حقا نحن أشرار ! أنا بالذات شرير ! ولا ينبغي أن أتذرع بالموت المحيط بي والمحدق بي لأبرر شرانيتي ، وإلا لبرننا لليهود كل ما فعلوه بنا ، وبالتالي سنبرر لأنفسنا كل ما قد نفعله بهم في المستقبل.
اللعنة ومع ذلك فانا لا أستطيع أن أدعي انني كنت أحب هذا المحمود وأنه ينبغي علي ان أشارك في جنازته ودفنه !(طيب يا أخي لا تحبه بل اكرهه كما كنت تكرهه
ولا تشارك في دفنه ، لكن لا تطلب إلى صاحبته أن تلقيه في الزبالة . احترم مشاعرها إزاء قطها يا أخي !)
صحيح كان يجب ألا أفعل هذا ، وليس من حقي أن أشير به عليها ، إذن يجب أن أعتذر إليها وأبدي أسفي لموت هذا القط التعس .
أحسست أنه بإمكاني أن أتصل بها .. مددت يدي . أدرت القرص ضاربا أرقام هاتفها . ظل الهاتف يرن دون أن يرد أحد. لا شك أنها ذهبت لدفن القط .
عاد هذا الإختناق يضغط على صدري ثانية ، واليوم ما يزال طويلا طويلا ، وإذا لم تأت لوسيان في المساء سأكون حزينا أكثر من أي يوم آخر في حياتي ، وإذا لم أعتذر إليها سيزداد حزني .
لم اكن قادرا على فعل شيء ، وكلما حاولت الهروب من لوسيان وقط لوسيان وشرانيتي وموتي رحت أغرق أكثر. أغلقت أذني بسدادتي أذن لأهرب من الضجيج والأبواق الصاخبة في الخارج ، واسترخيت في الأريكة جاهدا قدر الإمكان لأن اريح نفسي ولا أفكر في شيء ، لكن عبثا ...
ذات يوم قبل احتلال عام 67 ، كان لدينا كلب جميل اسود ، وبعدما هربت من البيت ومن رعي الأغنام ، على أثر ضربة سددها لي أبي بهراوة فأس كسرت كتفي ، أخذت أحضر من القدس بين الفينة والفينة لزيارة أمي ، ورغم أنني كنت أغيب عن البيت بضعة أشهر بعد كل زيارة ، إلا أن الكلب كان يعرفني بمجرد مشاهدتي أطل من قمم الجبال ، فيهرع لاستقبالي ، كان ينبح في البداية وكانه لم يكن جازما بأن القادم أنا ، لكن ما أن أقترب حتى يتأكد تماما من هويتي ، فيهرع إلي عدوا ،
أجلس لأستقبله بأحضاني وكأنني أستقبل طفلا عزيزا ، أضمه أعانقه أداعبه ، أملس على رأسه ، أطعمه مما أحضرته له. أسأله عن أحواله وعما إذا كان أبي ما يزال يضربه لأي سبب. فقد كان أبي يضرب كل شيء : نحن وأمي يوميا لأتفه سبب. البغل إذا أحرن أو سطا على أكياس الشعير ، الكلب إذا غفل عن القطيع أو نام في غير المكان الذي حدده له ، الدجاج إذا دخل حقول الحنطة أو الشعير أو التبغ ، القط إذا اختلس قطعة جبن أو لم يفلح في اصطايد الفئران التي كانت تعج في عزبة أبي . الأغنام إذا لم تدر الحليب المطلوب ، الكبش إذا لم يكن فحلا كما يريده ، والزرع إذا لم يحمل جيدا ، واخيرا الأرض إذا لم تخصب !!
وكنت أشعر بالكلب يشكو لي همومه ويلومني لأنني هربت وتركتهم يقاسون الحياة في كنف أبي ن وحين كنت أنهض لنكمل الطريق إلى العزبة ، كان يملا ألوادي فرحا ومرحا وصخبا ، يعدو هنا وهناك ويعود إلي ، يسبقني إلى البيت ليخبر أمي ويعود .
وذات مرة قدمت لزيارة أمي ، لم يفعل كما في كل مرة ، بل لم اشاهده على الإطلاق ، قلت لعله نائم . رحت أنادي سمور سمور دون جدوى . وعندما أصبحت على مسافة أمتار من العزبة ولم أره ، أدركت ان أمرا ما قد جرى له . وحين دخلت من باب الجدار الخارجي المحيط بالعزبة ، شاهدته مطروحا على مقربة من مربط البغل . هرعت نحوه ، كان يحتضر وفي الرمق الأخير . جلست إلى جانبه ورحت أملس بيدي على رأسه برفق إلى أن لفظ أنفاسه بين يدي .. فرحت أبكي . عرفت ان أبي ضربه في اليوم السابق .
