أخذت أخبار القتل تتوالى عبر المذياع . رباه كم كان هناك من القتلى : قتلى في جامعة بير زيت ، قتلى في غزة ، جرحى في أماكن اخرى من الأرض المحتلة ، عشرات القتلى في مخيمات : عين الحلوة ، الرشيدية ، برج البراجنة، شاتيلا، ولم تتطرق الأنباء إلى مخيم صبرا، فقد سحق مخيمها بالمدافع الأخوية منذ زمن قريب، وردمت كل أبنيته، لينسى تماما إلا من الذاكرة الفلسطينية وحدها. تأففت قهرا وغضبا وقذفت( في نفسي ) مجموعة من الشتائم على الكون والآلهة والعالم ! وقد غابت من مخيلتي كل مؤشرات البقاء ، بما في ذلك نسائي وأبنائي ، ليحل القتل بكل فظاعته.
حضرت الشاي ورحت أحتسيه . أغلقت المذياع وشرعت في قراءة آخر مشهد في الرواية . الرواية التي بدات كتابتها أواخر عام 80 ، ولم أفرغ منها حتى الآن ، وبت أشعر وكأنني بدأتها منذ سبعين عاما وليس سبعة أعوام ، لكثرة ما قتلتني واعتصرت دمائي قطرة قطرة ، ، أرهقت اعصابي وسلبت مخيلتي . كتبت فيها حتى الآن قرابة ألف و مائتي صفحة ، ولا أعرف كم سأكتب بعد ، ولا أعرف متى سأنتهي ، ولو كنت أعرف أنني سأكرهها إلى هذا الحد ، لما شرعت في كتابتها ، أو لأجلت ذلك ، . لا اظن ان هناك ما هو مرهق في الحياة أكثر من كتابة الرواية .
لم يرق المشهد لي ، أحسست أنه مكتوب بلغة جافة ميتة ليس فيها أي أثر لحياة ، رغم انني كتبته ثلاث مرات . ثم إن ما يحيرني هو مصير ابطالي، الذين لا اجد مفرا من جعلهم يواجهون قدرهم ، وهو هنا قدر كل الأبطال الفلسطينيين عبر التاريخ . بدءا من جليات الذي تقول الأسطورة التوراتية أن داود قتله بحجر من مقلاعه ، مرورا بيسوع المسيح ، وانتهاء بعبد القادر الحسيني ، وأبو علي إياد ، وغسان كنفاني ، وماجد ابو شرار . كم احاول أن أجد لهؤلاء الأبطال منفذا ، فأعود إلى جليات في محاولة يائسة للبحث عن أمل ما ! فأجد ما لا يصدق ، أجد ان داود الصغير قد صرعه رغم العملقة التي تصوره فيها التوراة < فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جت ، طوله ستة أذرع وشبر ، وعلى راسه خوذة من نحاس ، وكان لابسا درعا حرشفيا ، ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس ، وجرموقا نحاس على رجليه ، ومزراق نحاس بين كتفيه ، وقناة رمحه كنول النساجين ، وسنان رمحه ستمائة شاقل حديد >
رباه ( أقول لنفسي ) ورغم كل هذا صرعه داود بالمقلاع؟! اللعنة ! هل يكمن قدرنا في انه كتب علينا القتال مدى الحياة دون تحقيق النصر ؟! وبالتالي لا يمكن لحياتنا أن تتجدد إلا بالموت ، طالما أن اليهود لم يفنونا رغم طول هذا الصراع عبر التاريخ ؟!
هذا ممكن ( أقول لنفسي ) وأنهض لقضاء حاجتي الصباحية ، وقد داخلني شيء من الطمأنينة لما أظنه صواب أفكاري !
قضيت حاجتي وأنا اتصفح كتابا عن المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين ، تناولته من مكتبة المرحاض !! عثرت على مجازر لا يكاد يسمع بها أحد ، ارتكبت في قطاع غزة عام 1956. وفظاعتها تفوق كثيرا العديد من المجازر النازية ، حتى تلك التي استخدمت فيها الأفران لحرق السرى . فمن يصدق مثلا أن الجيش الإسرائيلي دفن في الصحراء 1800 شاب في يوم واحد ، وقد دفن معظمهم وهم أحياء .؟!
تنبهت إلى أن الكتاب أخذني بحيث جعلني أمضي في الحمام أضعاف الوقت المطلوب ! لقد أضعت الوقت ! ينبغي ان أغسل وجهي وأحتسي القهوة . سأحتسيها وأنا أكتب .
سارعت إلى التنفيذ .. جلست على طاولة الكتابة لأقود بطلي إلى نهايته ! أنا في العادة اكتب في السرير ، لكن وجود طاولة في هذا البيت الصغير الذي استأجرته منذ فترة ، شجعني على استخدام الطاولة .
كيف سأميت هذا البطل ؟ ابطال كثيرون في روايتي وينبغي علي أن أبحث عن ميته تليق بكل واحد. هذا في مواجهة مع المحتلين . وذاك في السجن ، وذاك وذاك .. رباه كم أحتاج إلى أشكال من الموت ؟ ثم إنني نسيت أن أغلق أذني قبل أن تضج الحارة بابواق باعة النفط ، فانا لا استطيع الكتابة وحتى النوم والقراءة ، دون ان أغلق اذني ، لتلافي هذا الصخب المدمر للأعصاب ، وخاصة ذاك المنبعث من أبواق باعة النفط ، أو المازوت كما يسمونه في دمشق . فظيعون باعة المازوت هؤلاء ، فهم يقتلونني بطريقة عجيبة ، لا يشرعون سيوفا لجز الرؤوس ، ولا ينصبون مشانق ، أو يرمون بالرصاص ، لا لا ، إنهم لا يفعلون هذا أوذاك ، إنما يجننونني بأبواقهم الفظيعة ، فما أن يقبل أحدهم على الحي من بعيد وفي الصباح الباكر ، ممتطيا عربة حصانه المشرشب ، المزين بالشرافات والظبابيح والضفائر الملونه ، التي غالبا ما تكون حمراء ، حتى يسبقه صوت البوق المخيف ، مخترقا النوافذ والشرفات ، الحوائط والجدران ، الرؤوس والجماجم ، موقظا الناس من عز النوم ، فابادر حينئذ إلى وضع السدادات في اذني لأستانف النوم ، اما إذا كنت أكتب فإن الأمر يتطلب ان اسارع إلى دفع السدادات عميقا داخل أذني في اتعس محاولة للتخفيف من حدة الصوت الذي يخترق تلافيف دماغي ، يشل تفكيري ، يجمده تماما ، فتغدو الكتابة أمرا محالا ، بل مستحيلا ، لذا أتوقف في أحيان كثيرة ، فهذه السدادات تفيد قليلا لكنها لا تحل المشكلة ، أنتم قطعا لم تسمعوا أبواق باعة المازوت هؤلاء طالما لم تسكنوا الأحياء الشعبية في دمشق ، كيف اصفها لكم ؟ فهي ليست كابواق سيارات النجدة أو الإسعاف ، وليست كابواق إنذارات الخطر كلها ، حتى تلك الأبواق المرعبة التي تسبق عادة مواكب الزعماء . بل إن هذه تبدو جميلة إذا ما قورنت بها . أما بوق بائع المازوت فهو عجيب ، صوته حاد جدا ، وهو بوق عجيب حقا ، ينتهي بكرة مطاطية ممتلئة بالهواء ، يضغط البائع عليها
فتخرج صوتا يأخذ طريقه على الفور إلى تلافيف الأدمغة ، فيشل حركة الأعصاب !! وكل بائع مازوت يضغط على الكرة بطريقة تميزه عن الآخرين ، فقد تسمع واحدا يضغط ضغطة طويلة جدا في البداية ، يتبعها بضغطة أقصر قليلا ، ثم أخرى قصيرة تماما ، وآخر يضغط ضغطتين طويلتين ثم واحدة قصيرة فواحدة طويلة جدا ! فالجميع يحاولون تأليف ألحان موسيقية فظيعة بضغطاتهم . ويكررون هذه الألحان مرة كل دقيقة ، مع ان الحارة تكون قد استيقظت ابشع استيقاظ يمكن أن يستيقظه بشر .
كم مرة اطلقت النار على باعة الزفت هؤلاء . اطلقتها في خيالي طبعا ، إذ لا أتصور أن أقتل أحدا من هؤلاء التعسين حقيقة . بالتاكيد لن افعلها . صحيح انه لدي مسدس في درج طاولتي ، أحتفظ به كاي فلسطيني ، حتى أدافع به عن نفسي إذا ما حان قدري ، لكني لن استخدمه ضد باعة المازوت ، وليس ضد الآلهة أيضا ، إذ اعرف ان قدري لن يكون على ايديها .. رغم ان كل واحد من هؤلاء يغشنا في السعر والمكيال والما زوت المخلوط بالماء ، فقد أخذ احدهم 85 ليرة بينما أخذ آخر 75 ، وآخر 65 ، مع ان الكمية التي ابتاعها ثابتة لا تتغير . وإذا ما حاولت إقناع البائع بان اوعيتي لا تتمدد ولا تنتفخ ، ولا تتسع لأكثر مما تتسع ، وأن سعر ملئها لا يتجاوز 54 ليرة حسب تسعيرة الدولة ، فإنه يحرمني من المازوت في عز الشتاء . لذا بت أسلم بالغش واتعامل معه كامر واقع . حتى انني أخذت أشكر جاري عندما يبيعني كيلو السكر بعشرين ليرة مع أنه يبتاعه بليرة ونصف !
ما يزعجني أن نسبة الغش غير ثابتة ، وتختلف من بائع لآخر ، وفيما يتعلق بالمازوت ، لا أذكر أن بائعا اخذ مني نفس المبلغ ، وإذا ما أخذنا بالإعتبار نسبة الماء غير الثابتة أيضا التي تضاف إلى النفط ، فإن الغش يكون فظيعا جدا .
وأعجب ما في بائع المازوت هذا أنه يظن نفسه اهم من ملك او رئيس جمهورية ، وفي أسوأ الأحوال يظن نفسه اهم من رئيس حزب أو زعيم منظمة فلسطينية ، وقد يكون محقا في ذلك ، وخاصة حين يقترب من الحارة أو يعلن حضوره فيها ، مطلقا الف صرخة من بوقه الفظيع ، فتطل الرؤوس منفوشة الشعر من النوافذ والشرفات وشقوق الأبواب ، وتجحظ العيون المعمصة التي ارهقها السهاد أو اكسلها طول الرقاد ، وهي تحدج البائع بنظرات بلهاء . ويهرع البااحثون عن المازوت لتشغيل مدافئهم وحماماتهم ، فيزهو بائع المازوت بنفسه ويدور حول الحصان المشرشب متبخترا ، والناس يحدقون إليه وهو يحدق إليهم ، راميا نظراته هنا وهناك ، نحو الطوابق العلوية والسفلية ، ويده لا تكل ولا تمل من الضغط على هذا البوق العجيب ، وهنا بالذات يشعر أنه يؤكد حضوره امام كل الناس ، وأن الجميع في حاجة إليه ، وانه بالتالي أهم من ملك أو رئيس جمهورية !وهؤلاء حسب زعم جارتي الشامية يستوطنون التلفزيزن ، ويمكن للمرء أن يغلق التلفزيون إذا لا يريد ان يراهم ، أما باعة المازوت هؤلاء فمن يستطيع ان يمنع نفسه من رؤيتهم .؟ من يستطيع أن يغلق اذنيه دائما حتى لا يسمع صخب أبواقهم
يتبع