منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - مختارات من قصصي
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-11-2007, 02:54 AM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

ابتعد إلى الوراء قرابة مترين وهجم مسددا نطحة إلى حقو أبيه . لم يتحرك دهمان من وقفته وثبت قوائمة ليشتت تأثير النطحة . تراجع اللئيم قرابة ثلاثة امتار هذه المرة ليسدد نطحة أقوى ، وحينئذ استدار دهمان وزجره بعينيه . أحسست به يقول له ( كفى ، اخجل من نفسك وابحث لك عن نعجة تعاشرها واتركني قبل أن تثير غضبي ) صرخت له ( دهمان خذ حذرك من هذا الإبن العاق ‘ إنه قابيل ، لقد قتل اخاه وهزم اثني عشر كبشا منذ أيام ، خذ حذرك منه ومرغ لي أنفه في التراب ) !!
واستعد دهمان للدفاع وكان بودي أن يبادر للهجوم . سمر أظلافه في الأرض وهيأ قرنيه لصد النطحة المرداسية . تلقاها وشتتها دون أن يتزحزح قيد انملة من مكانه . ( يا عيني عليك يا دهمان ) وراح هذا العاق يبتعد أكثر فأكثر ويشن الكرة تلو الكرة ، ودهمان يصد الهجمات دون أن يتحرك ، ودون أن تؤثر فيه شيئا . انفضت الأغنام من حولهما مخلية لهما الساحة . صرخت بهذا العاق ( كفى يا كلب لقد ارهقت نفسك يا جحش ) ! وأدركت انني أنصحه دون ادري ، بتغيير طريقته في الهجوم . وغيرها حقا . فقد أرهقه ابوه حين تركه يكر ويفر وهو ثابت في مكانه . يتصدى للهجمات بقرنين هائلين وخبرة فائقة ليبطل تأثيرها .
تخلى مرداس عن الكر من بعيد ، بل وتخلى عن مواجهة قرني أبيه ، وأخذ يسدد النطحات الجانبية ، غير أن دهمان وبخبرته الطويلة كان يدور معه قدر الإمكان كي لا يتيح له أن يظفر به ، واضعا نفسه في مركز دائرة ، تاركا مرداس يدور من حوله ، وكلما انقض عليه وجد قرنيه في مواجهته . وبدا واضحا حتى حينه ، أن دهمان يكتفي بالدفاع ويتلافى الهجوم . صرخت به ( ألم يستفزك بعد هذا العاق يا دهمان ، ألن تفرغ أنفه في التراب ؟! ) ولم يستفز دهمان إلا نجاح مرداس في توجيه نطحة جانبية له ، كادت أن تطيح به أرضا ، غير أنه لم يعط المعركة الجدية الكافية ، وكأنه ما زال يتعامل مع مرداس كإبن وفتى لم يتمرس العراك في الوقت نفسه . فقد تخلى عن التشبث بالأرض وتثبيت القوائم إلى الليونة والرشاقة ، ومن الإكتفاء بالصد إلى المبادرة بالرد ،فارضا على مرداس النطاح المباشر ، لكنه تجنب الدخول في مرحلة الردع التي لن يحسم الصراع غيرها كما بدالي من هذا الإبن العاق .
راح دهمان يصد النطحات بقوة ، وأجاز لنفسه ان يتقهقر بضعة أقدام إلى الوراء ‘ في حين كان مرداس يتقهقر بضعة أمتار ، وهذا يعني أن قوة النطحة المرداسية
الناجمة عن بعد المسافة ، أقوى من نطحته ، غير أن ثقته بنفسه وبقوته ، لم تجز له أن يتراجع أكثر من ذلك .
قلت لنفسي ( سيبدأ الجد ، هيا يا دهمان مرغ أنفه ) مرت النطحة الأولى فالثانية فالثالثة ، دون ان يبدو على أي منهما تفوق يذكر . أخذ دهمان يبتعد أكثر ، غير أن مرداس كان يبتعد اكثر بدوره . هتفت لدهمان ( هيا يا دهمان ، واحدة دهمانية وينقضي الأمر ، لكن إياك ان تقتله ، سأزعل منك مدى حياتي ) !
أللعنة ! لقد عاد هذا العاق إلى الأرض ثابتا . أعادا الكرة خمس نطحات متتالية ، لم تحسم شيئا . ولم يبد على أي منهما أي تراجع . وأحسست بدهمان يدرك أن ابنه ليس كما كان يتوقع ، بل إنه أمام خصم عنيد وقوي ، وإن كانت تنقصه الخبرة الكافية ، فصمم على أن يناطح بجدية أكثر . تقهقر قرابة عشرة امتار ، فيما تقهقر مرداس قرابة عشرين مترا . انطلقا . وضعت يدي على قلبي . وثبا في الفضاء . التقيا . عادا إلى الأرض ثابتين . أللعنة ! تراجعا . أكثر من عشرين مترا تراجع دهمان هذه المرة . ( رباه لقد دخل دهمان مرحلة الردع . لا بد من حسم المعركة مع هذا الإبن العاق ! هيا يا دهمان ! ) ولم أستطع إلا أن احذر قابيل الكلب ، فصرخت به : ( واحذر أنت يا لئيم فقد يشق رأسك نصفين هذا اليوم . )
انطلقا ومن ثم طارا ليلتقيا . (طاخ ) ووضعت يدي على وجهي . وحين أدركت أنهما عادا إلى الأرض ثابتين ، رفعت يدي ورحت أرقب تراجعهما . جن دهمان حقيقة وقد ادرك أنه امام كبش شرس لم يصارع مثيلا له في حياته . تقهقر قرابة خمسين مترا ، فيما تراجع مرداس قرابة ثمانين . صرخت ( يا ألله كن معهما ! اللعنة عليهما ! سيقتلان بعضهما !) كرا (واحدهما في اتجاه الأخر ) الغبار يتطاير من خلفهما ، والحصى يتناثر من تحت أظلافهما ، خلتهما كصخرتين تتدحرجان من قمة جبل . قذفا نفسيهما في الفضاء . صرخت ( ألطف يا لطيف ) ( ط.... ا ... خ ) وعادا إلى الأرض ثابتين كجبلين . رفعت عصاي وهرعت نحوهما ( دهمان، مرداس، كفى ) لم يذعنا لي . تراجعا وتراجعا .. لما يقارب المئتي متر تراجعا . ( اللعنة عليكما ! يا رب السماوات الطف بهما ، وكن معهما ، ولا تدع أحدهما يقتل الآخر . وإذا كان لا بد من ذلك ، فليقتل دهمان ، فقد شاخ وكبر ، وعاش حياته ، ثم إنني لم أشق في تربيته ، وهذا العاق ربيته على يدي ، وإذا ما قتل ، سأقتل نفسي قبل أن يقتلني أبي ) !
انطلقا كرمحين ، بل كسهمين ، لم أكن قادرا على مشاهدتهما بوضوح لسرعة انطلاقهما ، توسلت لكل الأنبياؤء والآلهة أن يحرسوهما . شاهدتهما يقذفان جسديهما في الفضاء ليصطدما كجبلين ويرتدا إلى الوراء ويسقطا .. يا ألله لقد وقع الإثنان أرضا . هرعت نحوهما . وما أن اقتربت منهما حتى نهضا وراحا يتراجعان ، هشت عليهما بعصاي وأنا اصرخ ( كفاكما جنونا ، اللعنة عليكما وعلى اليوم الذي ولدتما فيه ! ) لم يذعنا لي ، ولم اتنبه لنفسي إلا وأنا اقف في نقطة التقائهما
. رباه قد اقطع إلى نصفين إذا ما بقيت واقفا هنا . رحت اصرخ وانادي الرعاة في السفوح والجبال ، غير انهم كانوا بعيدين يا لوسي . أخليت الساحة لهما ، وأسلمت امري إلى الله ربي .
لا أعرف كم ابتعدا هذه المرة ، ابتعدا كثيرا كثيرا ، بحيث لم يتح لهما المكان الإبتعاد أكثر ، ليظل واحدهما في مواجهة الآخر . وحين انطلقا كانت أعصابي
قد انهارت تماما ، وتملكني الخوف ، وجف اللعاب في فمي فانطرحت أرضا .
شاهدتهما يصطدمان في الفضاء ويرتدان إلى الوراء من شدة الصدمة ، ليقعا على ركبهما وينطرحا . وحين أدركت أنهما لن ينهضا كما في المرة السابقة ، تحاملت على نفسي وهرعت نحوهما . لقد قذفتهما الصدمة بعيدا ، بحيث فصل بينهما قرابة خمسة أمتار . هرعت إلى مرداس أولا . كانت الدماء تغطي وجهه وقائمتيه الأماميتين ، والعرق يتصبب من جسده ، واللهاث يندفع بتواصل من فمه ومنخريه ، فيما جسده ينتفض بين لحظة وأخرى . رحت اصرخ وأبكي وأشتمه ايضا وأنا أجفف دماءه (ولك يا حيوان يا كلب ، يا لئيم يا حقير ، قلت لك سيقتلك ، رغم أنه عجوز !)
كنت أجفف دماءه وأنظر إلى أبيه كي لا يغار مني وينقض علي وعليه معا . رشقت قليلا من الماء على رأسه وهرعت لأطمئن على أبيه . كان مطروحا وقوائمه ممدة على الأرض ، وحين شاهدني أقترب منه ، انتفض ونهض ، غير أنه ظل واقفا في مكانه ، كانت الدماء تغطي وجهه هو الآخر ، رحت أجففها له دون أن أدري ماذا أقول له . لم اكن غاضبا منه ، ولم أعتبر ولو للحظة هروعه إلى قطيعه الأصلي
غزوا ، بل شوقا وحنينا . انتفض وتحفز وأنا أجفف دماءه . وحين نظرت خلفي شاهدت< قابيل > ينهض ويحدجنا بنظرات ما زال الشر يقدح منها . سحبت غنجري من غمده وأشهرته وعصاي في وجهه ( أقسم انني سأخوض المعركة مع أبيك ضدك هذه المرة ، إذا ما تماديت في عدوانيتك أيها الوغد ، ولتذهب إلى الجحيم ) وكي أقنعه بصدق نواياي ، أخذت حجرا وقذفته نحوه . تقصدت إصابته ، غير أنه زاغ عنه ! وحين ادرك مدى صدقي ، جانبنا وانصرف على مهل نحو القطيع .
أحسست بدهمان يتحفز . طوقت عنقه بيدي اليسرى ، ورحت أرش الماء على وجهه بيدي اليمنى ، قلت له ( يكفي ، لقد ارتكبتما من الحماقة ما فيه الكفاية ، يجب أن تترك قابيل اللئيم هذا ، فهو قوي وملعون رغم صغره ) بدا لي أنه فهم علي فتركته .
استدار وتوقف للحظات ينظر نحو مرداس دون أن يحرك بصره عنه ، ومن ثم راح ينظر نحو القطيع بتمعن ، ويتأمله نعجة نعجة ، وتأمل المعز للحظات أيضا .
بدا حزينا وكئيبا ، فهو مضطر وللمرة الثانية لأن يغادر القطيع الذي عاش معه سنين طويلة ، وكان يتمنى أن يكمل حياته معه ، لو لم يبعه أبي في المرة الأولى ، ويتنكر له ابنه ويتصدى له في المرة الثانية .
إذن لا بد من العودة إلى القطيع الآخر . القطيع الغريب الذي لم يألف الحياة معه
، ولم يألف راعيه ، ولم يألفه الراعي بدوره . احنى رأسه واستدار إلى الناحية التي جاء منها ، وسار بخطوات بطيئة متعبة . رافقته لبضعة أمتار واضعا يدي على ظهره . أوقفته لأعانقه . عانقته . همست له ( لا تحزن يا دهمان وتحمل . تحمل أيها الفارس الشيخ ، إنها الحياة هكذا ، قاسية لعينة ، ملعون ابوها ، ملعون أبوها يا دهمان ، حتى ابنك الذي أنجبته من صلبك ، يقف ضدك فيها ) ولحظتئذ سمعت صاحبه يناديني من قمة جبل مواجه يسألني عنه ، أجبته بأعلى صوتي ( ها هو إنه عائد إليك ) وأطلقت عنق دهمان ليتابع سيره . ظللت أرقبه إلى إلى أن مال خلف هضبة .
****************
يتبع قصة النعجة ( ندى ) شقيقة مرداس التوأم !







 
رد مع اقتباس