يهز الأرض ، بجلسته يحل الأنس ، بغيبته يعم الحزن وبطلته يقبل مدد يقبل مدد > وزغردت يا بو محمود ، وزغردت يا بو محمود، وزغردت يا بو محمود . قلت للشب < وين استشهد يا ابني > ؟ أخذني للصحرا يا بو محمود . وقف جنبي وأشار لرجوم كثيرة فيها . قال لي < شايفة هذي الرجوم يا خالتي > قلت < شايفها يا بني > قال < هذي كلها قبور دفن فيها اليهود آلاف الشباب > وسكتت يا بو محمود وراح الشاب يحكي : < كان اليهود يجمعوا كل يوم مئات الشباب ، ويوخذوهم إلى أماكن مجهولة يا خالتي ، وفي يوم واحد أخذوا ألف وثمانمية شاب ، كان محمود بينهم ، محمود ما يستسلم ، لكنه كان مصاب بجروح خطيرة ، أخذوه من البيت إلي وجدوه فيه ، ومرت شهور وما عاد حدا من الشباب ، وما عاد حدا من إلي اخذوهم قبلهم وبعدهم . وبعد انسحاب اليهود من القطاع ، عثر أحد الناس على ساق اصطناعية تبرز من رمال الصحراء . كانت مياه الأمطار قد أزاحت الرمل عنها . كان صاحب هذه الساق واحد من الألف وثمانمية يا خالتي . هرع الناس وحفروا ، لقيوا مئات الجثث ، وراحوا يبحثون إلى أن عثروا على كافة القبور الجماعية المطمورة على آلاف الجثث المتآكلة . بنوا عليها هذه الرجوم وتركوها . في هذه الصحراء يرقد آلاف الشهداء يا خالتي ، وابنك محمود من بينهم . > آه يا بو محمود ! بتعرف قلب الأم يا بو محمود ، ما اعرفت إلا أبكي . قلت للشب خذني لواحد من هالرجوم يا بني . أخذني يا بو محمود . ذرفت عليه دمعتين . وزرعت جنبه شتلة برية ، وسقيته مي ، وحطيت عليه مصحف صغير . ورحت .. ورجعت يا بو محمود . رجعت عالضفة يا بو محمود . آه يا بو محمود ، شو بدي أحكيلك لحكيلك يا بو محمود ، لو تعرف كديش أم محمود تعبت وشقيت وعانت بعدك يا بو محمود ، لو تعرف كديش كان الثمن غالي ، كديش كان الثأر .. كديش كان الوطن يا بو محمود >؟ *************** يتبع . |
مشاركة: مختارات من قصصي
تنويه : أشرت في ردود سابقة إلى أن القصة مفجعة جدا . يفضل عدم متابعتها
من قبل العاطفيين جدا وضعاف القلوب ومن يعانون من أزمات قلبية . ************ تنبهت أم محمود إلى صوت السائق ينبهها إلى انهم وصلوا الجسر . ألقى جنود الإحتلال نظرات متفحصة على صفيحتي الزيت والزيتون وعلبتي الحليب . مر كل شيء بسلام . استقلت أم محمود سيارة أخرى إلى عمان . القت نفسها في المقعد وشردت ، شردت كما في السابق : ( ايه يا بو محمود. لما رجعت ، قلت لأحمد تعال ! أجا يا بو محمود . قال لي : عارف شو بدك تقولي لي يمه . قلت له: طيب يمه ألله يرضى عليك وينصرك ، دبر لحالك بارودة ، واتبع درب أبوك وأخوك . إن استشهدت ، ابنك بيكمل طريقك . وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب ورجع . ورد غاب غاب غاب وما رجع يا بو محمود . رحت دورت سألت ، بحثت . اتقصيت . إعرفت إنه واحد من إلي أسسوا الثورة الجديدة يا بو محمود ، وعرفت يا بو محمود ، إنه أول بسمه ، أول شمعة ، أول نقطة دم ، أول دمعة ، أول حصاد ، أول شهيد للثورة يا بو محمود . وزغردت وزغردت وزغردت ورقصت وغنيت ودبكت يا بو محمود . يو على قلبك يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ؟! ابتسم اضحك افرح غني يا بو محمود ، رفاق أحمد بنوا له صرح كبير وخطوا عليه بدم قلوبهم ( هذا ضريح البطل الشديد ، هذا ضريح القمر ، هذا ضريح النهر ، هذا ضريح أول شهيد للثورة الفلسطينية المعاصرة ) .. وتنبهت أم محمود إلى السائق والركاب يسألونها ( لماذا تبكين يا خالة ، لماذا تبكين ؟!) همست ببضع كلمات وهي تمسح دموعها ( ما فيه شي يمه مافيه شي سلامتكم ) وصلت السيارة محطة السفر في عمان . أسلمت أم محمود نفسها لأول سيارة واجهتها قاصدة الشام . وما أن انطلقت حتى عادت إلى شرودها . ( ايه يا بو محمود ، الأيام مرت والسنين مرت والعمر كله مر ، مر حامل الموت المغمس بالدم ، الدم يا بو محمود ، الدم !!