.؟ لقد تآلفت مع كل الأصوات الأخرى في الحارة منذ أن سكنتها ، تآلفت مع أبواق السيارات ومفرقعات الأطفال ، تآلفت مع أصوات الدراجات النارية التي يركبها المراهقون وغير المراهقين ، مع نداءات باعة الخضار والفواكه ، ونداءات تجار الأحذية المهترئة والملابس المستعملة ، ونداءات تجار الخبز الجاف والألمنيوم والقناني الفارغة ، تآلفت مع نداءات هؤلاء التي لم أكن أطيقها ولم اكن افهم منها شيئا ، وإذا فهمت ماذا ينادي البائع وتريد ان تشتري ، ستجد ان البائع يبيع شيئا مختلفا عما ينادي عليه ، فإذا سمعته ينادي قائلا ( حلاوة يا حلقوم ) وأطليت برأسك من النافذة لتنده عليه رغبة منك بالحلقوم ، ستجد انه يبيع بطيخا !
المهم ، وكي أتلافى طرق باب بيتي من قبل المشترين ، علقت عليه لافتة تقول أنه ليس لدي ما يمكن شراؤه ، وأنني ألقي بفضلات الخبز في القمامة ، فأدركوا أو ظنوا أنني ملحد ، إذ كيف أرمي فضل الله في القمامة ؟ فلم يعودوا يطرقون باب
بيتي في الصباح الباكر ، إلا إذا كانوا أميين . ولم يبق غير هؤلاء التعسين ، أي باعة النفط العظام ، الذين يؤكدون حضورهم في مخيلتي أكثر من الأعجف ( وهذا زعيم فلسطيني مهول ، كسر الدنيا ، في روايتي ! ) وأكثر من عامر الليثي ( وهذا الفدائي الفلسطيني الذي يصارع قدره في الرواية ذاتها ، ) واكثر من الموت المحدق بالفلسطينيين ، وأكثر من النساء اللواتي قتلنني وما زلن ، حتى أنني كتبت إلى وزيرة الثقافة أناشدها المساعدة في الخلاص من أبواق باعة النفط هذه ، بعد ان أخفقت كل محاولاتي في جعل الباعة يبيعون نفطهم دون استخدامها ، حتى أنني أخبرت صديقي الروائي بما أقدمت عليه ، لعله يساعد في الأمر ، أعرف ان هذا ليس من شأن الوزيرة والروائي ، لكن ماذا أفعل بالله عليكم ؟!
لقد مر شهر على كتابي ذاك ولم يحدث شيء ، ولن يحدث شيء كما يبدو ، وهذا البوق يصرخ في رأسي ، والرواية تنتظر بين يدي ، والزمن يطوي سني عمري ، والأعجف يطل من بين السطور ، يحدجني بنظراته ، يقهقه ، يسخر مني ! ، أما أم عامر ( وهذه الأم الفلسطينية في روايتي ) تحدجني بنظرات الوجد وتقول لي ( متى ستنتهي من مأساتي ، ألا يكفي أنك جعلت اليهود ينسفون بيتي مرتين ؟ وقد تجعلهم ينسفونه مرة ثالثة ، ألا يكفي أنك جعلتهم يقتلون عمر وفداء وعمرو ، وجعلتهم يأسرون محارب وعمران وأبو عامر ، ألا يكفي كل هذا ؟ فإلى أين تقودني ؟ كفاك مآس ! )
آه كم أنا متعب يا أم عامر ، وكم تؤرقني هذه المآسي التي وضعتك فيها ، كم تقتلني ؟
سمعت مجموعة أبواق لباعة المازوت تنطلق دفعة واحدة ، قادمة إلى الحي ، سارعت إلى فتح علبة السدادات لأغلق أذني ، غير أنني شعرت بانقباض شديد في صدري ، انقباض شل حركتي ، وجعلني غير قادر على وضع السدادات في أذني ، رحت أتنفس بعمق وانا أضع يدي على صدري في محاولة لمقاومة هذا الإنقبلض المفاجىء . تخيلت نفسي ميتا على الأريكة وليس خلف طاولة الكتابة ، لا أعرف لماذا ؟ ربما لأنني لا أكره شيئا في الحياة أكثر من الكتابة ، ولا أحب شيئا في الحياة أكثر من الكتابة !! ففضلت ان أموت بعيدا ولو قليلا عن طاولة الكتابة !
رن جرس الهاتف . حاولت القيام غير أنني لم أتمكن . وظل الجرس يرن ويرن إلى ان يئس طالب المكالمة وأقفل الخط من طرفه . بعد قرابة ربع ساعة ، أحسست انني استعدت شيئا من قواي ، حاولت النهوض لأتأكد من انني قادر على الوقوف والسير . تمكنت من الوقوف وسرت ببطء إلى الأريكة لأجلس عليها ، أتكيء بظهري على مسندها وامد رجلي إلى الأمام ، شعرت بشيء من الراحة وأنا أمد رجلي إلى الأمام واسترخي دون ان يفارق شبح الموت مخيلتي ، آه ( هتفت لنفسي ) ( سميرة ( الزوجة الأولى) هجرتها وبيرجت ( الزوجة الثانية ) في ألمانيا ـ إيريس في أمريكا ، وليليل في المكسيك ، جينيا في موسكو ، ونجوى في القاهرة ، كلير في لندن ، وحياة في القدس ، بسمة تزوجت ولم تعد تتحملها ! غادة ربما لم تعد تطيقك ، ولوسيان ، حتى لوسيان التي في دمشق ، منشغلة بعالمها العجيب ، ولا تزورك إلا نادرا ، وأولادك وبناتك الذين تظن أنهم كثيرون ليسوا من حولك ، كل هذا الكم من النساء ( الزوجات والعشيقات والصديقات ) والأولاد ، عدا الأخوة والأخوات ، وتموت وحيدا ، وحيدا ، يا محمود أبو الجدايل ! وحيدا بائسا متعبا مرهقا ،مدمرا ، لا أحد يقدم لك حتى كأس ماء . آه يا امي لو انك إلى جانبي لتواسيني بكلمة منك ، لتغدقي علي حنانك ، لتضمي رأسي إلى صدرك المترع بالأمومة والحنان ، وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي ، أنا حزين ووحيد ومتعب يا أمي .
رن جرس الهاتف ثانية . مددت يدي هذه المرة ، إذ كان الهاتف قريبا مني .
كانت لوسيان . لوسيان التي مات أحد قطيها ( محمود ) وتطلب إلي المساعدة في دفنه ! جرى بيننا على الهاتف ما جرى ، وانتهت المكالمة بنعتي بالمجرم الشرير القاسي ـ وإلغاء دعوة العشاء التي كان مقررا أن تحضر إليها عندي .
لوسيان سيدة فرنسية ، وهي أرق امرأة عرفتها في حياتي ، وأكرم امرأة بعد ( عائشة العلان ) وهذه الأخيرة كانت أرملة فلسطينية معدمة ، جاءت أبي تستدين منه ذبيحة حين طرق بيتها عابرو سبيل بحثا عن طعام !!!
ولوسيان امرأة ناعمة كحرير الشام ، وشفافة كماء زمزم ، يمكن أن تخدشها نسمة هواء في غير أوانها .. ولا أعرف أية حماقة دفعتني لأن أتعامل معها بهذه القسوة ، وأطلب إليها أن تلقي القط في القمامة !
تعرفت إليها بعد حضور عرض مسرحية ( كاليجولا ) في دمشق ، وأصبحنا صديقين حميمين بعد قرابة اسبوعين ، حدثتني عن مسيرة آلامها ، وحدثتها عن مسيرة آلامي ، لولا احتلال بلدي لكانت آلامها لا تقل فظاعة عن آلامي ، فقد عاشت حياة قاسية ، لم يرد مثلها حتى في الأساطير ، ربما في أسطورة لوط فقط ! ومع ذلك فهي تحاول نسيان كل المآسي التي مرت في حياتها ( كما أحاول نسيان مقتل أخي بيد ابي ) فتبدو وكأنها لا تعاني منها ، وربما لاتعاني ..
ولوسيان كمعظم الأوروبيين تحب الحيوانات ، وتفضل القطط على الكلاب . عندما تعرفت إليها كان لديها قط بحجم كلب صغير اسمه فرانسيس ، ( وهذا اسم صديق فرنسي لها ) وحين تعمقت صداقتنا ، اقتنت قطا آخر وأسمته ( محمود ) على اسمي .
يتبع