منتديات مجلة أقلام - رواية * زنيم مرة أخرى * على حلقات
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   رواية * زنيم مرة أخرى * على حلقات (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=5036)

فوزي الديماسي 12-06-2006 12:47 PM

رواية * زنيم مرة أخرى * على حلقات
 
ملاحظة : هذه هي الصياغةالمعدّة نهائيا للنشر الورقي

نص الرواية :

-1-

على عتبات غربة زئبقية ، قاب قوسين أو أدنى من شروق ضليل ، تلوح على مقربة من البحر أرض مدججة بالجماجم و الخنازير و الدموع السوداء .
قافلة نخرة، ناسلة من عمق التيه ، تخبط في الليل الملطخ بالعويل خبط عشواء ، تسير على درب متيم بالأشواك المخضبة بدم الفجيعة .
القافلة العارية إلا من رحيلها المحموم ، موجهة وجهها شطر صحراء مضرجة في الأنياب ، تغازل شمسا ذابلة تطل من كوة جرح قابع في بؤبؤ عين جارية شجنا جنوبيا خصيبا .
عواء يشق نقيق قبور لائذة بأعشاشها ، و الجثث المجلّلة بالصقيع ترمق بعين قاحلة وفم مختوم كلابا صحراوية مدربة تمزق بشراهة زئبقية ابتسامة طفل وليد يهدهد حلما شريدا ، و على مقربة منه ينام الأفق المهشّم ملء خوفه على صدر الأرض المنذورة للنهش و النهب .
سرب حمام مهيض الجناح يحلق فوق البحر المراقص لعاصفة متغنّجة ، عاصفة مجنونة تلاحق بألسنتها الممتدة كالسعير قطعة خشبية يتيمة تصارع بشراسة أنياب الموج ، الخشبة على يأسها تدفع رغم العواصف و الأنواء و الموج المتلاطم العنيد بصبح الجثّة الواقفة على كفّ المنيّة ، الجثة الناسلة من زمن الحكايا مستمسكة بالخشبة ، تدفع بعسر صبحها نحو الشاطئ اللائذ بالصمت ، و الصمت المرتعد يتتبع العاصفة الناحرة وقارها ، و الرافعة في وجه الزورق رباطة جأش بدائية . الواقف على متن الزورق في وجه المغناج كتوم ، يجترّ بين الفينة و الأخرى شتيت رجولة محطّمة على صخرة التيه الأزليّة ، و المتلبسة بأرض هزيلة مترنحة في جفن الردى .
الجثة و الزورق و الخوف و العاصفة المتمرّدة و البحر الهائج كالتنّين، و الموج المتصاعد في رقصة جنونية نحو السماء يمزّق بكل ما تضمره أنيابه من مكر جثّة السكينة ، و الواقف في وجه المنيّة على متن خشبته متشبّثا بأمل رميم ، كرّ و فرّ و تصعيد وانحدار و أمل مضمّخ بالانهيار .
الليل الكثيف يرقب في ذلّ على فراش الأفق متأبّطا أجنحته راكب البحر و مطيته المتلعثمة ، و البحر المزبد في هيجان مسترسل يراود الزورق الشموس عن نفسه . و الأرض على مقربة منهم مجهدة لا تنبس بحرف ، تشيّع بعينين مثقلتين تخبّط الزورق و صاحبه المتسمّر في الإصرار .
تعثّر الزورق في وجه الغاضبة مرات عديدة ، و كذلك تدحرج الغريب الواقف على الشوك كأنّ المنيّة تحته من رأس الدود إلى أخمص قدميه ، و بعد عناء طويل ، و بعد مكابدة شرسة أتلفت بعضا من حجب الليل ، و قطعت بعضا من رؤوس العاصفة الأفعوانية ، بلغ الزورق الشاطئ المترهل .
