![]() |
أوراق العمر ....
2 - اوراق العمر
يبدو ان أوراق هذا الشوق قد اصفرت .وذبلت, وتساقطت مع تساقط أوراق الخريف. وما عاد على الوتد إلا رجفة الغصن الباكي .... ينوء ببرد مساماته على حطب واغصان مشرع وعريه للرياح العاتية يغتسل والضباب الزاحف صمتا مبحوحا يضج بجروحه تتصدع تحت المطر . اذكرها حديقة منزلنا... في ذاك الشتاء . يوم حدثتني شجرة التفاح الكبيرة القابعة في الطرف الجنوبي لأرضها . وهي هناك تتظلل بعضا من الجدار وشكت لي حزن وحدتها في ذاك الخريف حدثتني عن ارتجاف أعماقها في هذه العواصف عن بلل الدموع في أحداقها تتوحدها والمطر المنهمر أشواطا عليها اذكرها تلك الحديقة واذكر ها جيدا عيون تلك الشجرة واياديها متفرعة متشابكة كالأغصان النائحة تهتز لاهتزاز هواء تشارين . الثلج يقتحم عريها دون رحمة أو شفقة أو رثاء . اذكرها واذكر تلفتها. وتمايلها جنوبا وشمالا بنشيج حنان غريب وكأنها تستدرج اي عابر سبيل الى نوحها. تنده لعصفور برد مهاجر يتهاوى على هزيل غصنها ينوح معها فقط كي تأنس لرعشة حياة تتدفأها على مساماتها المرتجفة في هذا الزمهرير. اذكرها على مرثيتها لأوراقها المغادرة مع الحب ومع الطيور المهاجرة في أيلول ومع الشمس الضاحكة إذ شحبت من زينتها من الحياة... اذكرها تلك الشجرة كيف كانت تبكي برد اشتياقها لمواسم الربيع تتواتر خلف رجع سنينها وترتل عشقها لأوراق غزلتها وارتدتها في أمس قريب لكنها رحلت دون وداع . اذكرها هذه الشجرة واذكر حديثها عن ارتجافه الروح في موسم الهجرة والرحيل والنسيان .... اذكرها دموعي انا ايضا معها ...وكيف غافلتني وانجرفت في تساقطها خلف عيوني وتدحرجت قطراتها مع حشرجات متقطعة من المآقي تموء بألم دفين و عميق ممزق بالنوح المر الساخن عند الفؤاد يعتصر من شغاف الروح قهرا وأنينا مذبوحا .... كم حيرني تساقط دموعي معها آنذاك ...كم حيرني وجع الوقت حين يلفظ اوراقه دون رجعة فقد حدث ان عرفت في لحظتها ارتجافة برد تحمل مرارة حنين مهزوم لم اكن ادري سر علاقته معي... لا اعلم بماذا كانت تنبأني الروح ولماذا بكت هي في احضان غوري معلنة معي وحشة الايام المنتظرة خلف الصقيع في العمر الغافي ..... اذكر جيدا كم حيرني جرح الشوق هذا في تعاليه واعلانه هزيمتي في العمر القادم كم حيرني بكاء الروح مني في ذلك الحين كم استغربت كيف يبكيها حديث للشجرة كانت تتمزق بحزنها في هذه الرياح تراقصها على ايقاع غضب وحنان. وكانت تمزقني معها بنزف ساخن من عري في جمالها المشرع بالجروح وكانت تحت وطأة اوجاعها اكثر جمالا وجذبا لقلبي. اليفة متناغمة من الشوق المتباعد بي ...كانت اكثر عنفوانا للحياة حتى دون رداء اوراقها . قالت لي ما يؤاسيها ويخفف من سطوة الالم على فؤادها في وحدتها تلك انها في جذورها لا تزال تحتفظ بماء للحياة وتملك داخل غض عودها وعدا جميلا لموسم اخر ستزهر فيه وتثمر قالت لي انها ستصمد في وسط العاصفة وفي وجه الريح.. وستتنادى باعشاش العصافير تسكنهن غمار احضانها الدافئة فيها وبكت دمعة انتظار وحب طويل متابعة رقصة الحزن على وتر الريح وحنان في العاصفة .... اذكرها جيدا تلك الشجرة كان لها ما يؤاسيها ..ويخفف عنها وانا الآن هل املك ما يؤاسيني ؟؟؟؟ انا لا املك في الحياة الا ربيعا واحدا و لا اخر ينتظر.... الوحيد مضى مع عيون الحبيب البعيدة واوراق الخريف مني في رحيل مستعجل و حثيث انتزعت مني جذورها ما عادت تحتمل مر اللقاء و البقاء على وحدة ووحشة مستفرسة .... تساقطت هي وعيون الحب وعيون الفرح والهمس وكل ما يتشاقى عذبه بحناء في مرح الروح ... الشتاء يتأوى الى الجسد وتسقط مني انثى الشوق تتعفر بتراب دمائها وحنائها معا بعد ان سددت لها في نحرها رماحا مسمومة الحنين دس الغدر فيها عذبا ليليكيا خمري المذاق تلمظته حتى فرغ الكاس من كل قطرات اسقطتها الابتساما ت والاهات معلبة بالشوق الاخضر الشتاء يأوى الجسد الى ضريحه لاهثا لا يتشفق عليه بمعطف يداري منه حتى العري الممزق فكيف اواسي هذ الاوتاد في شجنها و واواسي شجني الكئيب في هذا العمر بعد تساقط كل الاوراق الصفراء كيف اواسي نفسي تحت حبات المطر تتسارع مع دموعي في ساقية وجد للرحيل المر.... ابدجان في 9 شباط 2006 |
مشاركة: أوراق العمر ....
العزيزة فاطمة....
أعجبني إغراقك في التفاصيل ... فقيمة أي حبك تكمن في دقة خيوطه وتدقيق نسيجها في جزئياتها العميقة . و " جورج لوكاتش " يرى أن الإغراق في الجزئيات ، جزئيات النفس البشرية ، هو السبيل إلى اكتشاف العنصر المشترك بين كل البشر ...وكم رائع هذا الاستحضار بين اوراق الطبيعة التي تمازجت والروح فخلق نصا رائع في كل شيء. دمت بخير محبتي لك جوتيار |
مشاركة: أوراق العمر ....
اقتباس:
كم اشكر لكم المرور كان خيرا كثيرا وهل من زخم عطائه على الحروف فانتشت موعودة بكل جمال لكم كامل الشكر والتحية والقدير |
رد: أوراق العمر ....
كتابة نقلتني الى ذكريات الطفولة و الماضي
بالفعل التفاضيل تحول الموضوع من شخصي الى إنساني العمر يمصي و الأحلام تتجدد و هكذا هي الحياة تحياتي مع تمنياتي بمزيد من التألق بوفاتح |
مشاركة: أوراق العمر ....
تساقطت هي وعيون الحب وعيون الفرح والهمس وكل ما يتشاقى عذبه بحناء في مرح الروح
جميلة جدا هذه الصورة اضافة الى سجلك الحافل فاطمة عز الدين تحياتي |
مشاركة: أوراق العمر ....
الاخت فاطمة
جميل ما سطره قلمك المرهف هذه الذكريات الشتوية.. الدموع وهواء تشرين... والاجمل اسلوبك الرقراق تحياتي |
رد: أوراق العمر ....
كانت جملك باردة برودة الطقس الشتوي ...ولكن مع البرودة حرارة المعاني تنحسر على الشواطئ الجليدية فتمدها بالدفء...
جعلتني احزن بصدق لتلك الشجرة واسلوبك سحرني حتى اني نسيت ان هناك ربيعا .. وما ذاك النواح للريح والتعري وهجرة الطيور إلا طقوسا جنائزية إيذانا لموت مرحلة وقدوم أخرى اكثر بهاء وعطاء.. ولما عاد رشدي وتبدد حزني.كان ...حزن ثان . يعتصرني على تلك الشجرة الكسيرة ذات الربيع الواحد..تدعني أهمس لها ان الربيع له الوان وله انماط وليس السنونو دليلا على حيلولته وليس ققط 21 مارس ميقاته .... فقد يكون في اي شهر وفي اي دورة من دورات الشمس في الفلك ... تحيتي سيدتي حدريوي مصطفى العبدي |
مشاركة: رد: أوراق العمر ....
اقتباس:
يسعدني المرور والتعليق جميل ان نقرأ ما كتبناه في مرايا الاخرين قد نعرف اين نجح حرفنا او العكس وهذا ما نصبو اليه ان يكون قد وصل للقاريء كما اردناه لكم كامل تقديري وتحياتي |
| الساعة الآن 11:13 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط