منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم
عرض مشاركة واحدة
قديم 23-11-2007, 11:05 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

التعاون في المتفق عليه

الفصائل التي تنتسب إلى الصحوة بعض الإسلامية، أو العمل الإسلامي، مهتمة أكبر الاهتمام بالمسائل الخلافية، فهو شغلها بالنهار، وحلمها بالليل. حولها يتركز البحث، ولها تقام الدروس، وفيها يدور الجدل، ومن أجلها تحمى معارك الكلام والخصام. وأنا لا أكره أن يبحث الناس في المسائل الخلافية، بحثا علميا مقارنا يرجح أحد الرأيين أو الآراء، إذا قام بذلك أهل الاختصاص، من العلماء القادرين المؤهلين لمثل هذا العمل العلمي الرصين، الجامعين بين الفقه والورع والاعتدال. ولكن الذي أكرهه: أن يصبح البحث في المسائل الخلافية أكبر همنا، ومبلغ علمنا، وأن نضخمها حتى تأكل أوقاتنا وجهودنا وطاقاتنا، التي يجب أن نوجهها لبناء ما تداعى أو تهدم من بنياننا الديني والثقافي والحضاري. وأن يكون هذا الاهتمام والاشتغال على حساب القضايا التي لا خلاف عليها. إنني أود لو أن رجال المسلمين جميعا حرصوا على إطلاق لحاهم، فأحيوا هذه السنة من سنن الفطرة، وخرجوا من خلاف من أوجبها من الأئمة، وتميزوا عن غيرهم من الأمم، وفوتوا الفرصة على رجال المباحث الذين يعتبرون اللحية دليل اتهام! ومع هذا لا أود أن نشغل الناس بهذا، وأن نفسق من لا يعفيها، فهذا أمر عمت به البلوى، ولهذا أسفت حقا حين ذكر لي بعض الثقات من الشباب أن أحد المولعين بالخلافيات ألقى تسع محاضرات في وجوب إعفاء اللحية، وتحريم أخذ شيء منها. كما أسفت لأن أحدهم ألف رسالة سماها (نهي الصحبة عن النزول على الركبة) وهو أمر يتعلق بهيئة الصلاة، وفيه أخذ ورد.. وأن آخر كتب رسالة أيضا بعنوان: (الواحة في جلسة الاستراحة) إلى غير ذلك من الرسائل، والمقالات، والمحاضرات التي تدور حول هذه الأمور، التي اختلف فيها الأئمة، بين مثبت وناف، وسيظل الناس يختلفون فيها إلى ما شاء الله. وسر أسفي هنا هو: التركيز على الأمور الخلافية، والشدة على المخالفين، فيما يجوز التساهل فيه، على خلاف ما كان عليه سلف الأمة. إن أي مراقب لأوضاع الأمة الإسلامية اليوم، يوقن تمام اليقين: أن مشكلتها ليست في ترجيح أحد الرأيين، أو الآراء في القضايا المختلف فيها، بناء على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين، لمن تحرى واجتهد، كما هو معلوم ومبسوط في مواضعه. ولكن مشكلة الأمة حقا في تضييع الأمور المتفق عليها من جميع مذاهبها ومدارسها. مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤول آيات الصفات وأحاديثها ـ وإن مكان مذهب السلف أسلم وأرجح ـ بل في الذي ينكر الذات والصفات جميعا، من عبيد الفكر المستورد من الغرب أو الشرق. مشكلة المسلمين ليست فيمن يقول: استوى على العرش بمعنى (استولى) أو كناية عن عظمة سلطانه تعالى، بل فيمن يجحد العرش ورب العرش معا. مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة. ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة. إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يوما لله راكعا، ولا يخفض جبهته لله ساجدا، ولا يعرف المسجد ولا يعرفه. مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان، وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صياما ولا قياما، بل يفطر عمدا جهارا ونهارا، بلا خشية ولا حياء. مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي البعض، بل في تعرية الرؤوس والنحور، والظهور، ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف.. إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين. إن المشكلة حقا هي وهن العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وشيوع الفاحشة انتشار الرشوة، وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية وارتكاب المحرمات القطعية، وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين. مشكلة المسلمين، إنما تتمثل في إلغاء العقل، وتجميد الفكر، وتخدير الإرادة، وقتل الحرية، وإماتة الحقوق، ونسيان الواجبات، وفشو الأنانية وإهمال سنن الله في الكون والمجتمع، وإعلاء الحكام على الشعوب، والقوة على الحق، والمنفعة على الواجب. مشكلة الأمة المسلمة الحقيقية نراها واضحة كالشمس في إضاعة أركان الإسلام ودعائم الإيمان، وقواعد الإحسان، وهي الثلاثة التي سأل عنها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور. وفي آخر الحديث قال لهم النبي الكريم: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. وهو لم يكن منه إلا السؤال، ولكن السؤال الحسن لون من التعليم، وهنا أسئلة ثلاثة شملت أسس الدين كله: عقيدة، وعملا، ظاهرا وباطنا. ومن هنا كان الواجب على دعاة الإسلام الواعين أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار (التعاون فيما نتفق عليه) فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع. وأعتقد أن ما نتفق عليه ليس بالشيء الهين ولا القليل، إنه يحتاج منا إلى جهود لا تتوقف، وعمل لا يكل، وإرادة لا تعرف الوهن، يحتاج منا إلى عقول ذكية، وعزائم قوية، وأنفس أبية، وطاقات بناءة. ألسنا متفقين على أن القرآن كلام الله، وأن محمدا رسول الله؟ ألسنا متفقين على الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؟ ألسنا متفقين على أنه تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص؟ ألسنا متفقين على كل ما يوصف به القرآن الرب الأعلى جل جلاله من الأسماء الحسنى؟ فلنتعاون على غرس معاني الإيمان القرآني الجملي في أنفس الناشئة والشباب بعيدا عما أدخله الجدل الفلسفي والكلامي في علم العقائد، وما أورثه الاختلاط بالملل والنحل الأخرى من خلافات فرقت الأمة شيعا. ألسنا متفقين على أن الإلحاد أعظم خطر يهدد البشرية، في أعز مقدساتها؟ فلنتعاون على تحصين الشباب من وباء الإلحاد، ومقدماته من الشكوك والشبهات التي تزعزع العقيدة، وتلوث الفكر، ولنضيء شموع الإيمان بأعظم حقائق الوجود وأجلاها، وهي: وجود الرب الأعلى، الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى، مستفيدين من بحوث العلم الحديث، الذي يكاد يجعلك ترى الله جهرة في إبداع خلقه. ألسنا متفقين على أن الإيمان بالدار الآخرة، وعدالة الجزاء فيها، وقيام سوق الجنة والنار، ركن في كل دين، وخصوصا في دين الإسلام؟ فهو ـ مع الإيمان بالله تعالى ـ ينشئ في الإنسان الوازع الذاتي الداخلي الذي يحفز على كل خير، ويردع عن كل شر، ويقوي الإرادة في مواطن الضعف ويمنح الأمل عند هجوم اليأس. فلنتعاون ـ إذن ـ على تقوية الإيمان بالآخرة، واليقين بالجزاء، ولنطارد الشبهات التي تحاول أن تشكك في هذه العقيدة العظيمة، أو الشهوات التي تشغل الناس عنها بمتاع قليل. ألسنا متفقين على أركان الإسلام العملية الخمسة، فلماذا لا نتعاون على حسن تعليمها للمسلمين، واتخاذ أحسن الأساليب لدعوتهم إليها وترغيبهم فيها، وتذكيرهم بها، مستفيدين من الوسائل السمعية والبصرية المعاصرة؟ أولسنا متفقين على دعائم الإيمان الست من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلماذا لا نتعاون على تجليتها وتثبيتها، وإيصالها إلى عقول المسلمين وقلوبهم بلغة سهلة، تلائم يسر الإسلام، ووضوح القرآن، وتقدم العصر في وسائل البيان والإيضاح، دون أن ندخل في معارك الجدل والخلاف التي أثارها القدماء، أو يثيرها المحدثون وحسبنا أن نثبت ما أثبته القرآن، وننفي ما نفاه القرآن؟! ألسنا متفقين على مكارم الأخلاق التي بعث الرسول ليتممها، والتي كانت سيرته صلى الله عليه وسلم تجسيما حيا لها، سواء كانت أخلاقا ربانية، كالتوكل على الله، والشكر لنعمائه، والصبر على بلائه، والرضا بقضائه، والرجاء في رحمته، والخشية من عذابه، والإخلاص له، والشوق إليه، والمحبة له، والأنس بذكره..الخ. أم أخلاقا إنسانية كالصدق والأمانة، وإنجاز الوعد، والوفاء بالعهد، والشجاعة والسخاء، والحياء والتواضع والنظام والتعاون..الخ. فلنتعاون ـ إذن ـ على إشاعة هذه الفضائل، وترسيخ هذه القيم، حتى يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ولنطارد الرذائل المضادة لها، المدمرة للفرد، والمحطمة لكيان الجماعة، التي سماها الإمام الغزالي (المهلكات) وهو تعبير اقتبسه من الحديث النبوي؟! ألسنا متفقين على مجموعة طيبة من الأحكام الشرعية القطعية الثابتة بمحكم القرآن والسنة، والتي أجمعت عليها الأمة فغدت تجسد وحدتها الفكرية والشعورية والسلوكية؟ فلنتعاون على رعايتها والعمل على حسن تطبيقها، وحمايتها من عبث الذين يريدون أن يحولوا القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات وأن يجعلوا الدين كله عجينة طرية في أيدي المتلاعبين يشكلونها كما تشاء لهم أهواؤهم المتسلطة، أو عقولهم القاصرة، أو كما تملي عليهم نزوات السلاطين، أو نزغات الشياطين. ألسنا متفقين على أن الصهيونية اليوم خطر داهم: خطر ديني، وخطر عسكري، وخطر اقتصادي، وخطر سياسي، وخطر اجتماعي، وخطر أخلاقي وثقافي وحضاري، وأنها تريد هدم الأقصى، وبناء هيكلهم عليه، وأنها تطمح في المدينة وخيبر، وأنها تخطط وتعمل، وتصل في النهاية إلى ما تريد،وأنها حققت أحلاما كان يعتبرها المغرق في الخيال مستحيلات.. فاغتصبت الأرض وشردت أهلها، ولا زالت مستمرة في عدوانها.. وأنها تحاربنا من منطلق ديني، تستثير به إيمان اليهود بتوراتهم وتلمودهم، ونبوءات أنبيائهم؟ فلماذا لا نتعاون على أن نحاربهم بمثل ما يحاربونا به: نحارب يهوديتهم المنسوخة بإسلامنا الخالد، ونحارب توراتهم المحرفة بقرآننا المحفوظ، ونحارب تلمودهم المحشو بالأباطيل بمواريثنا من السنة، الحافلة بالحقائق؟ لماذا لا نتعاون على أن نقف في وجه اليهودية الماكرة الزاحفة على إفريقيا وآسيا، ومنها بلاد إسلامية أو ذات أغلبية إسلامية ـ بألوان من الكيد ـ يجب أن نتنبه لها، ونجتهد في إبطال سحرها وأثرها؟ ألسنا متفقين على أن الغرب لم يتحرر حتى اليوم من روح الحروب الصليبية وأن هذه الروح لا زالت تحكم كثيرا من تصرفاته، كما يظهر ذلك بين الحين والحين، في وقائع شتى؟ برز ذلك في موقف دول الغرب من قضية المرتد سلمان رشدي، ومن قضية حجاب الطالبات المسلمات في فرنسا ومن التشكيك والتحريض على الصحوة الإسلامية، أو ما يسمونه (الأصولية الإسلامية) وهو ما صرحت به أجهزتهم الإعلامية، وامتلأت به تقاريرهم السرية؟ فلنتعاون ـ إذن ـ على التصدي لهذه الحرب الصليبية الجديدة، بأسلحتها الجديدة، وإمكاناتها الهائلة. ألسنا متفقين على أن التنصير، يغزو عالمنا الإسلامي بما يملك من وسائل متطورة، وطاقات جبارة، ويغزو كذلك الأقليات الإسلامية، المتناثرة في العالم ويستغل حالات الفقر والجهل والمرض والجوع المنتشرة ـ للأسف ـ بين أبناء أمتنا في إفريقيا وآسيا، ويرصد لذلك مئات الملايين، بل آلافها، لنزع عن الأمة لباسها، بل ليسلخها من جلدها، ويحولها عن عقيدتها. وهو ما نجح فيه في كثير من الأقطار، وإن كان يعلن غير ذلك، استدرارا لمزيد من المدد المادي والبشري، وتخديرا للفريسة، حتى لا تفكر في مقاومة جادة ؟ فلنتعاون كلنا على الوقوف في وجه هذا الغزو الديني الموجه إلى دين هذه الأمة وصميم عقيدتها، ولنبذل لنصرة حقنا، كما يبذلون لنصرة باطلهم، بل يكفي أن نبذل بعض ما يبذلونه. ألسنا متفقين على أن الشيوعية تحاربنا في العقيدة، وتحاربنا في الفكر، وتحاربنا في الأرض، ولم يكفها ما اقتطعته من فلذات غالية من دار الإسلام ضمتها إلى دار الشيوعية (بخارى، سمرقند، وطشقند، وأزبكستان وغيرها) حتى أرادت ضم قطع أخرى، آخرها أفغانستان المجاهدة الصامدة، التي دوخت قوات الروس البرية والجوية عشر سنوات، ثم أجبرتها على الانسحاب؟ فلنتعاون جميعا على أن نقاوم الغزو الماركسي الشيوعي، الغزو العقدي الفكري، والغزو السياسي العسكري، ولنحم أبناءنا وديارنا من هذا الزحف الأحمر الذي يمثل خطرا على عقائدنا وشرائعنا وأخلاقنا وتقاليدنا ووجودنا المادي، والأدبي، ولا سيما أن الشيوعية قد بدأت تتراجع عن مبادئها وأفكارها الأساسية في عقر دارها، كما نرى ذلك في أوروبا الشرقية، بل كما نرى ذلك في داخل روسيا ذاتها في عهد ميخائيل جورباتشوف. ألسنا متفقين على أن مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم يجهلون أوليات الإسلام المتفق على فرضيتها وضروريتها، ولا يكادون يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، وهذا الجهل أو الفراغ هو الذي أطمع الغزو التنصيري، والغزو الماركسي كليهما، أن ينشرا ظلاليهما بين هذه الشعوب المحسوبة على أمة الإسلام؟ فلنتعاون على تعليم هذه الشعوب ألف باء الإسلام، والأركان الأساسية للدين من العقائد والعبادات والأخلاق، والآداب، التي لا تختلف فيها المذاهب، ولا تتعدد الأقوال، وهذا يستغرق منا جهودا لا حدود لها، تنسينا ما نتجادل فيه من مسائل هيهات أن ينتهي فيها الخلاف في يوم من الأيام. ألسنا متفقين على أن المليارات الأربعة من سكان هذه الكرة لا يعرف أكثرهم عن الإسلام شيئا يذكر، وإذا عرف بعضهم عنه، عن طريق القراءة، أو السماع فإنما يعرف صورة مبتورة أو مشوهة، عن حقيقة هذا الدين، لا تحفز على النظر فيه، ولا تشوق إلى استكمال المعرفة به. فهؤلاء في الواقع لم تبلغهم الدعوة بلوغا حقيقيا. ونحن مسئولون عن إيصال صوت الدعوة الإسلامية إلى قارات الدنيا الست وأن نخاطب كل قوم بلسانهم لنبين لهم، ونقيم الحجة عليهم، ونزيح التعللات والأعذار عنهم، بدفع الشبهات، ورد المفتريات، وبيان حقائق الإسلام، وكشف أباطيل خصومه. فلماذا لا نتعاون على هذا العمل الكبير، ونجند له من الرجال والأموال ما هو جدير به، وما يعادل أهميته؟ إذا كان اليهود يعملون متعاونين لدينهم حتى أقاموا له دولة في قلب ديارنا العربية الإسلامية، والنصارى يعملون متعاونين لتنصير العالم، بدءا بالعالم الإسلامي ذاته، فلماذا لا نعمل متعاونين لنشر الإسلام وتعريف العالم به تعريفا على مستوى الإسلام، ومستوى العصر، ومستوى ما يصنعه الآخرون؟ إن النصارى نشروا الإنجيل بمئات اللغات، وآلاف اللهجات، ونحن عجزنا أن نهيئ بعض ترجمات صحيحة مؤتمنة، وموثقة، لمعاني القرآن الكريم، بأشهر لغات العالم، فكيف بغيرها؟! ألسنا متفقين على أن القوى العلمانية تبذل جهودا مستميتة ـ يتعاون في ذلك يمينها ويسارها ـ لإيقاف تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعويق الدعوة إليها، وتشويه صورتها في المجتمعات الإسلامية، التي تتعالى صيحاتها يوما بعد يوم للمطالبة بها، وضرورة الاحتكام إليها كما فرض الله تعالى. وأصبح ذلك مطلبا شعبيا عاما اجتمعت عليه الجماهير العريضة في عدد كبير من الأقطار المسلمة؟ فلماذا لا يتعاون الإسلاميون بمختلف مدارسهم وفصائلهم للوقوف صفا واحدا أمام هذا التكتل العلماني المؤيد والمعان من كل القوى المعادية للإسلام غربية وشرقية؟ وأخيرا: لماذا لا يتناسى الإسلاميون خلافاتهم الجزئية في المسائل الاجتهادية، والأمور الفرعية، لتتضام جهودهم، وتلتئم صفوفهم، وتتوحد جبهتهم، في مواجهة القوى الضخمة المعادية لهم، والمتربصة بهم، والكائدة لهم، والتي تختلف فيما بينها وتتفق عليهم؟ إن المتفق عليه ليس بهين ولا قليل، وهو يحتاج من الجبهة الإسلامية العريضة إلى جهود وجهود، تشغل كل تفكيرهم، وكل أوقاتهم، وكل إمكاناتهم، ومع هذا لا تكفي لملء الفراغ، وتحقيق الآمال، وإصابة الهدف المنشود. حرام على الجبهة الإسلامية أن تعترك فيما بينها على اللحية والثوب، والنقاب والحجاب، والسدل والقبض، والتأويل والتفويض، وتحريك الأصبع في التشهد وتدع تلك الثغرات الهائلة دون أن تسدها بكتائب المؤمنين الصادقين.



التسامح في المختلف فيه



وإذا كان التعاون في المتفق عليه واجبا، فأوجب منه هو التسامح في المختلف فيه.

وبهذا تكتمل القاعدة الذهبية بشقيها، وهي القاعدة التي صاغها العلامة المجدد السيد/ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ صاحب (مجلة المنار) و(تفسير المنار).

وهي القاعدة التي تقول: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

وكان الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، حفيا بهذه القاعدة، حريصا على الالتزام بها فكرا وعملا، حتى حسب كثير من تلامذته واتباعه أنه واضعها.

والمقصود بالتسامح هنا: أن لا نتعصب لرأي ضد رأي آخر في المسائل الخلافية ولا لمذهب ضد مذهب، ولا لإمام ضد إمام، بل نرفع شعار التسامح الذي عبر عنه صاحب المنار رحمه الله بقوله: "يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ، نذكر منها:

1. احترام الرأي الآخر:

ومن الدعائم المهمة هنا لتقريب الشقة، وتقليل حدة الخلاف: احترام الرأي المخالف، وتقدير وجهات نظر الآخرين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام.

وذلك مبني على أصل مهم، وهو: أن كل ما ليس قطعيا من الأحكام، هو أمر قابل للاجتهاد، وإذا كان يقبل الاجتهاد، فهو يقبل الاختلاف.

الذي لا يقبل الاجتهاد هو (القطعيات) التي قلنا في غير موضع إنها تجسم الوحدة الفكرية والشعورية والعملية للأمة، وهي التي لا ينبغي أن يسمح بتحويلها إلى ظنيات يجادل فيها المجادلون، ويشكك المشككون، ومن المعروف أن هذه القطعيات تمثل مساحة قليلة جدا من الأحكام العملية، وجل الأحكام تقع في منطقة (الظنيات) القابلة للاجتهاد.

ولا ريب أن هذه رحمة من الله تعالى بعباده، وتوسعة عليهم، ولو شاء سبحانه لأغلق علينا باب الاجتهاد كله بالنص على كل حكم نصا قطعيا لا يحتمل إلا وجها واحدا.

ولكنه سبحانه، رحمنا ووسع علينا، فسكت عن أشياء كثيرة لم ينص على حكمها في كتاب ولا سنة، رحمة بنا غير نسيان، فما كان ربنا نسيا. وما نص عليه جعل معظمه قابلا لتعدد الأفهام، واختلاف التفسيرات والاستنباطات، حتى يتسع للأصناف المتباينة من الناس، ما بين آخذ بظاهر النص وحرفيته، وآخذ بروحه وفحواه، وما بين مضيق متشدد وموسع مرخص.

وإذا كان من حقي أن اجتهد في فهم النصوص، أو فيما لا نص فيه، فلا بد أن أعطي غيري الحق الذي لي. وإلا فما الذي يميزني عن غيري؟

وما دام من حق غيري أن يجتهد، فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها الآراء والأفهام، وإلا لم تكن اجتهادية.

سواء رأينا أن الصواب مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يعرف هو بعينه، فإن حكم الله واحد في المسألة، وفق إليه بعضهم، وإن لم نتيقن من هو، وأخطأه غيره، وإن لم نتأكد من هو أيضا، إلا أن الإثم مرفوع عن الجميع، بل المخطئ مأجور أيضا على اجتهاده أجرا واحدا، كما صح في الحديث، فإن فاته أجر الإصابة فلم يفته أجر الاجتهاد.

وهنا أقص ما يقوله المجتهد عن نفسه في الأحكام الجزئية، والفروع العملية ما روي عن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أنه قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

وهذا الاحتمال من الجانبين ـ احتمال الخطأ في رأي المجتهد، واحتمال الصواب في رأي غيره ـ هو الذي يقرب المسافة بين الطرفين.

وهذا من إنصاف الشافعي رضي الله عنه، وسعة علمه، ورحابة أفقه.

أم أخذنا بالقول الذي يرى أن الآراء الاجتهادية ـ ما دامت صادرة عن أهل الاجتهاد ـ كلها صواب، وإن حكم الله في المسألة يمكن أن يتعدد، فيكون الصواب فيها هو ما انتهى إليه اجتهاد كل مجتهد، وهو ما نتحدث عنه في الفقرة التالية.

2. إمكان تعدد الصواب

مما يعين على التسامح في الخلافيات واحترام الرأي الآخر: الاعتقاد بإمكان تعدد الصواب.

وهنا سؤال يطرح ويحتاج إلى إجابة، وهو: هل يمكن أن يتعدد الصواب في الأمر الواحد، أم أن الصواب لا يكون إلا وجها واحدا دائما وأبدا، لا يحتمل التعدد بحال؟

والجواب: أن في الأصوليين من يرى أن الصواب يتعدد في أحكام الفروع، وأن الصواب في كل مسألة ما انتهى إليه حكم المجتهد فيها، وإن اختلفت الاجتهادات ونتائجها، اختلاف تضاد، لا مجرد اختلاف تنوع، بأن رأى أحدهم حل هذا الشيء والآخر حرمته، أو رأى أحدهم وجوبه، ورأى غيره عدمه.

وهؤلاء هم المعروفون في علم الأصول باسم (المصوبة) ولهم أدلتهم واعتباراتهم ولمخالفيهم أدلتهم وردودهم عليهم.

بل نقل عن بعض علماء السلف من طرد ذلك في المسائل الاعتقادية غير الأساسية التي اختلف فيها طوائف الأمة، لعدم وجود نصوص قطعية الثبوت والدلالة فيها مثل أفعال العباد، وإرادة المعاصي، ونحوها، فقد نقل عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال عن المختلفين في هذه الأمور: هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله!

وهذا مقبول في المسائل الدقيقة التي حار فيها البشر من قديم، والمجتهد فيها مأجور إن شاء الله، وإن أخطأ، كما قرره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

وأما من لا يرى تصويب كل المجتهدين بإطلاق، وهم جمهور علماء الأمة، وأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو ما تشهد له ظواهر النصوص من القرآن والسنة، وتؤيده الأدلة، فعندهم يمكن أن يتعدد الصواب أيضا في حالات معينة.

فهناك أشياء أراد الشارع نفسه أن تكون على أوجه مختلفة، وأقرها كلها ولم يقصر الصواب على وجه واحد منها.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك تعدد أوجه القراءة للقرآن الكريم، الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من طرق بلغت حد التواتر القطعي، وغدونا نرى أثره في القراءات السبع أو العشر المعروفة، والتي يسمعها المسلمون في كل مكان ويرون اختلافها، ولا يجدون فيه أي حرج في دينهم، ومن آثارها طبع مصاحف تختلف باختلاف هذه القراءات، مثل مصاحف المشارقة المطبوعة على أساس رواية حفص عن عاصم، ومصاحف المغاربة المطبوعة على أساس رواية ورش عن نافع.

وأصل هذا ما أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فأقرأهم على أكثر من وجه أو أكثر من حرف، حتى إن بعضهم في أول الأمر أنكر على بعض قراءته المخالفة لما تلقاه، ثم عرفوا أنهم جميعا مصيبون، وأن هذا أمر مقصود من النبي عليه الصلاة والسلام ولهذا قال لابن مسعود ومن خالفه: "كلاكما محسن" كما تقدم.

هناك قضايا يمكن أن يتعدد فيها الصواب بقيود معينة.

على أن معنى أن يكون الصواب مع هذا المجتهد في زمان، ومع مخالفه في زمان آخر.

وكذلك يكون صواب المجتهد في قضية إذا نظر إلى المكان والبيئة والمحيط فيكون صوابا بالنسبة له، وإن لم يكن صوابا بالنسبة لغيره، فدار الإسلام غير دار الكفر، ودار السنة غير دار البدعة، والبادية غير الحضر.

وكذلك يكون الصواب مع المجتهد في حال معينة، ويكون مع غيره في حال أخرى. فحال الضعف غير حال القوة، وحال الاستضعاف غير حال التمكين، وحال السعة غير حال الضرورة، وحال الحديث العهد بالإسلام، غير حال العريق في الإسلام الناشئ في أحضانه.

وهذا هو ما اعتمده المحققون في القول بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف وغيرهما من موجبات التغيير.

وهي قاعدة مشهورة، وقد وفقني الله لإقامة الأدلة عليها من القرآن العزيز والسنة المشرفة، وهدي الصحابة، وعمل الأئمة، وذلك في دراستي عن (عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية) في تعدد الصواب بسبب تغير الزمان، رأينا الصحابة يقرون أحكاما لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، اقتضاها تغير الزمان، مثل رفض عمر تقسيم سواد العراق بين الفاتحين، خلافا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر. ومثل كتابة عثمان المصاحف وجمعه الناس عليها، وإحراقه ما عداها، خشية اختلاف الكلمة.

ومثل تضمين علي الصناع إذا هلك ما تحت أيديهم من متاع، على خلاف ما كان متبعا من قبل، لما تغير الناس وخيف على أموال الناس. ولما سئل في ذلك قال رضي الله عنه: لا يصلح للناس إلا ذاك. ورأينا أصحاب الأئمة يخالفون شيوخهم لاختلاف زمانهم عن زمن من قبلهم، وهذا ما سجله تاريخ الفقه بوضوح، كما قيل في بعض الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد: إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

وهو الذي جعل إماما مثل ابن أبي زيد القيرواني صاحب (الرسالة) المشهورة في المذهب المالكي يقتني كلبا للحراسة مخالفا ما أثر عن مالك من كراهية ذلك. فلما لامه من لامه على مخالفته لإمام المذهب قال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا!!

وكذلك يتعدد الصواب باعتبار تغير المكان وتأثيره في تكوين الرأي وتحديد الحكم، وهو ما جعل الفقهاء يقررون أحكاما لدار الإسلام، وأخرى لدار الحرب أو دار العهد، حتى أجاز أبو حنيفة التعامل بالعقود الفاسدة، ومنها الربا، خارج دار الإسلام، ما دام ذلك بالتراضي، ودون غدر ولا خيانة.

وهي التي جعلت الفقهاء يقررون أن من أنكر الفرائض، أو المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، يحكم عليه بالردة، إلا أن يكون ناشئا ببادية بعيدة عن أمصار الإسلام ومواطن العلم، فيعذر لبداوته، ويعطي فرصة ليتعلم ويتفقه.