لما رجعت ، جئت لعلي ، قلت له : روح اتبع درب أبوك واخوتك يمه ، إن استشهدت ابنك بيكمل طريقك ! راح مسرور يا بو محمود . قلت له : روح يا بني الله يسهلها في وجهك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق . .. وراح يا بو محمود . غاب غاب ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت حرب السبعة وستين ورجع . وبعدين غاب غاب وصارت معركة الكرامة وما رجع يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بومحمود . قلت لازم أروح . رحت يا بو محمود . رحت للكرامة يا بو محمود ، وبس عرفوا الشباب إني أم رفيقهم علي ، حطوني بعيونهم يا بو محمود ، وأخذوني لعند أبو عمار . قال لي : ارفعي راسك يا أم محمود ! قلت له ( راسي بعون الله وعون اولادي مرفوع يا بو عمار ) قال : علي كان الشهامة ، كان النخوة والكرامة ، علي كان بطل معركة الكرامة ، بزنده دمر خمس دبابات ، وأعطب ست مصفحات ، ويومن شحت الذخيرة ، عمل من جسمه لغم ، وقفز من فوق رجم ، في برج دبابة !! وزغردت يا بو محمود ، ورقصت يا بو محمود ، ليش بتبكي يا بو محمود ، عيب عليك يا زلمه ، زعلتني منك والله ، أيوه ابتسم ، افرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود ، لأن الحزن ما رايح يخلي للفرح مطرح يا بو محمود ! < لماذا تبكين يا خاله ؟ لماذا تبكين ؟ > < ما فيه شي يا خاله ما فيه شي> < إلى أين تذهبين يا خاله ؟ > < إلى بيروت يا خالتي > < لك أقارب في بيروت ؟> < ابني يا خالتي > < ألله يخلي لك إياه . شو بشتغل ؟> < فدائي مع الثورة يا خالتي > < فدائي ؟!> < آه فدائي يا خالتي ! > < لعله مع المحاصرين في المخيمات ؟> < آه يا خالتي مع المحاصرين > < الله يكون في عونك يا خالتي > < وعونك يا ابني > ********** اجتازت السيارة الحدود الأردنية السورية . انزوت أم محمود إلى جانب النافذة اليسرى في المقعد الخلفي . النافذة التي اعتادت دائما أن تنزوي إلى جانبها في رحلات البحث الطويلة المضنية عن أبنائها . صالبت يديها على صدرها ، وغرقت في شرودها . أيه يا بو محمود . لما رجعت ، جئت لحسن . قال لي: قديمة يمه ، أنا التحقت بالثورة قبل ما تطلبي مني . لكن إذا استشهدت ، قولي لابني يتبع طريقي . قلت له روح يا بني ، عين الله تحرسك في كل خطوة تمشيها ، روح . وراح يا بو محمود ، غاب غاب وما رجع . وصار أيلول الأسود وما رجع . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم يا بو محمود . دورت . سألت . لقيته بطلع مع رفاقه من عمان . الفدائيين في الشاحنات يا بو محمود بيلوحوا ابواريدهم ، والنسوان على جناب الشوارع ، يودعنهم بالزغاريد والدموع . ، ونثر الرز على روسهم يا بو محمود . شفته في شا حنة : صرخت له : حسن يمه يا حبيبي ! شافني يمه على جنب الشارع . صرخ للشفير يوقف . وقف . نزل يا حبيبي . بوسته وبوسته يا بو محمود . قال: يمه يمه ، انت بدك تمضي عمرك تدوري علينا . إحنا رجال يمه ،ونذرنا حالنا للبلاد يمه . قلت له : قلب الأم ما هو حجر يمه . قال : ما عليك ، سلمي على مرتي وبوسي لي اولادي . وما تنسي الأهل والأحباب وما تظلي تدوري علي ـ أنا بخير يمه . حسيت بالخوف يا بو محمود . عشرين ألف ضحية راحوا في أيلول يا بو محمود . وعمان صارت دمار . دمار يا بو محمود . حسيت بالخوف لما ما شفت في عيون النسوان إلا الحزن والدموع . قلت له : على وين رايحين يمه ؟ قال لي : على الأحراش . قلت له : يمه أنا خايفة يستفردوا العدوين فيكم في الحراش . قلبي ناخزني وقلب الأم ما بيكذب يا بني . قال : ما تخافي يمه ، كل الشعب العربي معنا ! قلت له : في حفظ الله ياولدي . عيوني ترعاك ، والنبي يثبت خطاك ، ونجوم السما ترجم عداك . ورجعت يا بو محمود . رجعت للضفة يا بو محمود . ونقطعت أخباره يا بو محمود . وصارت مجازر الأحراش وخباره مقطوعة يا بو محمود . ولي خفت منه صار يا بو محمود . حرقوا الحراش على رؤوس الفدائيين يا بو محمود . طيارات من السما ومدافع من الأرض يا بو محمود . وانسحب حوالي مائة فدائي من الحراش وعبروا النهر مستسلمين لليهود يا بو محمود . قالت لي فاطمة : لعل حسن معهم يمه ؟ قلت لها: حسن ما يستسلم يمه ، حسن إما ينتصر وإما يستشهد ، مثل أبوه واخوته . وظلت أخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، بتعرف قلب الأم . رحت أدور يا بو محمود ، كديش بدي أدور لدور يا بو محمود ، وكديش قلبي بده يتحمل يا بو محمود ، هوه قلبي صخر ولا بحر ولا محيط يا بو محمود ، كديش بده يتحمل يا بو محمود ؟ وتحمل يا بو محمود !كان قلبي صخر كان بحر كان محيط يا بو محمود ، وتحمل يا بو محمود ، لكن يا ترى بده يتحمل هالمرة ، إذا لا سمح الله رحلت عيون عقبة يا بو محمود ، عيون عقبة ما تفارق عيوني يا بو محمود ، والبسمة إلي كانت دايما تهفهف على ثمه ما تغيب عن بالي يا بو محمود . رحت لعمان يا بو محمود . دورت ، سألت ، بحثت ، لقيت رفيق إله يا بو محمود . قال لي : حسن كان بطل يا أم محمود ، وظل يدافع عن جثمان القائد أبو علي إياد حتى استشهد جنبه ! وزغردت يا بو محمود . والله زغردت ، لكن بس مرة وحدة يا بو محمود . ما قدرت أزغرد غيرها يا بو محمود . قلت له : خذني يا بني على الحراش حتى أشم ريحة الأرض إلي استشهد عليها حسن . قال لي : على راسي وعيني يا خالتي . ورحنا يا بو محمود . قادني الشب لبعض الصخور يا بو محمود . قال لي : بين هذه الصخور استشهد حسن وعشرات الفدائيين يا خالتي . كانت عظام كثيرة وجماجم تتناثر بين الصخور . رحت أحدق فيها يا بو محمود . لمحت ساق حسن يا بو محمود! كان حسن يحمل ندبا في ساقه من جراء سقوطه عن السقيفة وهو صغير . عرفت الندب يا بو محمود . رفعت عظم الساق وحضنته وبوسته يا بو محمود ، وبعدين فرعت راسي وكشفت صدري لألله ، ورفعت ايدي للسما ، ودعيت عالظالم ربي يذله ويشنع فيه ! يو ليش بتبكي يا بو محمود ؟ < وصلنا الشام يا خاله ، الحمد لله على السلامه > < الله يسلمك يا خالتي > ***************** يتبع |
مشاركة: مختارات من قصصي
لحقت أم محمود آخر سيارة متجهة إلى بيروت . ألقت نفسها في زاويتها المفضلة ، وغرقت في شرودها كما في كل مرة :
( أيه يا بو محمود . رجعت للضفة . جيت لشاهين . قلت له ما قلته لإخوته يا بو محمود . حمل حاله وراح . وغاب غاب غاب ونقطعت أخباره يا بو محمود . صارت حرب رمضان وخباره مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت لفاطمة ، لازم أروح أشوف أخوك يمه . رحت يا بو محمود . ليش بتبكي يا بو محمود .؟! تظن أنني وجدته شهيد ؟ لا لم يستشهد شاهين في حرب رمضان يا بو محمود . ابتسم بالله عليك وما تبكي . ول يا زلمه ! قعدت عنده شهر ورجعت يا بو محمود . ونقطعت أخباره مرة ثانية يا بو محمود . وصارت حرب لبنان ، وصار حصار تل الزعتر ، وخباره مقطوعة يا بو محمود . وطلعوا الناس من تل الزعتر بعد حصار دام شهرين ، لكن أخباره ظلت مقطوعة يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود! ثلاثة آلاف شهيد كانوا ضحايا تل الزعتر يا بو محمود . ست آلاف عين انطفت يا بو محمود ، وست آلاف ايد انقطعت يا بو محمود ، وست آلاف رجل انبترت يا بو محمود . وكل نقطة مي دفع الفلسطينيين ثمنها نقطة دم يا بو محمود . يو يا بو محمود ، قوي قلبك يا بو محمود ، عيب تبكي وانته شهيد يا بو محمود . < أم محمود أم محمود أم محمود >!!قلت لك قوي قلبك يا بو محمود ! < استشهد شاهين يا أم محمود > ؟ وليش بتسأل يا بو محمود ؟ ما هياتني بحكيلك يا بو محمود ، خليك ساكت يا بو محمود !! رحت يا بو محمود . ونا داخله بيروت بالتاكسي . شفت صورة شب على الحيطان . عيونه مثل عيون شاهين . لكن كان إله لحية . شاهين ما كان إله لحيه يا بو محمود . حسيت إنه بيطلع فيه . ما قدرت أشيل نظراتي عنه . وكل ما عبرت السيارة شارع جديد ، رحت أدور بعيوني على صاحب الصورة الملزقة على الحيطان . كنت بدي أقول لشفير التاكسي يوقف وينزلني . لكن قلت أكيد رايحة أشوف صوره مطرح ما بينزلني التاكسي . وصلنا . نزلت . كانت صور الشاب املية الحيطان يا بو محمود . قربت لصورة منها . بحلقت في عينين الشب ، وبحلق هوه في عينيه . قلت هذا شاهين ! إذا ما كانت هذي صورة شاهين ما أكون أنا أمه إلي رضعته من حليبي ، لكن يا ابني يا حبيبي ليش ملزقين صوره على الحيطان ؟ ومنشان أتأكد يا بو محمود ، وقفت بنت كانت تحمل باروده وتمر من جنبي . سألتها : صورة مين هذي يا بنتي وليش ملزقينها على الحيطان ؟! اندهشت البنت وتطلعت لي باستغراب وسألتني : ما بتعرفي مين صاحب هاي الصورة يا خاله ؟! قلت لها : حاسة إني بعرفها بس بدي أتأكد . قالت : هذي صورة الشهيد شاهين بطل تل الزعتر !!!! آه آه آه يا بو محمود ، آه يا بو محمود ! حسيت حالي بدي أسقط ، لكني تمالكت حالي على بين ما زغردت ، وزغرودتي تختنق بالحزن والبكا ، وبعدين وقعت عالأرض يا بو محمود من غير ما أدري . لما صحيت لقيت حالي في المستشفى ، والشباب من حوالي يحملوا صور شاهين . حكوا لي عن بطولة شاهين . وحكوا لي عن تل الزعتر ما يشيب روس الأطفال يا بو محمود ، ************** توقفت السيارة لبعض الوقت على الحدود السورية اللبنانية . وما أن تجاوزتها حتى استأنفت أم محمود شرودها : ( أيه يا بو محمود . عد معي ! محمود بسلامته استشهد . أحمد ؟ استشهد . علي ؟ استشهد . حسن ؟ استشهد . شاهين ؟ استشهد . مين ظل ؟ اسحق وعقبة ! أيوه يا بو محمود ، اسحق وعقبه ! رايحة أظل معك حتى أسلمك أمانتك يا بو محمود ! < أم محمود ، لا غير معقول أن يسشتشهد اسحق أيضا غير معقول !> ألم تكن هذه رغبتك يا بو محمود ، ألم توصيني بأن يسير الأولاد على دربك حتى تتحرر البلاد ؟! هل نسيت يا بو محمود ؟! قوي قلبك ، خليه مثل الصخر ، مثل الحديد ، مثل الفولاذ يا بو محمود . لما رجعت . قلت لإسحق ما قلته لإخوته يا بو محمود . وراح يا بو محمود . غاب غاب غاب ونقطعت أخباره . صارت حرب الثمانية وسبعين مع اليهود وما أجا شي من اخباره ، وصارت حرب الثمانين وما أجا شي من اخباره . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود . قلت أروح ادور عليه . رحت . لقيته صار زابط كبير يا بو محمود . يا ابني يا حبيبي . قال لي < أنا لن استشهد مثل اخوتي وأبي يا امي ـ أنا سأحقق النصر > ! يا ابني يا حبيبي يا روح أمك وعينها ، انشا الله يا حبيبي . < طبعا ولم يستشهد فيما بعد يا أم محمود ؟ > يو يا بو محمود ليش بتقاطعني ؟ وليش بتقاطعني يا بو محمود ؟! < كم حرب صارت بعدي يا أم محمود > ؟ كثير يا بو محمود ! ما تقاطعني ! ألله يهنيك في الجنة يا بو محمود !! ورجعت للضفة يا بو محمود . انقطعت أخباره كمان سنتين يا بو محمود . وصارت أكبر حرب مع اليهود في الثنين وثمانين يا بو محمود . وتحاصرت بيروت . ثلث شهور وبيروت تحت الحصار يا بو محمود . الطيارات ترميها من السما ، والبوارج من البحر ، والمدافع من الأرض يا بو محمود .قطعوا المي ، قطعوا النور . سمموا الهوا ، قطعوا الغذا ، منعوا الدوا من الدخول لبيروت يا بو محمود . آه يا بو محمود . عيونا صارت عبيروت ، وقلوبنا صارت مع بيروت ، ودموعنا كل دموعنا صارت لبيروت ، قلت راح فيها الولد السادس يا بو محمود ، وقلت من كل قلبي : فدوى فدوى فدوى ، اسحق فدوى عيونك يا بيروت . وانخذلنا يا بو محمود ، انخذلنا يا بو محمود ، وطلعوا الفدائية من بيروت مثل ما طلعوا من عمان قبل اطنعشر سنة يا بو محمود . تودعوا بالدموع الحارة والزغاريد وحفنات الرز والرصاص كمان يا بو محمود . حملهم البحر عظهره يا حبة عيني ، او وداهم البحر لبعيد لبعيد لبعيد ، ، نخزني قلبي ، دعيت عالبحر يا بو محمود ! قلت : ربي يجفف ميتك إذا غدرت فيهم ! < وغدر فيهم يا أم محمود > ؟ لا يا بو محمود ، البحر ما غدر فيهم ، هم غدروا بحالهم يا بو محمود ! غدروا بحالهم يا بو محمود !! < كيف غدروا بحالهم ؟ ما تعلموا من غدرة الحراش يا أم محمود ؟ > لأ ما تعلموا يا بو محمود . خذلتهم قياداتهم ، وخذلوهم العرب ، العرب يا بو محمود ! لكن ليش بتقاطعني يا بو محمود ، ليش بتقاطعني يا بو محمود . اسمع اسمع يا بو محمود ! يتبع |