لم يخطر ببالي أن أدفنه يا لوسي مع أنني كنت أحبه وأحب الحيوانات كلها وربما أكثر منك ، ولا أعرف ما الذي غيرني ، كلنا نتغير يا لوسي ، أنت أيضا قد تتغيرين ! ذات مرة أرغمنا أبي أنا وأخي أن نجهز على كلب بعد أن اطلق عليه النار . كم كان بشعا أن نجهز على كلب اخترقت عنقه رصاصة ولم يمت . لقد اتهم ذاك الكلب بأنه ابن ذئب ، فقد ادعى أحد الرعاة أنه سطا على قطيعه ليلا واختطف شاة ، غير أن أبي لم يصدق ، ونحن ايضا لم نصدق ولا سيما أنه ليس في الإمكان تمييز الذئب من الكلب خلال الليل ، وذات يوم شاهدنا الكلب يهاجم قطيعنا في عز الظهيرة ، غير أنه لم يكن يعض الأغنام ، كان ينقض عليها ويحاول طرحها أو سوقها أمامه كما يفعل الذئب ، وهي تهرب منه دون أن يؤذيها . لم يكن الأمر في رأيي أكثر من مداعبة لم نعتدها من الكلاب وخاصة مع الأغنام التي لا تحتمل مداعبات كهذه.
شك أبي في أمره وصمم على قتله . أطلق النار عليه مساء اليوم ذاته . أصابه في عنقه . كبا الكلب على وجهه وأطلق عواء مفجعا جعل كل كلاب المنطقة تنبح عواء له . وحين حاول أبي الإقتراب لإسكات نواحه والإجهاز عليه ، فز ولاذ بالفرار وهو يطلق نواحه وعواصه المفجع . وحينئذ طلب أبي إلينا أن نلحق به ونجهز عليه . لم نكن نقدر على مخالفة أبي ، رغم أن الدنيا ظلام وليس بإمكان المرء مشاهدة اصبعه ، وقد أطلق ابي النار على الكلب في مكان مضاء.
أخذ اخي مصباح البيت وعدونا خلف الكلب متتبعين نواحه فيما أبي يعدو خلفنا ، ابتعد قرابة نصف كيلو متر وانقطع صوته. تبعنا على ضوء المصباح آثار دمه .
وجدناه مختبئا في كهف ، صرخ ابي من خلفنا ( بالحجار عليه بالحجار )ورحنا نلتقط الحجارة ونرجم الكلب من باب الكهف دون أن نصيبه بحجارتنا ، فقد راح يثب مذعورا من حائط إلى حائط مما دفع أبي إلى توجيه سيل من الشتائم البذيئة لنا < يا اولاد الشرموطة ، اضربوا يكسر ايديكم ، يا خسارة الخبز فيكم > وحين انطلق الكلب بشكل وحشي في اتجاهنا واندفع من بيننا كلمح البرق إلى خارج الكهف. جن ابي ولم يترك شتيمة في جعبته إلا وكالها لنا .
راح الكلب يعدو عبر واد سحيق ونحن نتبع أثره إلى أن نزف دمه وسقط أرضا . لحقنا به . كان يحتضر . ومع ذلك أصر أبي أن نجهز عليه بالحجارة . لم اذعن له .
انهالا عليه هو واخي إلى أن عملا فوقه رجما !!
آه يا لوسي حزنت على ذاك الكلب ، فهو أقوى كلب شاهدته في حياتي كان بحجم جحش ، ويصرع عشرة كلاب إذا ما تشاجر معها ، ولم تنجح الذئاب في اختطاف شاة من قطيعنا خلال وجوده ، ومداعبته للقطيع لم تكن كافية لإثبات التهمة التي أطلقها الراعي ، ثم ألم تكن هناك طريقة لإعدامه غير هذه الطريقة التي أعدم بها؟
لوسي !ستأتين في المساء أليس كذلك ؟ ستاتين حتى لو اقتنعت انني شرير ومجرم وسأقص عليك عشرات القصص عن الحيوانات ! يا إلهي كم لدي منها !
سأحدثك عن الأغنام وعلاقتي بالأغنام وكم كنت أحبها . أصحو من نومي عليها
وأسرح طوال اليوم معها ، ولا أغفو إلا إذا نامت الحملان بين أحضاني وأحاطت الأغنام بفراشي .وسأحدثك عن كلب حيدر حيدر وكيف طبقته وساحدثك عن قطة البناء التي عشقتني وسأحدثك عن قطيع خالد الذي مات بالسم وقطيع حسن الذي فتكت به الذئاب وقطنا الذي عبر النهر وعاد إلى الضفة الغربية ، أما اهم القصص
التي سأرويها لك فهي قصة الكبش مرداس الذي ربيته على يدي ليكون فحل الفحول ويسفد ما لايقل عن مائة نعجة في اليوم !
يتبع .