***********
كانت جثث أتباعي قد أزيلت . رأيت من ظل منهم حياً إما اقتيد إلى السجن أو أعلن توبته مدعياً أنني قد سحرته. وقف الملك في شرفة قصره وبجانبه الكهنة المتنكرون. كانوا ينظرون إليً مبتسمين . لم أستطع تفسير تلك النظرة. قال الملك سعيداً:
- بعد أعوام طوال من الحرب . استطعنا بالحيلة أن نوقع هذا الوحش. زرعنا فيهم الجواسيس. دربنا الشجعان على القتال في الظلام. بالإيمان قهرناه. وها هو أمامنا ينتظر مصيره المحتوم الذي سينطق به القاضي.
اقترب كبير الكهنة وقال:
- رغم أنه يستحق الموت ،إلا أننا لا يجب أن ننسى أن أصله إنسان وأن الوحش هذا يسيطر عليه. ولا يجب أن ننسى أن هذا الوحش خرج إلينا من بحيرة الآلهة المقدسة. وأن قتله قد يغضب الآلهة فتنزل علينا لعنتها. لذا أرى أن نقطع ذراعيه وساقيه. وأن ننزع أسنانه وخصيتيه. فنضمن أن سيبقى حياً في البحيرة المقدسة ،لكنه لن يعود ثانية، ولن يستطيع أن يخرج لنا وحشاً آخر. وبذلك نقضي على شره وتبقى لنا منفعته المستمدة من بركات الآلهة.زاحفاً على بطني مثل الأفاعي. معتمداً على ما بقي في أطرافي. هكذا قطعت الطريق من المدينة إلى البحيرة. يقذفني الناس بالحجارة ويضحكون. يقتلني صوت الاحتفالات. لا أجد ما آكله سوى دود الأرض. بعد شهور وصلت إلى البحيرة. أقبلت عليها راغباً في البكاء، وما أن لامست ماءها حتى تلاشيت بداخلها. لم أجد جسدي . شعرت بأنني كل نقطة ماء.كل صخرة . كل قوقعة أو حبة رمل . أصبحت أنا البحيرة. فقدت كل أمل في أن أعود كما كنت، وحشاً أو بشراً.أنتظر أن يأتي في يوم من الأيام من يخلصني مما أنا فيه. بعد مدة طويلة ظهر الكاهن بهيئته الجديدة. كان يبكي، خلع ملابسه ونزل إلى البحيرة. أحسست بما في عقله. كان يريد أن يقول:
- سيدي أهاب. كان الأمل عظيماً ولكن ها هو قد ضعف. وفشلنا مرة أخرى. بعد ألف عام من الانتظار عدنا كما بدأنا. بحيرة مليئة بالكنوز خالية من الوحوش.
رد عليه كياني:
- لقد خنتني.
أحسست به يقول:
- لا لم أخنك. بل أنقذتك وأنقذت حلمنا. على الأقل أنت حي. مازلت تسيطر على الكنوز. لم تمت مثل من سبقوك . سننجح فيما أردنا ولكن سيلزمنا الأموال والصبر لسنوات طوال.
- لك هذا.
بعد أن تركني الكاهن. جاء في اليوم التالي ومعه بقية الكهنة. غطسوا في الماء. أحسست بهم داخلي. جزء مني. وعندما خرجوا ومعهم قطع من الكنز ، شعرت بأن قطعة من انفصلت عني. ولكنني أحسست بأنني عدة أفراد. أرى بعينهم وأسمع بأذنهم وأفكر بعقلهم. كيف استطعت هذا لا أدري. كنت أذهب في جسدهم للناس الفقراء. أنصحهم بالذهاب إلى البحيرة والغطس فيها وأخذ قطعة كنز واحدة بركة من الآلهة. ثارت المخاوف في البداية من أهاب الأسود، حتى تشجع أحدهم ونزل وعاد إلى أهله فرحاً. وأنا في داخله جعلته يروي لكل من يراه عن الكنوز التي لا تحصى. وعن القوة التي يكتسبها جسده. وأصبح كل يوم أجد من يغطس داخلي بحثاً عن جزء من الكنز. وبدأ العدد يتزايد من الرجال والنساء. في البدء الفقراء. ثم التجار والصناع. عشرات. مئات. ألوف. كل منهم يأخذ قطعة مني. أحس بعدها أنني هو. انتشر اللون الأسود بين الناس. وصار كل من يأتي عندي يعود ولا هم له سوى أن يجمع الأعوان. ومرة بعد مرة. وعاماً بعد عام. أصبحت بالكامل خارج البحيرة. وجدت نفسي مئة ألف. لست بشراً ولا وحوشاً. شيء بين هذا وذاك. على حدود مدينة الملك. يصلون صلاة النصر:
- يا أهاب الأسود. يا جالب الظلام. يا رسول الآلهة. نحن أبناؤك. نحن الأهابيون. اليوم سنحتفل بنصرك. اليوم سنأكل أعداءك. .
كنت أصلي داخل كل واحد فيهم. وكان الآخرون بانتظاري. ألف أو أكثر. يرتدون اللون الأبيض. يشهرون الأسلحة على باب المدينة. الفوز لنا لا محالة. ومن بعدهم الممالك. سيكون لنا العالم. أمرت بالتوقف ففعلوا. وجدت نصفي البشري مازال مستيقظاً. نطق أحد أتباعي قائلاً:
- لن نقتلكم إذا ذهبتم للبحيرة السوداء.
عنفته على ما قال، عاهدت نفسي أن أقضي داخل كل فرد مني على النصف البشري. كنت أنتظر الإجابة من هؤلاء الصغار . تقدم أحدهم وقال:
- سنموت هنا على باب هذه المدينة.
أسعدتني الإجابة. هجمت. اكتسحت جيشهم الصغير. صعدت بأحد أتباعي إلى تل لأتابع ما يحدث. وجدت نقطة بيضاء محاطة باللون الأسود ، وتستعد للاختفاء داخلة بدون أي أثر