مرت عدة أيام وكباش الرعاة تتنشق عبق الخصوبة في قطيعنا دون أن تجرؤعلى الإقتراب منه . إلى ان جاء يوم مهول خاض فيه مرداس صراعا مريرا ، فقد ظهر كبش جديد لا يهاب المنايا ، واقتحم ساحة القطيع دون أت تهتز في جسدة خصلة صوف ! كبش تمرس العراك وخبر الطحان وذاق مر الكر والفر ، ترضخ له القطعان وتتحاشاه الكباش في الميدان .
كان الوقت صباحا ولم ترتفع حرارة الشمس بعد ، وقد انتشر الرعاة بقطعانهم على السفوح والجبال عازفين على آلاتهم الشعبية أو مرددين الأهازيج ، وفيما كنت أجوب السفوح بعيني ، ناظرا نحو مآذن القدس تارة ونحو هضاب جبل المنطار تارة أخرى ، شاهدت كبشا يرمح من بعيد ، بالكاد حتى لمحته ، فقد كان يعدو بسرعة هائلة ، أيقنت أن وجهته ليست إلا قطيعي . أطرقت للحظات ، وما لبثت أن عرفته من سرعته وحجمه . فليس هناك من هو بهذا الحجم ويعدو بهذه السرعة إلا هو . بدا كفارس يعدو على جواده لمواجهة خصمه . لقد هرب من قطيعة دون أن يتنبه له الراعي أو لم يتمكن من صده . ( ماذا جاء به ؟ الخصب ؟ أم الحنين إلى القطيع والديار؟ ) وضعت يدي على صدري تخوفا وتحسبا لما سيحدث . القيت نظرة نحو مرداس ، كان يشب على النعاج واحدة تلو الأخرى ، صرخت به وأنا أهرع نحوه ( مرداس توقف عن النكاح وتهيأ للنطاح ، فقد غزاك فارس مهول له في العراك باع طويل ، قرناه يهدمان الجدران ، وخلفه ثمانية أعوام من خوض المعارك ، من صلبه أتيت ، وبمعيته تدربت وشببت ، إنه ابوك دهمان فارس الفرسان ، فحل البوادي والبطاح وسيد القطعان والمراح )
كان دهمان مقبلا من سفح هضبة ، وغدا وقع قوائمه على الأرض مسموعا . ألقى مرداس نظرات خاطفة وهو يميل بأذنيه إلى الأمام ليحدد مصدر الوقع . رأى اباه يهرع من بعيد . يبدو انه لم يعرفه . توسلت إلى الله ان يمنع نشوب معركة بينهما ، ليس لأنني أحبهما وحسب ، بل لأنهما اب وابنه ، ولي ذكريات مع دهمان
لا يمكن أن انساها ، فقد عشنا طفولتنا معا ، وكنت أحبه كثيرا رغم انه كسر أسناني ذات يوم ، غير أن الحق كان علي يا لوسي ، فقد تقنعت بكيس خيش وجئته من خلفه حبوا مقلدا الذئب حاملا بيدي قضيب حديد فيما كان هو يرعى الربيع ، مددت القضيب من بين رجليه ووخزته في خصيتيه ! آه يا لوسي ، لا أراك الله ما أراني ، فقد استدار دهمان وسدد إلى وجهي نطحة مرعبة ، أطارت اربعا من أسناني وخلخلة البقية . ولولا هروع الراعي على صراخي لقتلني . نزفت الكثير من الدم ، وظل وجهي متورما قرابة عشرة أيام . كنا صغيرين ، لكنه كان اقوى مني بكثير . أحجمت عن اللعب معه بعد ذلك اليوم ، إلى ان شب وبلغ قبلي . وراح ينط على الأغنام امام عيني ، بينما أنا لم اعرف طريقي إلى المرج بعد !!!
تحرك مرداس بلا مبالاة لمواجهته على مسافة من القطيع . تبعته . أمسكت قرنيه . قلت له ( ولك يا جحش اسمعني ! إنه أبوك وربما جاء مشتاقا إليك ، ولا شك انك تحتاج إلى مساعدته في هذا الزمن الغادر ، فلا تضمه إلى أعدائك ، لو كان معك في معركة الأمس القريب ، لما كلفك النصر كل هذا الجهد . ولا تظن ان مواجهته ستكون سهلة ، قد يقضي عليك ، والله يعلم كم ميلا قطع كي يشفي غليله ، رجائي
ألا تعترض طريقه ، وأنا واثق أنه لن يتعرض لك بسوء . ! )
الكلب ! حدجني بنظرات لم افهم معناها ، غير أنني أحسست بأنانيته وغيرته القاتلة . صرخت به ( ولك النعاج كثيرة وتكفي لك وله ) لا أعرف فيما إذا فهم !
كان دهمان قد اقترب إلى مسافة قد لا تزيد عن المائة متر . أخذ مرداس يتفلت مني ، وحين ادرك انني لا أريد إفلاته تلافيا للمعركة ، نتر نفسه من بين يدي واندفع كالسيل . كان قد طرحني ارضا وكاد أن يدوس على بطني . صرخت ( أه يا قابيل يا كلب ، أتمنى أن تهزم شر هزيمة ايها العاق . ) ونهضت اعدو خلفه وأرقب ما سيجري .
أقبل كل منهما في اتجاه الآخر وكانه صخرة قذفها بركان ، وحين ضاقت بينهما المسافة جمحا وقد ضما قوائمهما إلى جسميهما ثم اندفعا كرمحين ، وقبل أن تلتقي قرونهما في الفضاء ، عرف واحدهما الآخر ، فقد حاول كل بدوره تشتيت النطحة وإضاعتها ، غير أن محاولة الأب كانت ناجحة أكثر من محاولة الإبن ، الذي لم يتمرس الكر والفر كأبيه . فقد مال بكل جسمه إلى اليسار ، ومن المفترض أن يميل هذا العاق بجسمه إلى اليمين ، وهو ما أقدم عليه ، غير أن زاوية انحرافه كانت ضيقة جدا ، مما جعله يصطدم بإلية أبيه . ولو لم تكن زاوية انحراف الأب كبيرة بعض الشيء ، لجاءت النطحة على بطنه أو حقوه ، مما قد يعرضه لإصابة بالغة . وتبين لي بعد قليل ، أن مرداس لم يكن جادا في تشتيت نطحته ، مما جعل فرحتي تذهب هباء .
وقع دهمان على جنبه ( نتيجة لقوة النطحة والإجهاد الذي ألم به من جراء المسافة التي قطعها عدوا ) فيما حط مرداس على الأرض منتصبا .
صرخت ( آه يا لئيم ) وحين شاهد اباه مطروحا دنا منه ، غير أن الآخر نهض على الفور . قاربا رأسيهما وأخذا يتشممان واحدهما الآخر ، وحينئذ فقط أدركت ما جرى ، فرحت أشكر الله .
دنوت منهما . هتفت لمرداس ( ولك يا جحش ، ألم أقل لك أنه أبوك ، ألم تفهم ؟ أم أنك لم تسمع ؟ ) وانصرفت عنه إلى دهمان الذي عرفني وراح يتمسح بي . عانقته
ورحبت به بين أهله وفي دياره . كان متعبا ويلهث بشدة واستمرار وعيناه ترقبان القطيع بنهم ، وقد تاججت في دخيلته فحولة طاغية ، انتحيت من امامه فاسحا له الطريق ، ممسكا بقرني مرداس . هجم على القطيع كذئب وراح يزأر كالأسد . شب على أول نعجة واجهها في طريقه . وحين أدركت الأغنام وجوده عرفته وهرعت نحوه . أخذت تتشمم رائحته وتدور من حوله .
كان مرداس يرقب ما يجري بعينين تقدحان غيرة . هتفت له ( ولك إنه أبوك الذي أنجبك من صلبه ، ولولاه لم تكن قد جئت إلى الوجود ) العاق تاججت الغيرة في رأسه ، خاصة وأن النعاج هرعت نحو دهمان وأحاطت به حين فاحت رائحة خصوبته لتعم المكان. ونظرا لأنه يمارس السفاد لأول مرة ذالك العام ، فإنه كان ينزو على النعاج دون توقف ، ويقذف بغزارة فائقة ، على النقيض من مرداس
الذي بدا موسمه منذ قرابة اسبوعين ، وهدر الكثير من طاقته .
تاججت الغيرة في دخيلة مرداس إلى حد جنوني وهو يرى إناثه تستلب منه . لكزني لكزة خفيفة بقرنيه ليفلت نفسه ويندفع نحو دهمان . صرخت به ( لئيم ! سيحطم أنفك إذا تحرشت به ونغصت عليه يومه )
وللأمانه أنه ابطأ من عدوه ليتيح لأبيه النزول عن النعجة التي ينزو عليها . وما ان نزل حتى باغته من الخلف بنطحة خفيفة في إليته ، تنم عن تحرش متعمد أكثر مما تبيت نية الغدر .
( يا عيني عالفرسان يا لوسي ) فقد التفت دهمان بطرف رأسه دون ان يدير جسمه ، وكأنه يقول لمرداس ( عيب عليك ) غير ان اللئيم راح يزيد من تحرشه
واضعا الشر نصب عينيه .
يتبع ( الصراع الدامي بين الكبشين )