![]() |
الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
بين اللغة والفكر علاقة وشيجة لا يمكن أن تنكر ، فاللغة والفكر يعبر كل منهما عن الآخر تعبيرا كبيـــــــرا ووطيدا ، فمثلما نعد الفكر الموطن الأول لما يريده المتكلم التكلم به ، كذلك اللغة تمثل الألفاظ التي يترجم بهــــــا الإنسان الفكرة المعينة ، أو الأفكار المتعددة ، فحين ينطق بتركيب معين لا بد أن نعي أن هذا التركيب نتيجـــــــة لصورة عقلية أو عملية ذهنية . إن هذه العملية الذهنية تعد أولى الخطوات لبناء جملة ـ أيا كان معنى هذه الجملة ـ ، وعلى هذا الأساس تعــــــــد العملية الذهنية أساس قيام كل جملة ذات معنى تام ، مفيد فائدة يحسن السكوت عليها ؛ لتحقق الفائدة . وحين نتعرض لمسألة الإسناد في الجملة العربية لا بد أن نعرج على مسألة العامل ، فنظرية العامل إحدى حلقات الدرس النحوي المهمة ، وقد أخذت مكانا كبيرا مهما في فكر النحويين ، فنراهم يتحدثون عنه كلما ذكر الإعراب وما يتعلق به ، موضحين أن ( الحركات ) إنما هي بسبب تعاقب العوامل على الاسم ، وتغايرها ، واختلاف وظيفة الاسم المؤداة داخل النص بما يحدثه العامل من أثر لفظي يختبىء وراءه أثر معنوي . واختلفت العوامل باختلاف طبيعة التراكيب اللغوية ، وبحسب استعمال المتكلم لطبيعة ذلك التركيب ، وما يراد من ورائه ، فقسمت العوامل إلى : 1 . عوامل قوية : ومما يندرج تحت هذا المفهوم الفعل ، على أساس جهتيه ( عنصريه ) ؛ الحــدث ، والزمــــن ، باستثناء الأفعال الناقصة ؛ لخلوها من عنصر الحدثية . 2 . عوامل ضعيفة : التي لن ترتقي إلى ما ترتقي إليه العوامل القوية من حيث العمل في ما بعدها . وقف النحويون ـ إزاء نظرية العامل ـ موقفين ؛ ما بين مؤيد لها ـ وهم أغلب جمهور النحويين ـ ، وما بين رافض لها ، ويمثل هذا الموقف ابن مضاء القرطبي : ( 592 هـ ) ، ودوافع نكرانه إياها معروفة ، ومنطلقه معروف أيضا . ليس ينكر فضل العامل في فهم دلالة الجملة ؛ لتأثيره في الاسم الواقع بعده في نظام الجملة الفعلية ؛ المتعدية ، واللازمة ، ويكون عمله ( تأثيره ) من جانبين : 1 . لفظي : بتغاير العمل . 2 . معنوي : ببيان الوظيفة النحوية للفظ . ولا بد قبل الولوج في قيود الإسناد أن نستكشف العلاقة الخطابية ، لفهم كيفية دوث المعنى داخل الإنسان ، إذ يتعرض الإنسان لمواقف عدة ، ما بين فرح ، وحزن ، وصحة ، وألم ، واسترخاء ، وشدة وغير ذلك من المعاني ، فأين تحصل هذه المواقف التي هي حقيقة معان تتوارد على الإنسان ؟ . إن نفسية المنشىء هي عنصر التأثر بالمعاني ( ولذلك عدت عنصرا مهما من عناصر السياق اللغوي ) ، وعلى ذلك فإن المعنى الأول يتكون في نفسية الإنسان ، وينتقل هذا المعنى عن طريق إيعــــــــــــازات ( حسية ) إلى الذهن ، وفي الذهن تتكون ( صورة ) ذهنية بجهتيها ، وتتم الإيعازات ( العصبية ) مـــــن الذهن إلى أعضاء النطق ، فيتم إنشاء الجمل والعبارات والتراكيب على هيأة أصوات منطوقة . وتنتقل من أعضاء النطق عبر الحيز الهوائي على شكل ذبذبات صوتية من المخاطِب ( المتكلم ، المنشىء ) إلى المخاطب ( السامع ، المتلقي ) ، يستقبلها المخاطب عن طريق الأذن الخارجية ( بصواوينها ) التي هيئـــــــــــت لاستقبال أصوات معينة بحسب الشكل الذي هي فيه ( بغض النظر عن الجوانب الفسلجية الأخرى كحمايــة الأذن الوسطى والداخلية ) . هذه الأصوات التي تستقبلها الأذن الخارجية تدخل إلى الأذن الوسطى ( طبلة الأذن ) ، ومن ثم إلى الأذن الداخلية ، فتنتقل هذه الأصوات من الأّن الداخلية إلى الذهن بوساطة الإيعازات ( العصبية ) ، فيتم تنظيم الأصوات ، وترتيب المعاني ، ومن ثم تكوين صور المعاني ، فترسل الصور إلى نفسية المتلقــــــــــــي ، فيحصل التأثير والتأثر . وعلى هذا الأساس فالـ : ( إسناد ) هو الجزء غير المنطوق في الجملة ، كونه إحدى العمليات الذهنية التي يقوم المخاطب باختزانها للوصول عما يريد إيصاله ، وعما يريد التعبير عنه بطرائق مختلفة ؛ كالإشــــــــــــارات ، أو الأصوات ، أو الكتابة ، ومن هنا تتحول العملية الذهنية إلى صورة منطوقــــــة ( فونولوجية ) ، أو إلى صورة لفظية ، أو إلى صورة إشارية ، فيتم الإخبار ـ آنئذ ـ . ومن هنا نفهم أن الإسناد إنما هو الصورة الذهنية؛ ولذلك يعد أساسا في كل جملة ، فكل جملة لا بد أن تكون هناك فكرة سابقة لها ؛ ولذلك يجب