مشاركة: مختارات من قصصي
< طيب قولي لي ، اسحق راح معهم ؟ > لأ يا بو محود ، اسحق مثل أخوته ومثلك ، ما بيعرف إلا النصر أو الشهاده . < ألله يرضى عليه وينصره ، أين راح إذن ؟ >
ظل في صبرا وشاتيلا يابو محمود . < يعني ما استشهد في الحرب ؟> لأ يا بو محمود ، ما استشهد في الحرب ، لكن ! < لكن ماذا يا أم محمود ؟ > صارت مجزرة يا بو محمود ، قام فيها اليهود وزلامهم بعد ما خلت المخيمات من المدافعين عنها . < الجبناء ، الهمج ، الأوغاد !! > انجنيت لما سمعت الخبر يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود !! قلت أروح أتطمن عالولد، أشوف وين صارت أخباره . جيت لبيروت . كم مرة جيت لبيروت يا بو محمود ، وكم مرة بدي أيجي ؟ آه يا بو محمود ، ناس قالوا ، ضحايا المجزرة أربعة آلاف . وناس قالوا لي سبعة .وناس قالوا لي عشرة . أوصال قطعت ، بطون حوامل بقرت . ، عيون فقئت ، قلوب طعنت . أكباد طحنت ، ورؤوس يا بو محمود ، رؤوس بترت ، قوي قلبك يا بو محمود ، قوي قلبك . رحت أسأل عن اسحق يا بو محمود . لقيت كل الناس بيعرفوه يا بو محمود . قالوا لي < يا مرحبا بأم البطل يوم عزوا علينا الرجال . اسحق وحده قاد الدفاع عن المخيمات ، وظل يتلقى الرصاص بصدره ، حتى استشهد يا خاله . صورته محفورة في قلوبنا ، موشومة على زنودنا ، منقوشة في عقول جيالنا ، اسحق كان ابنا ، واستشهد ابنا ، ورايح يظل ابنا ، إبنا إبنا > !!! حاولت أزغرد ، لكني ما قدرت يا بو محمود . خنقني النحيب ، وغبت عن الوعي يا بو محمود ، ابك معلش ، البكا يخفف الهم يا بو محمود !!!! سحبت حالي ورجعت للضفة يا بو محمود . لقيت عقبة واقف بستنا فيه . إطلعت فيه يا بو محمود ، اطلعت فيه يا بو محمود ، وطفرت الدموع من عيني ، ما قدرت أحكي ولا كلمة يا بو محمود . قل لي هوه الموت قدرنا يا بو محمود ؟ ليش ما ترد يا بو محمود ؟ طيب يا بو محمود !!! مسك عقبة ذرعاني بيديه ، وحدق في عيني ، ما قدرت أحكي يا بو محمود ، لا من ثمي ولا من كمي . هزني هزني هزني ، وما قدرت إلا أبكي وأبكي يا بو محمود . سألني < اسحق استشهد ؟ > ما رديت . صرخ فيه كمان مرة ، < ردي عليه > ما رديت ! ما قدرت أرد يا بو محمود . صرخ . قال : < أنا رايح أستشهد ، خلي ابني لما يكبر يستشهد مثلي ، خليه يدمر ، خليه ينسف ، خليه يحرق ، ما بدي يكون في قلبه ولا مقدار ذرة من الرحمة والشفقة ، خليه ما يوري اليهود إلا الموت ، الدم الأحمر !!> ما قلت لك إن الموت صار قدرنا يا بو محمود . كنت بدي أصرخ وأصرخ يا بو محمود ، لكن لساني انخرس ، صرت عاجزة عن النطق يا بو محمود . < وخليتيه يروح يا أم محمود ؟ > خليته يروح يا بو محمود ، منشان العدا ما يقولوا ، إن محمود هربت من قدرها ، ومنشان ما يقولوا ، إن أم محمود انهزمت وإرادتها تحطمت ، وتراجعت عن قرارها إلي حفرته عظهر قلبها من يوم ما استشهد جوزها ، وخليته يروح منشان أنفذ وصيتك يا بو محمود ! < تسلمي تسلمي يا أم محمود ، ويظل راسك مرفوع ، وتظل قامتك شامخة شامخة ، لتصير أكبر من كل الدنيا يا أم محمود > يتبع . |
مشاركة: مختارات من قصصي
وراح يا بو محمود ، وغاب يابو محمود ، وما سمعت عن اخباره ، وصار الحصار الأول لصبرا وشاتيلا يا بو محمود ، دمروا مخيم صبرا ومسحوه عن الأرض يا بو محمود ، وبتعرف قلب الأم يا بو محمود ، قلب الأم ينزف دم يا بو محمود، ، وقلب الأم يشيل الهم يا بو محمود ، وقلب الأم امتلى غم يا بو محمود ، ، كديش بده يكبر قلب الم تايكبر يا بو محمود ، وكديش بده يحمل هم ليحمل يا بو محمود. كنت بدي أروح لولا إنه أجاني منه خبر ، يسلم علي ويبوس ايدي ، ويذكرني بالأمانه إنه بده إياها من المي للمي ، وطلب إلي ولح علي ، إني أودي له ابنه وزوجته يا بو محمود .
< الحمد لله الحمد لله ، ما استشهد يا أم محمود > لا في الحصار الأول ما استشهد يا بو محمود ، وفي الحصار الثاني ما استشهد يا بو محمود ، والحصار الثالث طالت ايامه يا بو محمود . خمس شهور يا بو محمود ، إن شاء الله إنه ما استشهد فيهن يا بو محمود . وبتعرف قلب الأم يا بو محمود .. قلت روحي شوفي يا أم محمود ، وهييتني رايحة يا بو محمود . < وما بتعرفي شو صار له يا أم محمود ؟ > إمنين بدي أعرف وكيف بدي أعرف يا بو محمود ، وكل مرة بيكون همي بشب ، المرة همي بعيلة يا بو محمود . < آه يا أم محمود ، كرمى لله يا أم محمود ، إذا لا سمح الله استشهد عقبة ولا مرته ولا ابنه ما تخبريني يا أم محمود ، ما عاد عندي قلب يتحمل يا أم محمود ، وخايف إذا خبرتيني أستشهد كمان مرة يا أم محمود !! > باطل يا بو محمود ، مخيم صبرا بحاله ، بنسوانه ورجاله ، بأطفاله وعياله ، استشهد مرتين يا بو محمود ، ومخيم شاتيلا هيه بيستشهد للمرة الثانية ، وانته أبو الشهداء ما فيك تستشهد إلا مرة وحدة يا بو محمود؟!! وين النشاما يا بو محمود ؟! ********* *********** < يا خاله ؟ انت يا خاله ! ألن تتوقفي عن البكاء والشرود ؟ ما بك ؟ > - ما فيه شي يا خالتي ما فيه شي . - إلى أين تذهبين ؟ - إلى بيروت يا بني . - أعرف إلى بيروت إلى أين ؟ - إلى مخيم شاتيلا يا بني . - المخيمات محاصرة يا خاله ، عصفور ما فيه يدخل عليها . والمساعدات التي جاءت من الضفة ومن كافة أنحاء العالم ما تزال عند الصليب الأحمر ، ولم يسمحوا لها بالدخول . - أعرف يا بني ! - إذا تعرفين كيف ستدخلين إليه ؟ - يا بني أنا امرأة مسنة شو بدهم فيه ؟ - يا خاله هؤلاء لا يرحمون أحدا هنا ، والدنيا ليل ، والقصف قد ينهمر في أية لحظة . لو تبقين في عاليه حتى الصباح ، فقد تجدين منفذا للدخول . - ما بعرف حدا في عاليه يا بني . - ولا واحد ؟ - ولا واحد يا ابني . صمت السائق للحظات ثم تساءل . - أنت من اين قادمة يا خاله ؟ - من الضفة الغربية يا بني . - ومن لك في المخيم ؟ - ابني يا بني ، ابني وزوجته وابنه . - ابنك مع الفدائية ؟ صمتت أم محمود مخافة ان يكون الرجل معاديا أو لا يحب الفدائية . أدرك السائق معنى صمتها . هتف : - أنا درزي ومع الشيوعية ، وحنا مع الفلسطينيين ، ولحد الآن ايدينا نظيفة من دمهم ، وإن شاء الله تظل نظيفة ونظل رفاق درب . - إن شاء الله يا بني إن شاء الله . - أنا مثل ابنك يا خالتي ، أين ستذهبين في هذا الليل ، سأصحبك إلى بيتي ، تنامين مع زوجتي وأولادي . - يكثر خيرك وأمثالك يا بني ، ويستر على عيالك ربنا العالي . كان جميع الركاب من عاليه . أوصلهم السائق إلى بيوتهم ، ثم قصد بيته مصطحبا أم محمود معه . تساءل وهو يدخل أحد المنعطفات على مهل . - يبدو أن هذا ابنك الوحيد حتى جئت من الضفة من أجله ؟ - نعم يا بني إنه ابني الوحيد المتبقي لي من اخوته . هو أصغر واحد . - وأين ذهب اخوته ؟ - استشهدوا يا بني . - استشهدوا كلهم ؟ - كلهم يا بني . - ليش كديش عددهم ؟ - ستة يا بني . ضغط السائق على فرامل السيارة وتوقف . - تقولين ستة يا خالتي ؟ - نعم ستة يا بني ، عدا أبوهم ، وعدا ابن بنتي إلي قتلوه اليهود في مظاهرة . - رباه ! منذ أن شاهدتك شاردة الذهن طوال الطريق ، والدموع تنزلق من عينيك بين لحظة وأخرى ، قلت لا بد أن وراءك قصة طويلة . ها أنا أعرف أنك أم عظيمة ، أنا سعيد لأنني تعرفت إليك يا خاله . - ألله يسعدك ويسلمك يا بني . - إذا فتحوا غدا منفذا للمخيمات سأصطحبك بنفسي يا خاله . - يكثر أمثالك يا بني . *********** لم يفتح أي منفذ طوال الأيام الثلاثة التالية . وازداد القصف وحدة الإشتباكات ، لتطول أيام الحصار . وكم بحثت أم محمود عن وسيلة تدخل بها صفيحتي الزيت والزيتون وعلبتي الحليب وأرطال الطحين لأبناء المخيمات ، فلم تجد . قالوا لها إن في الأمر مخاطرة كبيرة . والنساء اللواتي يتسللن إلى خارج المخيمات لإحضار شيء من التموين ، يحصدهن رصاص القنص في أغلب الأحيان . أكثر من سبعين امرأة قتلن بهذه الطريقة . وهي ليس في مقدورها أن تتسلل بهذا الحمل الذي معها ، ثم إنها لا تعرف الطرق المؤدية إلى المخيمات . في اليوم الرابع ، جاءها ابن السائق فرحا مستبشرا . هتف : - سيسمحمون إلى قافلتين من الصليب الأحمر بالدخول إلى المخيمين . هيا يا خاله لعلنا نرسلك مع قافلة شاتيلا . - وهل سيفكون الحصار يا بني ؟ - يقولون أنهم سيفكونه يا خاله . لحقا بقافلة الصليب الأحمر قبل أن تدخل . توسلت هي والشاب إليها ، فاصطحبوها دون الشاب . استقبلتها أطلال المخيم وكأنها غيلان فتحت أفواهها . دما ر دمار. دمار في كل مكان . أنقاض في كل مكان . دمار فوق الأرض ، دمار تحت الأرض . لم تر جدارا سليما . أكوام . حطام ، نفايات ، روائح كريهة . ولم يكن هناك أي أثر لحياة ، أي أثر على الإطلاق . لا حيوان ، لا طير ، لا بشر ، لا ماء ، وربما لا يوجد هواء ! ( لكن أين المدافعين عن المخيم يا أم محمود ؟ وأين المحاصرين ؟ يا كشلك يا حسرتك يا أم محمود، يا ويل راسك يا أم محمود ، يا حسرة قلبك يا أم محمود ، معقول تشوفي عيون عقبة يا أم محمود ؟ يا ابني يا حبيبي ، ، يا آخر بسمة عشفافي ، يا آخر شمعة في حلكة ظلامي ،يأ آخر أمل ليه ، يا آخر دمعة فيه ، معقول بعد عيونك عيوني تناغي النوم يمه ، معقول بعد بسمتك شفافي تفتر للفرح مرة ؟) توقفت القافلة ، وقد اطلقت إحدى سيارات الإسعاف بوقها عاليا . لم تصدق أم محمود ما رأته عيناها . فقد أخذت الأنقاض ترتفع من كل مكان وتنهض . أبواب . جدران . صفائح ، نوافذ ، كتل حيطانية ، ألواح خشبية شبيهة بالأبواب ، ألواح صفيح ، هياكل شجرية ـ بقايا أغصان ، دواليب سيارات ، نفايات . هياكل عظمية لحيوانات ، وأخرى لبشر ! تندفع قليلا إلى اعلى وتنهض !دمار ينهض ! أرض تنهض ! هياكل ما شبيهة بالبشر تنهض . ، تقوم ، تحاول أن تستقيم وتتحرك ! رباه ! فركت أم محمود عينيها . الأنقاض تدنو من كل اتجاه . هرعت نحوها . توقفت هلعة أمام أول هيكل واجهها . لم تعرف فيما إذا كان هيكلا بشريا أم أنه بقايا أنقاض تتحرك . . هربت منه ! ابتعدت . عدت شمالا . عدت جنوبا . شرقا . غربا . أنقاض ! أينما هرعت لا ترى غير انقاض شبيهة بالبشر ، تجاهد لأن تتحرك ، وبالكاد حتى تتحرك . تشحذ كل ما تبقى فيها من مقاومة الروح ، وتتحرك . تتحرك ببطء ، ببطء شديد يكاد ان يكون كدبيب النمل . قوى واهنة متهالكة ، عيون غائرة خائرة . لا ترى ولا ترى ! شفاه ذابلة متقصفة جافة . وجوه ميتة تغطيها طبقات كثيفة من التراب والرمل والطين . جلود جافة كالحطب . تستر عريها بقايا ملابس مهترئة ممزقة ومعفرة بكميات هائلة من التراب والحمأ . أفراد الصليب الأحمر يعدون هنا وهناك . يخرجون جثثا من تحت الأنقاض ، وجثثا من بين الأنقاض ، وجثثا من بين النفايات . ينزلون تحت الأرض ، يعودون بجثث وجرحى ، ثمة أنين هنا . ثمة آهة ملتاعة هناك . وشيئا فشيئا ، أخذت أم محمود ترى في الأنقاض هياكل بشرية حقة . وحين أخذت هذه الهياكل تذرف الدموع فرحا بالحياة ، أدركت أم محمود انها حقا أمام سكان المخيم ، فدقت صدرها بقبضتيها ، وهتفت بلوعة : يا حسرتي عليكم ! وفي غمرة دهشتها وذهولها . نسيت أن تسأل عن عقبة ، وعيون عقبة ، وابن عقبة ، وزوجة عقبة ، لكنها تذكرت ذلك عندما هرعت بعد لحظات إلى حملها وراحت توزع زيتون البلاد وزيتها وطحينها على الناس . ومع ذلك سيطر عليها إحساس غامض ، بأن تتريث في السؤال إلى أن يأكل الناس ويشربوا قليلا . وإلى أن تدب الحياة في أجسادهم ، بحيث يصبحون قادرين على الإنتباه إليها والإجابة عن تساؤلاتها . ******** يتبع . الحلقة الأخيرة .مع التذكير بما أشرت إليه من قبل , يفضل عدم قراءتها من قبل ضعفاء القلوب والعاطفيين جدا . |
مشاركة: مختارات من قصصي
حانت الفرصة عندما شاهدت ابتسامات ذابلة تشق طريقها عبر الوجوه الحزينة الكئيبة المتسخة الجافة ، وترتسم على الشفاه . أخذت تتأمل عشرات الوجوه المحيطة بها . ترددت في السؤال . لم تعرف لماذا ترددت في السؤال ، لأول مرة تجد لسانها وقلبها لا يطاوعانها ، والكلمات تخونها ، ألأنها لا تريد لعقبة أن يستشهد ، وتامل من الله أن يبقيه لها ، أم لأنها لا تريد أن تسمع نبأ استشهاده . لالا ! ربما لأنها لا تريد أن تمن على أحد باستشهاده . ، وربما لأنها لا تريد للناس أن يتذكروا الموت الذي عاشوه لفترة طويلة ، ثانية . وربما تخاف أن يكون عقبة قد خذلها ( لا سمح الله ) ولم يكن بطلا مقداما كإخوته.