نزل أشعث الأحلام مبلّلا ، خائر القوى ، لاهثا ، يرتجف زورقه بين يديه المتعبتين ، دفع زورقه نحو الرمل ، تارة في رفق ، و طورا في عنف إلى أن استعادت القطعة الخشبية هدوءها ، و لمّا بلغ بها اليابسة أسلمها لسكون البون و هجرها إلى حيث لا يدري .
ترك الغريب زورقه جحرا هامدا ، و بعدما أنزل متاعه و نخلته رفيقة دربه ، ألقى بجسده غير بعيد ليسترد بعضا من أنفاسه المتعتعة ، و يلملم مزق راحة كان قد فقدها على متن البحر الرافل في أمواجه البركانية . وبقي الجسد قسطا من الزمن لم يقدّره كأنّ الشوك يهدهده .
و لمّا حلت بالبدن السكينة ، و استردت نخلته أنفاسها ، اجتث الغريب جثته من رمل الشاطئ ، و عواء الحلكة يحرسه ، اتجه بخطى متعبة نحو زورقه الرابض في خشوع ، يلفه الخوف من كامل أقطار خشبه ، طاف به الغريب مرات عديدة كمن يبحث عن شيء ذي بال فقده ، ولما أعياه التطواف راغ عليه بالتقبيل ، ثم جثم على ركبتيه يتأمله ، و الزورق صامت لم ينبس بحرف كمن يعلم خاتمته، و لمّا اطمأنّ الغريب ممزّق الأحلام في جلسته ضمّ إليه نخلته و بعث بعينينه يد رحمة تهدهد الزورق ، و تهدّئ من روعه ، و تبثّ فيه شيئا من الأمن ، و الزورق على سكونه يبدو مضطربا ، و فجأة اشتعل لسان الغريب قولا عجبا :
على كف الريح استريحي
يا النخلة الممتدة في وريدي
يا الحاضنة لربي المنشود
يا الباسقة بين جنبي نورا متوشحا بالغد المطرود
يا النخلة … يا الممتدة نحو الله … ردّي عليّ وجهي
و اكرعي من بؤبؤ دمي صحوك و صحوي
و استبيحي تحت قدمي الحمامة المسرحة في شراييني نحري
و انفخي في وجهي قمم الجبال … أجنحة الطير
لكي ألدني من بين أصابع أرضي المنذورة للعواء
وانفخي في لساني الطوفان… وبثّي فيّ و فيك شرفة القمر
واسرجي أنفي للشرف المغلول بسلاسل العرش الأبدية
يا نخلتي … يا المنذورة لربي و الرحيل
يا الرافلة في عروقي … هزّي إليّ بخيط الشمس الكامنة في ابتسامات الثكالى
يا نخلتي … لملمي صوتي التائه في السياط … و سرحي الدود في نبيذهم
يا نخلتي يا التي تبذرين الأريج في الأفق
قد أهرق يومهم سوقي … و عقرت خفافيشهم نوقي … و مزّق إلههم المتأبط ذلاّ روحي الثخينة
يا نخلتي … يا المنذورة للغد القريب بثّي في لغتهم النخيل … و نقّي أرضهم من الجماجم و القبور
و الذئاب
هكذا أسرّ الغريب لوحدته الواقفة على الريح المدوّية ، و بعد دمع غزير كفكف الغريب وجومه ، ثمّ استقام ، و بعد ذلك تقهقر إلى الخلف خطوات محزونة ، شيّع البحر المطأطئ ، و بقر بطن رحيله بمستقرّه ، و حضن نخلته ، و أوصد دون الغادرين باب قلبه ، و استقبل بالشمس الجالسة في خدر غده أرض الأجداث و الأشواك الممتدة نحوه كالليل البهيم ، فكّر ثمّ قدّر ، ثمّ فكّر ، ثمّ قدّر ، ثم قلّب الزورق الرابض على صمته ذات اليمين و ذات الشمال ، تحامل الغريب على تردّده و اضطرابه ، أخمد في دخيلته صوت العاطفة و أضرم النار في زورقه .

