منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - مختارات من قصصي
عرض مشاركة واحدة
قديم 09-09-2007, 04:42 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

أصدقائي
غيرت رايي سابدأ بنشر قصة موتي وقط لوسيان . وهي قصة طويلة جدا ووقائعها حقيقية
وقد جرت معي.


موتي وقط لوسيان
صدرت عن وزارة الثقافة الفلسطينية 1998
( قصة طويلة جدا)
في الوقت الذي كنت فيه أفكر في الموت ، في محاولة يائسة لإبعاد شبحه عني ، جاءني هاتف من لوسيان ،تخبرني أن محمود مات ، وتطلب مساعدتي لدفنه في مقبرة.
أطرقت قليلا إلى أن أدركت من هو محمود ، ولحظتئذ لم اعرف ماذا أفعل، هل أضحك أم ابكي أم أغضب؟! قلت للوسيان دون اكتراث أن تلقي بهذا المحمود في القمامة وتحاول أن تنساه وتفكر في ما هو أهم.
راحت تصرخ على الطرف الآخر من الخط بعربية تخالجها اللكنة الفرنسية :
( في القمامة أيها المجرم الشرير، في القمامة؟ إنه روح يا من تدعي أنك تكتب عن الروح والحياة ، على اية حال لا أريد مساعدتك ، ولن احضر إليك هذا المساء
، لا أريد دعوتك )!
وأقفلت الخط ليظل صدى كلماتها يتردد في مخيلتي ، يضغط على صدري ، يعتصر قلبي ويثقل نفسي ، ومع ذلك لم أحاول الإتصال بها على أمل أن تأتي في المساء – رغم ما قالته- وأوضح لها الأمر.
كنت قد استيقظت هذا الصباح والرعب يجتاح جسدي من رأسي حتى قدمي. فقد رأيت في نومي لحاما يحمل على كتفيه رجلين مذبوحين و مسلوخين ! ويدخل بهما إلى الملحمة. كان رأسا الرجلين يتدليان على ظهر اللحام وقد بدا تماما أنهما ذبحا من الوريد إلى الوريد ، أظن انني صرخت حينئذ واستيقظت على أثر ذلك . ألقيت نظرة خاطفة على ما حولي لأتأكد من أنني في غرفتي ، وانني كنت في كابوس لا أكثر . كابوس ككل الكوابيس التي أراها دائما. زفرت عدة أنفاس عميقة متلاحقة في محاولة لتهدئة أعصابي وطرد الذبيحتين من مخيلتي . ألقيت نظرة على الساعة ، كانت حوالي السادسة ، إنه الوقت الذي أنهض فيه عادة لأكتب . أخرجت السدادات من أذني لأبدأ اتصالي المباشر بالعالم الخارجي المحيط من حولي ، طرقت أذني مجموعة أصوات متناثرة من هنا وهناك ، لم أكترث للمسألة ، ونهضت لإعداد الشاي. وضعت الماء على الناروعدت لأفتح المذياع متفقدا اخبار الموت الفلسطيني ، أو لأقل أخبار القتل. فالقتل ثاني شيء يعيد ربطي بالعالم الخارجي ، بعد الضوضاء والصخب والضجيج ، إذ يتوجب علي معرفة كم قتل منا هذا اليوم ؟
وإذا ما انتابني شك في أن عدد القتلى قليل ، رحت اتصل بمكاتب الإعلام الفلسطينية لأجزم بحقيقة الأمر . ، أما إذا لم ينتبني ، فيتوجب علي أن أعيد النظر في العملية الحسابية التي شرعت فيها منذ قرابة عشرين عاما ، أعقد عملية حسابية يمكن أن يتخيلها المرء ، شرعت فيها منذ ذلك الوقت ، بغية الوصول إلى أمرين . الأول : هل يمكن إفناء الفلسطينيين على ضوء هذا المعدل في القتل ؟ والثاني : متى سيحل قتلي ؟! ونظرا لأن عدد القتلى يكثر كل شهر أحيانا ، فإنني في حاجة لإعادة النظر في العملية . فمثلا توصلت في شهر كانون أول من عام 68
إلى أنني سألاقي حتفي في العقد الخامس من القرن الحادي والعشرين ! أي أنني سأعمر أكثر من مائة عام ! فيما توصلت إلى أن إمكانية إفناء الفلسطينيين مستحيلة تماما . وجاء عام 1970 لينسف توقعاتي ، فقد قصر عمري أكثر من ستة عقود ، حتى أنني توقعت أنني سألاقي حتفي عام 1986 . وبما أنه لم يبق من هذا العام إلا قرابة شهر ، فإنني أترقب موتي لحظة بلحظة . والأمل في أن تخطىء توقعاتي ضئيل للغاية ، أما فناء الفلسطينيين فقد تبين لي على ضوء ما تمخضت
عنه المجازر الأيلولية ، أنه أمر ممكن ، بل وممكن جدا ، وجاءت الأعوام اللاحقة لتصفعني الصفعة تلو الصفعة ، وتدفعني لأن أحسب عمر الفلسطينيين بالقرن بعد ان كنت احسبه بالألف عام ، حتى انني في هذا الشهر اللعين أو الشهرين اللعينيين
اللذين ينتهي بهما عام 86 ، أخذت أفكر في أن أحسب عمر الفلسطينيين بالعقد ! فقد وصلت الأمور إلى حد مرعب ، حد صرح فيه زعيم حزب عربي بانه سيقف ضد أي توسع فلسطيني خارج المخيمات! لقد غدا خروجنا من المخيمات توسعا ، ودخولنا إلى قرية عربية احتلالا ، وانشطار أجسادنا تحت القصف المدفعي عدوانا ، وهذا يعني أن مخيماتنا في بعض الدول العربية غدت تعامل كقواعد استعمارية
معادية ، وينبغي أن تسحق! وعندما أضيف إلى هذه الوقائع فظائع المحتلين داخل وخارج الأرض المحتلة ، والإنشطارات الجبهوية والمنظماتية في الثورة ، وغياب الوحدة الوطنية ، وتشتت الرؤى الثورية ، وتفشي البيرقراطية والإنتهازية ، والتخاذل ، في الساحة الفلسطينية ، أجد نفسي أغرق في التشاؤم ، ويطبق اليأس على روحي المدمرة ، ليفقدني أي أمل بالحياة . غير انني وفي أحيان نادرة ، أحاول مقاومة اليأس بما يؤكد بقاء الفلسطينيين وتكاثرهم بشكل يستحيل على الفناء ، فأحسب كم ازداد عددهم في كافة أماكن تواجدهم ، فأجد ان سكان 48 قد ازدادوا قرابة خمسة اضعاف في أربعين سنة ،وسكان 67 ازدادوا أكثر من ضعفين في عشرين عاما ، وسكان المنفى ازدادوا أربعة أضعاف عما كانوا عليه عند بدء منفاهم . وامعن في التفاؤل إلى حد اقول فيه لنفسي: ولك حتى أنت الذي لا تؤمن بالمؤسسة الزوجية ، تزوجت مرتين ، وعاشرت قرابة خمسين امرأة من القارات الخمس ، بحيث غدوت لا تعرف كم عدد ابنائك. فكيف تفكر بالفناء ؟! وأحاول تصديق ما أقوله لنفسي ، فأغصب نفسي على ابتسامة صفراء هزلية مصطنعة .

يتبع ؟







 
رد مع اقتباس