تنبه الناس إليها . أدركوا أنها تريد أن تسأل عن انسان ما ، ولا سيما أنهم عرفوا أنها قادمة من الضفة ، ولا يعقل أن تكون جاءت من الضفة لتحضر للمحاصرين زيتونا وزيتا . تساءل شاب من المحيطين بها : - ما بك يا أمي ؟ ألقت نحوه نظرات حائرة ، وما لبثت أن هتفت بصوت خفيض : - ولدي يا ولدي ! - ولدك كان معنا في الحصار يا خاله ؟ - أيه يا بني . - ما اسمه يا أمي ؟ - عقبة يا بني . وتساءل الشاب ثانية بدهشة وانفعال : - من يا أمي ؟ - عقبة يا بني . سقط الإسم على الحضور كما الصاعقة . : أطبقت الأفواه على ما فيها من طعام ، وتوقفت عن الحركة . والأيدي التي كانت تحمل بعض اللقيمات إلى الأفواه ، توقفت قبل أن تصل إليها وكأنها تجمدت . أطبق صمت مخيف . كتمت الأنفاس . تسمرت الأقدام في الأرض ، فيما العيون ، كل العيون تحدق إلى وجه أم محمود الذي حفرت عليه السنون آلامها . تأملت أم محمود الصمت الذي أطبق من حولها والحركة التي توقفت تماما ، والعيون المحدقة إليها . تمنت ألف مرة لو أنها لم تسأل عن عقبة . هتفت وكأنها تعتذر من أعماقها ( ليش وقفتوا يمه ليش ؟ كلوا يمه ، كلوا يا حبيبيني ، كلوا يا عيوني ، زيتون البلاد يمة ) وأوقفها صوت الشاب بعد أن أعطى ما في يديه من خبز وزيتون إلى امرأة تقف إلى جانبه : - أماه ! - ولدي . - كان عقبة بطل الحصار ( كبتت أم محمود في دخيلتها صرخة كالبركان ) ولولاه يا أماه لما كان صمودنا أسطوريا إلى هذا الحد ( وكبتت أم محمود صرخة ثانية كالزلزال ) وبدا الشاب مترددا في إكمال ما يريد قوله ، غير أنه استأنف بصوت متهدج متقطع خالجته نشجات بكاء لم ينفجر : قبل أن يستشهد يا أماه .. أوصانا أن ... أوصانا .. أن ... أوصانا أن .. نأكل ..لحمه .. أوصانا أن ناكل لحمه ، كي لا نموت جوعا !!! وكي نصمد في وجه الحصار !!! وكبتت أم محمود صرخة ثالثة بحجم الكون ، فيما الشاب يتابع : .. نحن أولادك يا أماه ، فخذينا إن شئت ، وإلى حيث تشائين . وحين أدركت أم محمود أن الشاب فرغ من كلامه . هرعت نحوه وهي تجاهد بكل ما بقي في جسدها الواهن من قوة روح ، لتنتصر على آلامها : ( العمر إلكم يمه ، تعيشوا وتناضلوا وتنتصروا على كل من يعاديكم ، وعداكم يموتوا بذلهم وحسرتهم يمه ، كلوا يمه ، كلوا يا حبيبيني ، هاظ الزيتون من زيتون البلاد يمه ، صحة وعافية ) وراحت تحث النساء والرجال ، الشباب والفتيات ، الصبية والأطفال ، على تذوق زيتون البلاد وزيتها ، دون أن تفارق الإبتسامة شفتيها ، راحت الأفواه تلوك الطعام في محاولة لإرضائها .. ازدادت ابتسامتها اتساعا وهي تجوب بنظراتها الوجوه ، مطمئنة إلى الناس يأكلون . وفجأة ، وفجأة ، وفجأة ، تهاوت كالسماء ، كالسماء ، تهاوت كالسماء .. وأسلمت الروح . محمود شاهين 13-4- 87 |
مشاركة: مختارات من قصصي
جزيل شكري لكل من تابعني
وإلى اللقاء في القصة القادمة ، وآمل أن لا تحمل موتا. |
| الساعة الآن 05:10 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط