عدت إلى القطيع . نظرت إلى هذا الكلب مرداس ، بل قابيل. قلت له : ( لا تتكلم معي ، ولا تنظر إلي ، لن اطعمك شيئا بعد اليوم ، لتذهب إلى الجحيم ! هكذا تفعل بأبيك ايها اللعين ؟!) والحق إنني لم أخاصمه إلا لبضعة أيام !
ظل مرداس يعاني من جراحه طوال اسبوع ، وقد نجحت في إخفاء ما جرى عن أبي. وحين شفي عادت له قوته ، ودب الإخصاب في جميع قطعان البلدة . راح الرعاة يقتربون باغنامهم من قطيعي كي يشب عليها مرداس ، ولا سيما ذاك الراعي الذي قتل كبشه . قال لي ( كبشك يا ابن ابو الجدايل قتل الكبش وعليه ان <يظرب > القطيع كله ( قلت له ( حقك على راسي وعيني وعلى مرداس )
راح مرداس يصول ويجول بين النعاج كالأسد الجسور ، فتقبل الأغنام عليه وتلتف حوله ، لتختلط القطعان وتشكل قطيعا واحدا من آلاف النعاج . كان مرداس يشب في اليوم الواحد اكثر من مائة مرة ، وفي كل مرة يشب على نعجة جديدة . وحدث امر مهم يا لوسي . امر لا يصدق أبدا ، فلم يعد مرداس يغار كما في السابق ، أو لنقل كما في بداية الإخصاب ، فالنعاج غدت من حوله بالمئات ، بل بالآلاف ، وقد اطفا ظمأه ، وخمدت الغيرة في دخيلته ، غير أن الكباش لم تكن تجرؤ على الإقتراب منه ، وتظل تمارس حقها في السفاد مبتعدة عنه قدر الإمكان . وكان هو ينظر إليها بين فترة وأخرى دون مبالاة ، وكان يشاهد اباه بينها ، غير انهما كانا يتلافيان المواجهة .
اما ندى يا لوسي . شقيقة مرداس التوأم ، فقد حيرتني ، حيرتني تماما ، غدت نعجة بحجم نعجتين ، وأخصب القطيع كله دونها ، وكم حاول مرداس إرضاخها دون جدوى . صرخت بها ذات مرة ( سيقتلك إن لم تذعني له ، لن يهمه ان تكوني أخته ) لم ترد علي ! وفيما كان يطاردها ذات يوم ، هرعت وأمسكت بها ، قلت له ( هيا اغتصبها يا مرداس ، اغتصبها هذه اللعينه ، أولجه فيها للبيض ، لعلها تذق طعم الحياة وتعرف قيمتها ) اللعنة عليه ، لم أعرف انه سيفضها بهذه الوحشية ، فما أن شب عليها رافعا إليتها حتى شدها إليه بكل قوة وراح يطعنها بقضيب فولاذي دون أي تمهيد ، أطلقت رأسها حين تاكدت أنه تمكن منها . وما ان بلغ أوج الذروة حتى دفعها واطلقها بالقوة التي شدها بها إليه ، لتكبو على رأسها وقد تكور جسمها لشدة الذروة التي كانت تستشعرها ، وما لبثت ان تدحرجت بضعة أقدام لشدة الدفعة المرداسية . صرخت ( اللعنة قتلها ) اطمأنيت حين شاهدتها تنهض وانا أقترب منها . وحين تبعها مرداس ثانية ، رضخت له راضية ، بل متوسلة ، حتى أنه لم يعد قادرا على اشباعها !
آه يا لوسي . إذا ما حضرت في المساء لن احدثك عن النهاية التي آلت إليها ( ندى ) لأنني قتلتها ! نعم قتلتها . غضبت ذات ليلة عندما سرحت الأغنام ليلا بحثا عن الكلأ على نور القمر ، وهذا امر ممنوع على الأغنام إذا ما كان الراعي نائما ، فإذا ما هاجمها ذئب أو قطيع من الذئاب ، سيفتك بها قبل أن يصحو الراعي ويبحث عنها ، ليجد جثثها ! وهذا ما حدث لقطيع ( حسن ) الذي كان يغط في نوم عميق
وحين استيقظ لم يجد ولا شاة حوله . كان الفجر لم يبزغ بعد ، ولم يستطع العثور على القطيع إلا بعد طلوع النهار ، ليجد جثثه متناثرة في واد على مسافة تقارب ثلاث كيلو مترات . لن أنسى صبيحة ذلك اليوم حين هرعنا على صراخ النساء
وهن يندبن القطيع في حين كان بعض الرجال يحملون الأغنام على الحمير ويعودون بها إلى العزبة لبيعها لحما ، لاعتقادهم أن عضة الذئب حلال !! فالذئب يعض الشاة من حنجرتها يا لوسي ، وهو لا يفتك ليشبع كمعظم الحيوانات ، بل ليقضي على القطيع كله إذا ما أتيح له ذلك .