فوزي الديماسي 12-06-2006 12:50 PM

-2-
الصباح المتيّم بالسواد حزين على عادة الصباحات المشرقية ، يجلس في شرفة الدموع يحتسي قهوته المضمّخة برائحة الموت العتيق ، يرمق بين الفينة و الأخرى من عليائه الواهنة الأرض الشاحبة و الممتدّة تحت أقدامه المقطوعة تارة يشيّع جنازة غاضبة و أخرى يشيّع بكارة جفّت منابعها و ذبلت صفحة وجهها بين يدي خنزير جنوبيّ يتلهّى بانهيارها . الصبح المتيم بالظلام على عادة الصباحات المشرقية يجلس على هوّة سحيقة تربّت بحنوّ على كتف مخالب شمالية احترفت نبش وجه طاعن في نخيله و سمرته المتعفّنة ، تزرعه فئران الصحراء كل مرة أخاديد و عويلا و صبايا متجذّرات في الشتات .
الصباح المتيّم بالحيض العفن على عادة الصباحات المشرقية المعانقة للدم و الجثث و الافواه المختومة يتتبّع من شرفته الرميم تخبّط بحيرة في جثث مدنية و أخرى عسكرية ، بنت صغير لم تبلغ سنّ اليتم تلطم وجهها على مقربة من جثّة أبيها الموغل في الغياب و الصمت الحزين ، و من فوقها حلّقت الغربان في رقصة جنونية على إيقاع التليد .
الموتى جنوب البحر ينامون ملء غفوتهم ، يحرسهم البكاء و الجثث المنتشرة على امتداد الأرض المسلوبة المباركة حشراتها للصمت المديد ، و الضفادع المطرّزة بالعمائم توقد على ايقاع النصر حول الجثث الرافلة في اليباب الليل المسيّج بالبرد الزمهرير ، انتشرت رائحة الشواء و الموتى في الرحب ، و سال الدم المقرفة رائحته في المكان و انتشر الذباب و الدود ينخر الخياشيم و العيون و الصمت العتيد ، احتلّت الرائحة النتنة انف الغريب الممدّد على الأرض ، فمادت به الأرض من تحته و أطلق العنان لسيل القيء بجانب نخلته و متاعه القليل . اجتث متين الأحزان جثته من أودية وجومه و الدوّار ، وأطلق العنان لرجليه و النسيان تاركا وراء ظهره زورقه مضرّجا في آهاته و الرائحة الكريهة .
مشى الغريب مكبّا على شجنه ، بيمينه متاعه ،و بشماله نخلته تلوك صمتها و تجترّه و تشيّع من حين إلى آخر الزورق المتخبّط في رماده.
سار الغريب بخطى سكرى نحو الجبل الجاثم على أرض الصحراء ، و الصحراء المومس تمشّط بالأشواك أحلام موتاها . سار الشريد نحو الجبل بخطوات عليلة، ثكلى ، سار المرتدي للهمّ الأزلي المتبرّج على الدرب الموغل في الجماجم و الدمّوع و الابتسامات الموءودة ، سار على الدرب المتسربل بالصحراء الممتدّة امتداد الهمّ ، و المنبسطة كالخيال المحموم ، و الموحشة كظلمة الجبانة ، صحراء القحط # صحراء معاقرة للأنياب الضارية ، صحراء ممزّقة للحم أطيارها ، و ناهشة لأريج أزهارها ، صحراء تحتفي بذئابها و أفاعيها ، و تتربّص بنخلها المهاجر ، فتعدّ له كلّما نزل بها موائد المنايا ، صحراء جريحة ، صحراء قاحلة إلا من قبورها المنتشرة حول الجبل و داخله ، صحراء يرتق نزلاؤها صبحهم المنفوش بقمم جبال نخرة ، صحراء زانية تفتح أبوابها للوافدين من وراء البحر ، أولئك المحمّلين بشمس تهطل نوقا ذليلة ، و صحارى مترعة الفحيح ، و عروشا عرجاء ، و نخلا مطأطئا ، صحراء تضمّد جراحها بنخيلها الشّريد على حافة الغياب المضرّج في الغيب # هكذا أسرّ الغريب لأفكاره الثكلى الغزار في غفلة من النّجوى ، و بينما هو يبحث في منعطفات الأرض المغبرّة العاقر عن شيء آخر غير القبور و الغربان المحلّقة في سمائها المرصّعة بالجثث و العبرات إذ به يسمع نواحا و عويلا قادما من الجبل المستمسك بصمت وحشيّ ، أذكى فيه ذلك الصوت المنكر بوادر الفضول المشوب برعدة ، تململت نخلته الرّضيع حيث أيقظ فيها ذلك الصوت المنكر شعورا متناميا بخوف زئبقيّ.

لم يأبه الغريب للوهلة الأولى بصدى العويل المتردّد في قاع الرعدة ، و استأنف سيره رغم كل شيء ، و أصرّ على التوغّل نحو الجبل رغم توسّل رفيقته النخلة مرتعدة الفرائص بشماله ، و كلما توغّل في الدرب نحو الجبل استأسد الديجور ، و أطنبت العفونة في إكرامه ، تقدم الغريب مصعّرا اهتمامه لأنفه المتبرّم ، تحامل على رعبه و توسّل رفيقته الملحاح ، و مدّ درب سيره ليقف على مصدر العويل و النّواح ، إلاّ أنّّّّ صوتا زلزالا أسدل جناحه الشوكيّ على المكان ، و دثّر البحر بالخوف ، و اليابسة دثّرها بالصمت ، كما طوّق الواقف على عتبة الرعب صحبة نخلته بحلّة من الاضطراب . تسمّر التائه في مكانه ، فقدماه فقدت صوابها ، و طلّقت ثباتها ، كما ذهب عقله مذاهب شتى ، و انحدرت سكينته إلى أسافل الفوضى المبعثرة . بقي كذلك زمنا غير محدّد يتخبّط في لجج التردّّد كخشبة لقيطة مستسلمة لأحكام الماء الهادر ، ارتفع لهيب الضّجيج القادم من داخل الجبل ، و اشتدّ على إثره زئير قادم من عمق البحر ، صوت منكر زاحف من الماء كذاك الناسل من داخل الجبل ، إنه يزحف نحو الشاطئ شيئا … فشيئا … كالمارد ، إنه صوت باخرة تمخر عباب البحر المستسلم ، لحظتها تقيّأ الجبل أسراره . دوّت الأصوات من كل مكان و امتدّت مخالب الموت تنبش الدرب ، تردّد الغريب ، و تلعثمت قدماه ، و استوى الخوف في قلبه واستغلظ ، أشارت عليه صاحبته بالتقهقر و العودة ، لكنه آثر أن يلوذ بقبر غير بعيد جاثم على صدر الأرض المنهكة ملتحف بالغياب يجلس القرفصاء حذو أترابه ، افترش الغريب خوفه و الثرى ، و لفّ نخلته بحذر مصطكّ العمد ، وأسرج العمى ليبعث به رسولا للعيون المنتشرة حول الجبل .
عاصفة الموت أفعى مجنونة ، و جحافل من الدّود خارجة لتوّها من الجبل ملأت الرحب ،و قوافل تنوء ظهورها بخيرات من كلّ الثمرات . ضمّ الغريب نخلته إلى رعبه ، تاركا وراءه عينيه تتّبعان المشهد .
غناء كالنحيب ، و نحيب كالغناء يرافق صوت الطبول ، دود يزحف ، و دموع تذرف ، وحناجر تنشج ، و نيوب تنهش ، حرائر كثيرات يلبسن السواد من الماء إلى الماء، مغلولات حدّ الأذقان بالحديد والنار ، و مشدودات إلى عروش محمولة على ظهور الحمير ، و محاطة بالذئاب و القردة و الكلاب المتأهّبة للفتك .
غلمان ، و فاتنات ، و عمائم ، و شعراء ، و نوق محمّلة بدنان المدام ، و خيام ، و قيا ن ، ودفوف تنقر، و عبيد ، و عسس مدجّجون باليقظة . لم يفهم الممدّد وراء القبر مرتجفا ، كما انحدر عقل نخلته إلى قيعان سراديب الحلكة ممتطيا صهوة البوار .