وفي تعدد الصواب، وتغير الحكم بتغير الأحوال، سواء كانت أحوال الفرد أم أحوال الجماعة، نجد أمثلة كثيرة، وأحكاما شتى.

وهو ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي أجوبة مختلفة للسؤال الواحد مراعيا أحوال السائلين، كالطبيب يختلف وصفه للدواء باختلاف أحوال المرضى. وهو أيضا ما جعله يقبل من بعض الناس ما لا يمكن أن يقبله من غيرهم.. مثل موقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد على مرأى من الناس، وهم الصحابة به، ورفق الرسول به، وأمر الصحابة أن يقدروا ظروف بداوته، وأنه لم يتأدب بعد بأدب الإسلام، فقال لهم: لا تزرموه (أي لا تقطعوا عليه البول) وصبوا عليه ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين.

ولهذا كانت فتوى النبي صلى الله عليه وسلم في الوقائع الشخصية لا يؤخذ منها ـ بالضرورة ـ حكم عام، لجواز أن تكون الخصوصية مراعاة فيها، ومن هنا قال الفقهاء والأصوليون: وقائع الأحوال أو الأعيان لا عموم لها.

كما وجدنا الصحابة ينظرون إلى هذا التغير في أحوال الناس، فيعالجونه بما يناسبه من الأحكام.

وهذا سر تغيير أحكامهم في قضية مثل عقوبة شارب الخمر، فأبو بكر يجلد أربعين، وعمر يجلد ثمانين، حين رأى الناس تمادوا في الشرب فرأى الزيادة في العقوبة ردعا وزجرا.

وقال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور. ورفض مبدأ الهدية له ولولاته، ولما قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الهدية، قال: كانت له ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدية، وهي لنا رشوة!!

ومن أوضح الأمثلة التي تذكر في هذا المقام ما حكاه الإمام ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية حين مر بقوم من التتار في دمشق، سكارى من شرب الخمر، فأنكر عليهم بعض أصحابه لاقترافهم هذا المنكر، ولكن الشيخ رضي الله نه بنور بصيرته، وسعة أفقه، وعمق فقهه القائم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، قال لهم: دعوهم في سكرهم وشربهم، فإنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء ونهب الأموال!

وهذا هو الفقه الحقيقي الذي لا يجمد بالحكم على حال واحدة، بل ينظر إلى العلل والمقاصد، ويدير عليها الأحكام.

وهذا كما يقال في القضايا الفقهية، يقال في القضايا السياسية والاجتماعية أيضا، وقضايا الإصلاح والتغيير، وما يتخذ له من وسائل وأدوات.

فقد يحسن في بلد ما المشاركة في الانتخابات، والدخول إلى المجالس النيابية محاولة للتأثير في السلطة التي أصبح بيدها التشريع والتقنين في الدول الديمقراطية، أو على الأقل، لإسماع صوت الإسلام عاليا، وإقامة الحجة وقطع الأعذار.

على حين يكون ذلك في بلد آخر عبثا لا طائل تحته، ولا جدوى منه، وربما كان مشاركة في تضليل الأمة عن الاستبداد الذي يحكمها ويتسلط عليها.

3. حتمية الاختلاف في تكييف الواقع (تحقيق المناط):

ربما يعين على التسامح فيما يختلف فيه العاملون للإسلام اليوم: أن كثيرا من ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الإسلامية، ليس خلافا على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع، الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الفقهاء (تحقيق المناط).

فالجميع متفقون على أن الحاكم الذي يدع الحكم بما أنزل الله، إنكارا ورفضا له، أو استخفافا به، وتفضيلا لحكم البشر عليه، هو كافر بلا نزاع، ولا يستحق أن يكون في زمرة المسلمين، وينطبق عليه ظاهر قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44) دون أي حاجة إلى تأويل، بخلاف من يتركه ضعفا، أو خضوعا أمام القوى الأجنبية، أو حرصا على الكرسي.. الخ.

ولكن يأتي الخلاف في أن حكام البلد الفلاني هؤلاء: هل هم من الصنف الأول أو من الصنف الآخر؟

هنا يقول البعض: إن هؤلاء رافضون جاحدون، مستخفون، فهم كفرة مرتدون مارقون.

ويقول آخرون: بل هم قوم ضعفاء مهازيل، عبيد للمناصب، ليس لديهم من قوة الدين، ولا قوة النفس، ما يجعلهم يقولون بملء أفواههم: لا.

وغيرهم يحاول أن يبرر موقفهم بأنه من إملاء الضرورة، لأن الأجنبي ما زال يتحكم في مقدراتهم، ونفوذه لم يبرح قائما، وإن جلت جيوشه، ورحلت عساكره، فهو الذي يمد بالسلاح والقوت، ويعطي القروض، ويمنح المعونات!

ومثل ذلك: الموقف من تغيير المنكر بالقوة، فلا خلاف أن من ملك القدرة والاستطاعة، ولم يخش أذى ولا ضرر أحد يعجز عن احتماله هو ومن يحمل تبعته ولم يخف من وقوع منكر أكبر من المنكر الذي يريد تغييره، فإن له ـ بل عليه ـ أن يغير المنكر بيده. وإلا انتقل من اليد إلى اللسان، ثم إلى القلب، وذلك أضعف الإيمان.

ولكن الخلاف يظهر هنا في تحقيق هذا المناط، أعني هل فلان خاصة أو هذه الفئة من الناس: أهي قادرة على إزالة المنكر بيدها بالشروط التي ذكرناها أم لا؟

هنا تختلف الأنظار، وتتفاوت الأفكار.

فمن الناس من يبالغون في تقدير قوتهم الذاتية بحيث يحسبون إنهم على تغيير المنكر قادرون، لمجرد أنهم يستطيعون أن يحرقوا حانة، أو يحطموا زجاجة خمر، أو يفضوا حفلا ماجنا بالعنف، غافلين عما قد يسببه ذلك من آثار وأضرار قد تكون أضعاف المنكر نفسه الذي أريد تغييره.

وفي مقابل هؤلاء قوم يغلون في تقليل حجمهم، وإظهار أنفسهم بمظهر الضعف، حتى أنهم لا ينكرون المنكر بمجرد القول والبيان.

وآخرون متوسطون بين هؤلاء وأولئك، ينظرون إلى الأمر من جميع جوانبه ناظرين إلى ما يصيب إخوانهم وأهليهم، ويصيب سمعة الإسلام ودعاته، موازين بين المصالح والمفاسد، مقدمين درء المفسدة على جلب المصلحة، يفوتون أدنى المصلحتين، ويقبلون أهون الشرين.

شبهات:

ويقول بعض المخلصين المتحمسين: كيف نتعاون أو نتجمع مع المبتدعين ونغض الطرف عن بدعتهم، وقد أمرنا أن نهجرهم ولا نسلم عليهم؟

ونقول: إن البدع مراتب وأنواع، فمنها ما يصل بصاحبه إلى درجة الكفر البواح، ومنها ما دون ذلك..

ومنها ما هو متفق على بدعيته، ومنها ما هو مختلف فيه، وما يدخل في نطاق الاجتهاد، فيعذر فيه المخطئ المتأول، وقد يؤجر أجرا واحدا، إن كان من أهل الاجتهاد.

ومن المبتدعين من هو تابع، ومن هو متبوع داعية لبدعته، ومنهم السهل القريب، ومنهم الحاد العنيف.

فلا ينبغي أن يعامل الجميع معاملة واحدة، وقد يكون الاقتراب من هؤلاء والتعامل معهم بالحسنى، سبيلا إلى إقناعهم بخطئهم، وتقريبهم من الصراط المستقيم.

وقد رأينا مثل الإمام البخاري يخرج في صحيحه لبعض أهل البدع، ومنهم من كان داعية لبدعته، وذلك لأنه رآهم من أهل الصدق والضبط، حتى أنه أخرج لعمران بن حطان أحد دعاة الخوارج وشعرائهم، على ما روي عنه من شعر مدح فيه ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه.

على أن من القواعد المقررة شرعا: ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين. ولهذا يجوز التعاون مع مبتدع ضد مبتدع أغلظ منه ابتداعا، أو ضد كافر معاد للملة كلها.

بل يجوز التعاون أو التحالف مع كافر ضد من هو أكفر منه، أو التعاون مع كافر حسن الرأي والمودة للمسلمين، ضد كافر ظاهر العداوة والكيد للمسلمين.

وقد حالف النبي صلى الله عليه وسلم ـ بعد صلح الحديبية ـ قبيلة خزاعة، ضد قريش الذين ناصبوه العداء، وشنوا عليه الغارات.

وفي قصة الحرب بين الفرس والروم التي انتصر فيها الفرس المجوس على الروم النصارى في أول الأمر، وما وقع من جدال وتلاح بين المسلمين والمشركين من قريش في مكة، حول نتيجة هذا الصراع وعاقبته، إلى حد أن راهن أبو بكر على أن الروم سينتصرون، دليل على أن الكفر بعضه أهون من بعض، وأن بعض الكفار أقرب إلى المسلمين من بعض.

وهذا ما أدركه كل من المسلمين والمشركين في مكة، فقد اعتبر المشركون انتصار الفرس على الروم أمرا يغيظ المسلمين، لأن الفرس يعبدون النار، ويقولون بإلهين اثنين: للخير وللشر، بخلاف الروم فهم أهل كتاب، وأصحاب دين سماوي..

ولا غرو أن نزل القرآن يبشر المسلمين أن الدائرة ستدور على الفرس وأن الدولة ستكون للروم.

يقول تعالى: (آلم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) (سورة الروم: 1-5)






 
رد مع اقتباس