ثمة تخوف آخر على القطعان من الرعي دون يقظة الراعي ، وهو وجود حقول
وبساتين مرشوشة بمواد سامة حتى لا يقترب منها أحد ! وهذا ما حدث لقطيع خالد
وفي عز الظهيرة ، فقد كان خالد يرعى قطيع معزه على مقربة من حقل ذرة .دهمه النعاس وغفا حين كان مستلقيا إلى جانب القطيع . وحين استيقظ من غفوته وجد الأغنام ترعى في حقل الذرة . هرع وأخرجها ، لكن ما ان مرت بضع دقائق حتى بدأت الأغنام تتلوى وتثغو وتقع أرضا وهي ترفس بقوائمها في لحظات احتضار .
راح خالد يصرخ ، كنت أرعى قطيعي في سفح مواجه ، رحت أصرخ بدوري وانادي الرعاة و الناس ليمدونا بالحليب والمحاقين . كان يوما رهيبا يا لوسي .
هرع ابي ورحنا نحلب من أغنامنا ونهرع نحو قطيع خالد . وكان رعاة كثر يحلبون أغنامهم ويهرعون . الحليب يقاوم التسمم . كنا نحقن الحليب حقنا في أفواه الماعز
وهناك من كانوا يدلقونه في فم المعز دون محقن . لم أتمالك دموعي وأنا أرى إلى صراخ النسوة وندبهن وهن يلجن الوادي الذي كانت تتناثر فيه الأغنام . كانت أم خالد تشق ثوبها عن صدرها وتطلق شعرها وتشرع في نتفه أو تلطم بيديها على صدرها ورأسها وهي تردد نادبة ذاكرة المعز ، كل عنزة باسمها ( ويلي عليك يا العطراء ، يا حسرتي عليك يا الصبحاء ، ألله يكون معك يا الدرعاء ، وحنا بعدكن ما لنا حياة يا عيوني )
أفلحنا في إنقاذ بعض الأغنام ، لكن أغلبها نفق .
في يوم مقتل ندى ، كنت متعبا يا لوسي ، وقد أحجمت الأغنام عن الرعي خلال النهار نتيجة للحر ، وعندما برد الطقس ليلا ، نهضت من مهجعها وانتشرت تبحث عن الكلأ . كنت أغط في نوم عميق . استيقظت على صوت الأجراس المعلقة في رقابها عندما انقلبت على جنبي بعد فترة من انتشارها . كانت قد ابتعدت عني . نهضت مذعورا ورحت أعدو في اتجاه صوت الأجراس وأنا أنعق بأعلى صوتي
طالبا إلى الأغنام العودة حالا ! راحت الأغنام تهرع عائدة وهي متخوفة من غضبي
الذي ليس له حدود أحيانا . وما ان اقبلت علي حتى واجهتها بوابل من الحجارة والصراخ ، راحت تعدو أمامي عائدة إلى المهجع ، وأنا اضربها بكل حجر تطاله يدي ، ولم أعرف وانا في ذروة غضبي أنني التقطت حجرا كبيرا وقذفته بكل قوتي نحو مجموعة من النعاج لأصيب نعجة في جمجمتها ، شاهدتها تقع ارضا وتهمد في مكانها . هرعت إليها . لم تكن إلا ندى يا لوسي ، وقد اصاب حجري اللعين مقتلا منها . صرخت مستنجدا بالله دون جدوى . وحين رأيتها تحتضر أيقنت أنه لم يعد ثمة امل في حياتها . سللت خنجري وذبحتها كي لا تنفق فطيسا .
آه يا لوسي . كانت قد أنجبت توأمين كامها . وكانت أكبر نعجة في القطيع من حيث حجمها . وتحلب اكثر من ثلاث نعاج . رحت أندب حظي العاثر . ضربني أبي ضربا مبرحا ، وطردني من البيت . مكثت عشرة أيام أتسكع في شوارع القدس ، وأعمل في اعمال لم أعتدها يوما . عدت بعد أن أرسلت من يصالحني مع ابي . لقد قدر لي أن أربي التوأمين اللذين تركتهما ، وكانا أنثيين ، فأسميتهما ( وردة ) و( رسمية ) . وهذه بداية قصة أخرى يا لوسي .
****************
يتبع .