رجال كثير يدقون الطبول ، يتقدّمون الموكب ، والموكب يسير بسرعة النمل نحو البحر ، يتقدم في خشوع . باخرة تشقّ البحر نصفين ، تمشي الهوينى نحو الشاطىء المفروش حماما مذبوحا و أزهارا مقطوعة الأوصال تنام على حافة الوجود ملء الغثيان ، فركت النخلة عينيها و من بعدها صاحبها ، ليريا رجالا تلامس لحيّهم بطونهم ، يرتدون عمائم مبعثرة على زركشتها ، ينتظرون نزول الضيف ومرافقيه من الباخرة ورفيقهم ابن جلدتهم القادم على صهوة النصر . و لمّا بلغت عروس البحر رمل
الشاطئ المهزوم فتحت ثغرها، و ألقت بركّابها على حافة اليابسة .
رجل أبيض يتبعه جند كثير ، و من ورائهم دبّابات تزحف كالسلاحف ، على إحدى الدبّابات يجلس الرجل الأسمر نجل الصحراء على عرشه يلوّح بيمينه لمستقبليه ، و مستقبلوه يلوّحون بعمائمهم و لحيّهم في رقصة محمومة مشى الموكب نحو المتكوّمين على الشاطئ في خشوع ، ولما بلغوا الرمل المنتحب تحت أقدامهم ، التأم الجمعان ، و سارا حيث دقّت الخيام ، ولما أناخوا اصطفّت العروش ، و كذا من بعدهم بطانتهم و أتباعهم ، وخرّوا جميعا بين يدي الأبيض سجّدا ، ثمّ بعد ذلك استقاموا ، ليقبّلوا يد العرش القادم على ظهر الدبّابة . شاعت في الجوّ تباشير الفرح و الزغاريد ، و انتشر جند الأبيض في مناكب الأرض ليفرغوا ظهور القوافل المحمّلة زيتا ، و بترولا ، و ذهبا . أمّا سيدهم الأبيض فقد جلس حول مائدة متخمة ومن بعده عروش الصحراء . ضجّ المكان و ران عليه الصخب ، و تحرّكت الفاتنات في كلّ مكان ، يطفن من حول الموائد السافرة بالكؤوس و الصحون يوزّعن الأكل على السادة و الابتسامات غير آبهات بدموع المصفّدات في الأغلال . فاتنات عاريات إلا من عرائهنّ مقبلات في تغنّج مقبلات على العمائم و العروش ومحتفيات بالضيف في غير اقتصاد .
أكلوا، وضحكوا ، و رقصوا ، و داعبوا القيان ، وترشّفوا رضاب الأقداح . خمر و رقص ، نحيب و ضحك ، تغنّج و عواء ، نباح و فحيح ، و عمائم مبعثرة في الأرض تحتسي المدام مع تراب الأرض المسكونة بالفجيعة من الأزرق إلى الأزرق ، و الليل المتيّم بالأظافر قد أرخى سدوله مناجيا
بحرا ذلولا يتتبّع حمارا يواقع أقحوانة ، وعروش رافلة في السكر تنتظر صياح الديكة الآذنة بالرحيل، و بعد وقت غير قصير نهض سيّد الرّابضة على باب البحر، و تبعه جنده و مضيّفوه ليودّعوه ، وقبل أن يركب ظهر سفينته أمر الأبيض عبده بجلب صندوق من بطن السفينة ، فامتثل العبد ، و اتجه نحو ها
و الأبصار شاخصة تتبعه .

سلام نوري 14-06-2006 01:56 PM

مرحبا ايها الروائي الجميل
انه لمن دواعي سرورنا ان نتابع روايتك ايها العزيز
وبالتالي سنكتب عنها انشاء الله

فوزي الديماسي 14-06-2006 10:25 PM

الروائي المحترم سلام نوري إنه من دواعي فخري و اعتزازي ان اتعرف إليك و إلى تجربتك
شكرا على مرورك من هنا
أخوك فوزي / تونس

فوزي الديماسي 15-06-2006 06:49 PM

-3-
استبدّ الصمت ، وخيّم السكون على الوجوه المسافرة نحو الصندوق السرّ ، و توكأت الأرض المسبيّة على فحش الأفق ، و توسّدت السماء الذبيحة عفن العويل المنبعث من أفواه المغلولات ، تقلّب الغريب في نار فضوله و سعير الغليان ، أمّا نخلته فقد أسلمت أمنها إلى براثن الليل اللقيط تعبث به على مقربة من القبور المرتعدة ، و المبثوثة هنا و هناك على أديم القحط الجنوبي القاحل ، ومن حين إلى آخر يرفع الغريب جمجمته المثقلة بأسئلة شوكيّة معربدة ، فيسترق النظر و السمع معا ، و يبعث في الأثناء بعينيه المتيقّظتين رسلا يفتّشون في ثنايا القابعين على صمتهم ينتظرون خروج العبد من بطن السفينة الرابضة على باب البحر في تغنذج سافر . قافلة من الخرفان مسرّحة في شرايين الجبل المطلّ في انكسار على الجاثمين حول الضيف . فجأة أطلّ العبد محمّلا بالخنوع و الصندوق الأحجية ، فرك الغريب عينيه ليتتبّع المشهد بوضوح أكثر ، و سوّت نخلته فضولها ، كما رتّبت تفاصيل انتباهها .
أينع الفضول في العيون المنتشرة على الشاطئ و الرامقة للعبد القادم من السفينة مثقلا تحت مطر من الأسئلة الملتهمة لسرّ الصندوق المترنح بين يديه ، سيد السفينة الجالس على صهوة الشموخ مختالا يبادل أصفياءه التحايا و الابتسامات
تقدم العبد نحو سيده ، و المتحلقون حوله يغطّون في صمت محموم ، وضع العبد الصندوق الأحجية أمامهم ، ثمّ استقام في وقفته ، ثمّ تقهقر إلى الوراء خطوات . استقام الضيف في جلسته ثمّ فتح الصندوق بعناية فائقة ، و أخرج منه تاجا يضيء نوره ما بين المشرقين والمغربين ، و كذلك أخرج سياطا من ذهب وكيسا كبيرا محشوّا ذهبا و فضة ، و لمّا أتمّ إفراغ الصندوق ، وقف الضيف و من بعده كلّ الحاضرين إلاّ المغلولات لذن بالدمع و الحزن الكسير ، تقّدّم الضيف نحو الجالس على عرشه محفوفا بالجواري و وضع التاج على رأسه ، كما أهداه السياط ، فشاع في الجوّ التهليل و التكبير و خرّ الحاضرون سجّدا لولي أمرهم الجديد ، و بعد ذلك فتح الضيف كيس الذهب و الفضة و طفق ينثر الأموال و الضحكات المتبرجات هنا و هناك، و من ورائه النمل و الخنازير و القردة و العمائم و الجماجم يلتقطون النعم الجارية من بين أصابع يده الكريمة المبسوطة حدّ الفحش . و بينما هم كذلك إذ بكبير عروش الصحراء سنّا ينادي في الناثرين و الملتقطين أن وجبت ساعة إكرام الضيف و أزفت ، فامتثل الناس جميعا ، و عادوا سيرتهم الأولى يلفّهم الخشوع و تنادى أولياؤهم فيما بينهم أن فكّوا عن حريرات الصحراء المغلولات أغلالهنّ ، و فكّ كل ّ صاحب عرش عن المرأة المشدودة بالسلاسل إلى عرشه أغلالها و قدّمها بعد ذلك للمذبح المقدّس قربانا ، أما القادم من الأزرق فواقف بين جنده لا يريم يرقب بعين متغنّجة الحرائر المطروحات بين يدي المذبح المرصّع بالذئاب و الكلاب و العمائم و العروش .