القول : إنه لا يجوز أن تخلو أية جملة من الإسناد ( الصورة الذهنية ) ؛ لأن : " لو جردا ـ المبتدأ والخبر ـ لا للإسناد ، لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربة " . وقد أشار المستشرق برجشتراسر ( 1932 م ) إلى دور المسند في تحديد نوعية الجملة ، كما أشار إليه النحويــــــون قبلا ، قال : " والجملة مركبة من مسند ، ومسند إليه ، فإن كان كلاهما اسما أو بمنزلة الاسم فالجملة اسميـة ، وإن كان المسند فعلا أو بمنزلة الفعل فالجملة فعلية " ، ولهذا الأمر نظائر لا تحصى ؛ آيات ، وأشعـــــــارا ، وجملا . إن طرفي الإسناد كانا موضع اهتمام النحويين ؛ كونهما يفضيان إلى دلالة الجملة على وجهها الدقيق ، فــــــــــذا سيبويه ( 185 هـ ) يشير إليهما في باب عقده أسماه : " هذا باب المسند والمسند إليه وهما ما لا يغني واحد منهما عن الآخر ، ولا يجد المتكلم منه بدا ، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه ، وهو قولك : ( عبد اللـه أخوك ) ، و : ( هذا أخوك ) ، ومثل ذلك : ( يذهب عبد اللـه ) ، فلا بد للفعل من الاسم ، كما لم يكن للاسم الأول بد مــن الآخر في الابتداء " . عبر سيبويه ـ وتبعه المبرد ( 285 هـ ) وكثير من النحويين ـ عن ضرورة التحاق الاسم بالفعل ؛ لأنهما بمنزلة الاسم الواحد ، فلا فعل بلا فاعل ، مع مراعاة ألا يكون الإسناد في كلمة واحدة على وجه الإطلاق ، شريطة ألا تكون هذه الكلمة فعلا ؛ لأن لكل فعل فاعلا ـ إن ظاهرا ، ، وإن مستترا ـ وبذلك ينبغي وجودالاسم المسند إليه في كل جملـــــة يقصد من ورائها إيصال معنى معين مفيد ، ومن هنا عد الضمير نمطا من أنماط الاسم ؛ كونه صالحا للظهــــــــور والضمور . وإذا ما أنعمنا النظر في أهمية الإسناد العميقة لوجنا أنها تؤكد تمامها من خلال طرفيه في الجملة ؛ لأنهمــــــــــــا يوصلان بنا إلى تحقيق المعنى المطلوب ، والمقصود بطرفي الإسناد ؛ المسند ( اسما كان أم فعلا ، وعلى أساسه يحكم على الجلة بأنها اسمية ، أو فعلية ) ، و المسند إليه الذي لا خلاف فيكونه اسما أو فعلا ، ولا أثر له فـــــــي تحديد نوع الجملة . ورأى النحويون أن المسند والمسند إليه هما عماد كل جملة ، ومن ثم أطلقوا مصطلح على المبتدأ والخبر ، والفاعل ونائبه وما يشاركهما الحكم مصطلح : ( العُمَد ) ؛ لوجوب ذكره في الجملة ؛ تحقيقا للمطلوب منه مـــــن معنى ؛ وذلك : " لأنها من اللوازم للجملة ، والعمدة فيها ، و لا تخلو منها ، وما عداها فضلة يستقل الكلام دونها " . للموضوع تتمـة .... 02:17 الأحد 30.07.2006 |
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
بارك الله فيك أخي الكريم د.حقي إسماعيل موضوع قيم فعلا يستحق القراءة أكثر من مرة جعله الله في سجل حسناتك ونفع به محبي العلم ربما نقلته إلى أماكن أخرى فهل تسمح؟ لك الشكر والتقدير أختك بنت البحر |
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
الأخت الفاضلة زاهية . أعزك اللـه ورسوله ( صلى اللـه عليه وسلم ) . دمت أختي على هذا التواجد المبارك بإذن اللـه تعالى ، وبإذن اللـه تعالى نكون ممن ينتفع بهم ، وتواجدك تطريز لهذه الصفحة وصاحبها ، ولك ما أردت سيدتي الكريمة حبا وكرامة ، وستكون هناك حلقات أخر لهذا الوضوع حتى نأتي على آخره بالخير إن أحيانا اللـه تعالى . دمت . |
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
لك الشكر والدعاء أخي الكريم د.حقي
لاحرمك الله الأجر والثواب دمت بخير أختك بنت البحر |
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
آمين يا رب العالمين ، اللهــم اجعل عملنا نورا يهتدي به المتعلمون .
|
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
أستاذي الفاضل د. حقي ,
بارك الله فيك و زادك من فضل علمه , يبدو أن الأمر بحاجة لقراءة متأنية , فلسوء الطالع اني قد قصرت عن الفهم هنا , لكن , لنا بعون الله عودة . و لعلكم تبسطون الامر أكثر لمن هم مثلنا , جزيتم خيرا , شكرا لكم و بارك الله فيكم و أعلى في العالمين قدركم . |
مشاركة: الإسناد وقيوده في الجملة العربية / ح 2
أختي الكريمة د . صفاء . تحية طيبة . إذا ، نحتاج إلى توضيح الذهن والعقل والعلاقة بينهما في ذاك الموضع وسيكون الليلة بإذن اللـه تبارك وتعالى . دمت . |
| الساعة الآن 12:25 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط