لقد قرأت كتاب جهاد فاضل ( نزار قباني .. الوجه الآخر)
والحقيقة لم أستمتع به ، لأنني اكتشفت بعد قرائتي لما يقارب المائتي صفحة ، أنني أضعت وقتي في تكرار اتهامات لم تفدني كقارئ ، فهي أشبه بالفضائح التي – في نظري- لن تغير من الحقيقة في شيء ، وهي أن نزار قباني شئنا أم أبينا وبرغم كل ما قيل عنه ، شاعر أثر على جيل بأكمله ، وله الحضور الطاغي وله الجمهور العريض الذي فرضه علينا ، وأنا لا أقول ذلك من باب إعجابي به فقط ، ولكن من باب إحقاق الحق ، لذا دعونا نترك نزار قباني يرد بنفسه على كل الإتهامات التي جاءت في هذا المقال ، لأنني لم أبدأ بقراءة المواضيع التي تتناول نقاط ضعفه إلا بعد موته !!
يتهمونك ، بأنك عاملت المرأة في شعرك ، بوصفها سلعةً أخرى مكملة لديكور الليل ، والبيت والسرير .. ما رأيك ؟
الشهرياية لم تكن أبداً مهنتي ... فشعري مسرح تحركت عليه ألوف النماذج البشرية . كان فيه رجال طيبون ونساء طيبات ، وكان فيه رجال سيئون .. ونساء سيئات ..
الرجال الذين كتبت عنهم ، لم يكونوا من اختراعي ، والنساء اللواتي كتبت عنهن ، لم يكن من اختراعي .
كان أمامي عالم عربي ، يتحكم فيه الإقطاع الإقتصادي ، والجنسي ، والسياسي ، والخرافات ، والشعوذة ، والسحر ، والتنجيم ، والطب العربي .
وعندما تحدثت في شعري عن (الإقطاع الجنسي) الذي يمارسه الرجل العربي ، كما في قصائدي (حبلى) .. و (أوعية الصديد) .. و(صوت من الحريم) و (يوميات امرأة لا مبالية) كان في ذهني أن أفضح الظاهرة وأعريها ، فإذا بها تلبسني .
وإذا كنت قد استعملت صيغة المتكلم في معالجاتي لهذه الإنحرافات ، فلأنها الصيغة الأكثر درامية .
ولكن الناس في قراءاتهم اللاهثة والسطحية ، تناسوا مقتضيات العمل الشعري وأصوله .. وخرجوا بمظاهرة ضدي ..
إن قصيدة الشعر ليست سجلاً عدلياً .. ولا لائحة اتهام نوجهها ضد الشاعر . فالشاعر شاهد على عصره .. وليس مسؤولاً عن جرائم هذا العصر وانحرافاته .
يتهمونك بأنك تدافع عن المرأة أحياناً ، داعياً إلى حريتها ، وأحياناً تقف منها موقف هارون الرشيد أو أبي زيد الهلالي .. كما في قصيدة (الحب والبترول) التي تقول فيها :
مت تفهم ؟
متى يا سيدي تفهم ؟
بأني لست واحدة كغيري من عشيقاتك ؟
ولا رقماً من الأرقام يعبر في سجلاتك ؟
ولا فتحاً نسائياً يضاف إلى فتوحاتك ..
متى تفهم ؟
وكما في قصيدة (الرسم بالكلمات) التي تقول فيها :
تعبت من السفر الطويل حقائبي
وتعبت من خيلي ، ومن غزواتي
لم يبق نهد أبيض .. أو أسود
إلا زرعت بأرضه راياتي
لم تبق زاوية بجسم جميلة
إلا ومرت فوقها عرباتي
فصلت من جسد النساء عباءة
وبنيت أهراماً من الحلمات
لماذا تقرأون الشعر بالمقلوب ؟
القصيدة الأولى ، هي ذروة قصائدي في الدفاع عن المرأة . وهي مكتوبة بلسان امرأة من نساء الطبقة الوسطى ، ضد هارون الرشيد النفطي .
لقد كتبت هذه القصيدة في الخمسينات ، وكل يوم يمر عليها يعطيها حضوراً جديداً ، ويجعلها أكثر مطابقة لمقتضى الحال ، ولا سيما بعد أن رفعت منظمة (أوبيك) أسعارها ، وصار برميل النفط الواحد يشتري عشر نساء .. بعد أن كان يشتري امرأة واحدة .
أما قصيدة (الرسم بالكلمات) التي تستشهدين بها على ساديتي وشهرياريتي ، فهي قصيدة تتألف أساساً من مشهدين رئيسيين ومتكاملين لا يجوز فصلهما . مشهد الإجتياح الجنسي ، ومشهد الإنكفاء .. والسقوط .. والخيبة من الجنس .
ولكن الذين في قلوبهم مرض .. يكتفون بقراءة نصف القصيدة الأولى على طريقة (ولا تقربوا الصلاة) .. ويلغون نصفها الثاني . مع أن هذا القسم يشكل العمود الفقري للقصيدة ، ومحورها الأساسي . وقد استعملت في هذه القصيدة لعبة الأضواء ، كما يستعمل الرسام اللونين الأبيض والأسود ، ليحدث الصدمة البصرية .
النصف الثاني من القصيدة يقول :
واليوم أجلس فوق سطح سفينتي
كاللص أبحث عن طريق نجاة
وأدير مفتاح الحريم .. فلا أرى
في الظل غير جماجم الأموات
أين السبايا؟ أين ما ملكت يدي ؟
أين البخور يضوع من حجراتي
اليوم .. تنتقم النهود لنفسها
وترد لي الطعنات بالطعنات
الجنس كان مخدراً جربته
لم ينه أحزاني ولا أزماتي
والحب أصبح كله متشابهاً
كتشابه الأوراق في الغابات
فمك المطيب لا يحل قضيتي
فقضيتي في دفتري ودواتي
كل الدروب أمامنا مسدودة
وخلاصنا ، في الرسم بالكلمات .
وشكراً لكم ،