اضطربت القبور المتلبّسة بالصحراء الثكلى ، و حلّق في السماء المضرّجة في دموعها النحيب و الغربان ، و الشمس الذابلة سقطت مغشيّا عليها قرب الصبح المغلول حدّ الإنهيار ، زأر الغضب في شرايين الممدّد بجانب نخلته المضطربة ، و ارتفعت ألسنة الانتقام في دمه الضاجّ في مرجل القلق انتفض الغريب الممدّد على حزنه ، استأسدت رفيقته في تهدئته ، ترجّته بدموعها الغزار أن يلزم مكانه ، انتفض من مكانه كمن به مسّ من الجنون ، شدّته رفيقته إليها شدّا و استبسلت في إثنائه لكنه ترك توسلاتها وراء ظهره ، و فكّ بكل ما أوتي من قوة و إصرار من يديها بدنه المزبد ، و أطلق العنان لرجليه الملتهبتين غضبا و حقدا لينقذ من براثن السكين المنتصب في يمين كبير العروش الحرائر المطروحات قرب المذبح ، ركض نحو المذبح كحصان مخبول ، و ارتفعت السنة توعّده تسابق الريح ، لم تخفه صيحات الفزع ، و لم تثنه براثن الوعيد و النهش ، ركض كأنه لم يركض من ذي قبل ، نحو كبير العروش المدجّج بالليل و الشوك العنيد ، و قبل أن يبلغ مأربه استقبله الرصاص من كل مكان ، من الطائرات السابحات في السماء المنطوية على حسرتها ، و من الدبابات الرابضات على الشاطئ . دبّ الضجيج في الجماعة ، و طوّقت العيون و المخالب المكان ، و ذابت النخلة وراء الرمس في خوفها الوحشيّ ، تتابع خلسة تخبّط صاحبها في دمه .
أطلقت النسوة المغلولات الزغاريد ، و اختلط المكان بالرهبة و الحذر و الصياح و النباح و الفرح الدّفين ، و طوّق العسس الجثّة من كلّ مكان ، و انتشرت العيون في مناكب الأرض بين القبور المتراصّة بحثا عن خطر قد يهدّد أمن الضيف و مرافقيه .
ألقت الكلاب بجثة الغريب الممزّقة على باب البحر بعدما قطّعتها عيون الخائفين و الحاقدين. وبعدما أنزل الحرس بها عقابه و لملم الناس في أفئدتهم أشلاءها المتناثرة وأحلامها المبعثرة و استعاد المكان صفاءه ، حينها تقدّم سادة الصحراء نحو الضيف المبجّل و ركعوا بين يديه تبجيلا و اعتذرا ، ثمّ توجّهوا جميعا نحو المذبح محروسين بالكلاب و الذئاب و الأفاعي و الضفادع و القردة ليشهدوا عيد النحر السنوي .
رفع كبير العروش السكين المتأهّبة في وجوه المطروحات أرضا ، ثمّ نحرهنّ الواحدة تلو الأخرى ، فانفجرت الحناجر بالزغاريد و النحيب و التهليل و الصياح و البخور و الغثيان ، و سقت فرحا القيان الحاضرين خمرا معتّقة ، و رقصت العروش و الغربان ، و ملأ الغلمان من دم المنحورات الدّنان و بعدما ختموها قدّمها كبير العروش عربون وفاء للقادم من الأزرق و هدية سنوية ، هكذا جرت العادة من كل سنة بين قبائل الصحراء ، ثم أهداه كبير العمائم مفتاح المدينة ، و لمّا أتمّوا مراسم النحر توجّه الضيف في جنده إلى سفينته بعدما ودّعه أحلام الصحراء و أعيانها ، وتفرّق الجمعان ، فريق ابتلعته السفينة ، و فريق التهمته الصحراء ، و خلا بذلك المكان إلا من النخلة الجالسة على أشواك حزنها و خوفها من أن يتفطّن لها الذئاب و النسور فتلقى ما لقيه صاحبها فتسقط من يمين حلمها الشمس الموعودة

فوزي الديماسي 16-06-2006 08:53 PM

-4-
القافلة الناسلة من عمق صحراء التيه تغطّ في رحم عقيم ، و ابتسامة وليد فقدت بكارتها على مشارف الشاطئ الرافل في عفونة خلجات الليل المظلّلة بجناحيها الحالكين الجثة المسجّاة بشدو الذئاب و صهيل الخرفان و من كل همّين اثنين ، و الأشواك المنمّقة بالضياع تهدهد حلما سقيما ، الدمعة المجروحة شريدة في كفّ النخلة المعانقة وراء القبر لصمتها و الخوف تتفرّس وجوه دراويش يتبعهم الغاوون تنوء أكفّهم بنعش مخضّب بالسفح و الأماني الموءودة ، و من فوقهم الشمس المشدودة بحبل إلى جذع حيرة متشامخة تداعب بأناملها الرميم سؤالا يئنّ في قاع شجن ملتفّ الأوهام .
تحلّق الدراويش حول الجثة ، و النخلة ترمقهم من كوّة صمتها الكئيب ، غسّلوا الجثة بكلمات شاحبات ، و طيّبوها بخيالات محمومة ، ثم زفّوها للنعش المطأطئ .
مشت الجنازة مكبّة على حلمها ، نحو الجبل الجاثم على صدر الصحراء ، و تبعتهم عيون النخلة المحتمية بقلق وارف الظلال و المشدودة إلى التراب بسلاسل من خوف عتيد .تهادت الجنازة على كفّ اليتم ، شيّعها الصمت القاحل ، و العيون المشدودة إلى جحورها بسلاسل من وباء النسيان ودّعتها في غفلة من الرقيب ، حتى الماء غادر يومها مواقعه خوف العسس و الأنياب المعربدة في الغضب ، و عانق دم الذبيحات دم المجلّل بالنعش و تراب الأرض الثكلى ، و استأسد الصمت في جوارح القبور المنثورة بين شقوق الحلم المهزوم ، و غصّت شرايين الدروب بالأظافر و الذئاب ، و لاذت الأزهار بالأجنحة المهشّمة على عتبات الضوء العليل ، و اشتعل راس الجبل المترهّل خرفانا تتبّع الجنازة بعيون ناسلة من عروش الصحراء المتيّمة بالفتك . سار الدراويش على الشوك كأنّ النار تحتهم ح>رين جيئة و ذهابا خشية السيف المتطاول في البنيان .
غابت الجنازة ، و بقيت النخلة على عتبات النحيب تتقاذفها أمواج اليتم و العدم . نسيم جنائزي يولول بين جنبات الأرض باعثا في الوجود رعدة متوحّشة ، خوف زئبقي يعبث بقبور مبعثرة غادرت أعشاشها لتحطّ على أغصان الأفول ، نزلت ابتسامة النخلة للوادي الشوكي لتغتسل من رجس الهزيع الأخير من الضياء على صياح الدّياجير، و البحر على مقربة منها أجهش صحراء و من حوله انخرط الوجود في بكاء مديد ، رتقت النخلة بعض شجاعة بالية و أقرّت العزم على اقتفاء أثر الجنازة بعدما حلّ الصمت بالمكان و الأمان
اجتثت النخلة حراكها من قعودها ، و اقتلعت أمنها من خوفها مصعّرة خدّها لقهقهات متبرّجات منبعثات من سفور الليل الأليل ، ووجّهت وجهها شطر الجبل المرصّع بنجوم جنوبية صاعدة نحو الحضيض ، تحاملت النخلة على إعيائها مقتفية آثار الجنازة .مشت بخطى سكرى على وقع الآثار ، سارت بخطاها المترنحة ، وولجت طرقا شتّى ، بحثت عن الجنازة في الشعاب و الجبال و السجايا و في الأفق الضّنين ، و سألت عن مكانها حبّات التراب و أمواج البحر الذليل ، سألت عن مكان صاحبها البوم و الغربان و الفئران الجارية على حافة الوباء الزلال ، سألت عنها القبور و النجم الهزيل ، بحثت عنها في ترائب القمر المعبّأ بالأنين ، وذات دهشة مقمرة ، و بعد مشقّة وقفت المنهارة على باب الجبانة المنتبذة مكانا شرقيا ، و لمّا تقدّمت النخلة نحو العمق خطوات رفعت دمعة عقيرتها و
صوت الفجيعة في السماء دوّى متفجّعا ، ووجه الموت وقف عند رأس النعش متبرّجا ، و سليل الجلدة في شقائه ينعم متفرّجا ، وسراب الأحلام قرب النعش في دمه مضرّجا ، و عويل النفخة انبعث من السور مترجرجا ، وهتف هاتف من وراء الشمس السوداء متوجّعا :
يا زمن الأزمان يا ألمي
و يا ألم الآلام يا زمني
و يا سنم الأدواء يا عمري و يا حطب الأحلام يا عبثي
و يا عبث الأيام يا أربي
هكذا غنّت طويّة النخلة المتسمّرة على باب الجبانة لسجيّتها ، وهكذا أسرّ شوك الزمان لقدمي التائهة بين القبور . تمشّت النخلة بين القبور مفتّشة عن ساكن قلبها ، نادت عليه بأعلى صمتها ، لكن لا صوت يأتيها سوى ترجيع حزنها ، أعادت النداء مرة ومرتين ، فاستقبلها زئير العدم من وراء القبور ، و استوقفها فحيح القدر في قاع اللوعة ، و صهيل التيه يدنو و ينأى .
أعياها البحث ، و أرهقها النداء ، دبّ اليأس في سريرتها . و لمّا أعياها التطواف في مناكب السؤال النحيف جلست إلى قبر لتلملم أنفاسها ، غمست رأسها في السقوط وأجهشت تلوّعا ، لكن لا حياة مع اليأس ، انتفضت من سباتها لتعاود البحث، وضربت في الأرض باحثة عن صاحبها علّها تجده


الساعة الآن 12:00 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط