منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - سارة ونافذة الآخر .... كاملة
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-03-2008, 04:35 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
احمد النوباني
أقلامي
 
الصورة الرمزية احمد النوباني
 

 

 
إحصائية العضو







احمد النوباني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى احمد النوباني إرسال رسالة عبر Yahoo إلى احمد النوباني

افتراضي مشاركة: سارة ونافذة الآخر .... كاملة

الفصل الثاني ... طائرة ورقية



كان عزيز مليئاً بالحركة لا يستريح, يتنقل من مكان لآخر ويضحك لهذا وذاك, ويلقي بكلمات تجعله يضحك قبل أن يقولها. فلقد كان باعثاً للحيوية في تلك الجلسات المملة. بعضهم على طاولة النرد, والبعض الآخر يلعب الورق, ونظرات ريبة مع بساطتها تضفي بعض الغموض على تلك الجلسة, وآخر يستلقي على مقعده وهو يعانق الدرب لا يلتفت إلا لذلك الرصيف, ولا يرى سوى أحذية سوداء وبنية وبيضاء, وأحيانا يراقب أقدام القطط حين تقف لتبحث عن شيء بين القمامة, ثم تولي مسرعة نحو لاشيء. في الزاوية المطلة على ساحة القرية, يجلس أحمد وصديقه حمدي يتحدثان عن مباراة الغد في المدرسة, وبعض الأمور الأخرى المتعلقة بالتحضير لتلك المناسبة. وفي اللحظة يبتسم حمدي لشخص يعبر الطريق باتجاه المقهى ويقول:
أهلاً أستاذ فارس تفضل, أريد أن أعرفك على صديقي.
التفت أحمد, فعرف أنه المدرس الجديد القادم من مدينة أخرى, ذاك الذي انتقل إلى المدرسة حديثا. وقف ثم ألقى التحية. ابتسم فارس وأخذ كرسياً من طاولة أخرى ليجلس معهم, ثم نادى حمدي عزيزاً, فجاء مسرعاً وقال:
أهلا بالمدرسة ومعلميها ماذا أقدم لكم ؟
فقال أحمد:
اسأل ضيفنا ماذا يشرب.
أجاب فارس:
فنجان قهوة وسط إذا سمحت.
استمر الجميع بالحديث, ولم تكن الأحاديث تأخذ أية خصوصية أو تركيزاً على موضوع معين, مجرد كلمات لا تتطرق لشيء يبتعد عن مشاهدات يومية, وأحوال عادية. فكما قلت كان المكان ركناً يمزق حاجز الصمت الذي يسكن الدروب المؤدية إلى المساكن المتلاصقة في القرية.
سكن الليل, وسكتت معه الأحاديث, وعاد الكل إلى بيوتهم يسلكون الدروب المؤدية نحو سواقي التواجد اليومي
يدخل أحمد إلى البيت,وكانت والدته تعد العشاء فقال:
مساء الخير يا أمي.
أهلاً يا بني, كيف حمدي؟, ألا يزال وذلك الجنون و الشكوى ؟.
بخير, وكما هو لا يتغير أبداً, كباقي الأمور الأخرى في هذا المكان. آه نسيت أن أقول لك, فلقد دعوته وزميلاً جديداً في المدرسة للغداء عندنا يوم غد, هو شخص لطيف وأحببت أن أقدم له واجب الضيافة.
كما تريد يا بني, ولكن عليك أن تصحو مبكراً في الغد كي تحضر لي بعض الأغراض اللازمة.
حاضر يا أمي, أعلم أني أتعبك أحياناً ولكن...
لا يا بني, فهذا واجب. هيا تعال الآن إلى العشاء.
حسن يا أمي, ولكن سأغير ثيابي ثم أعود حالاً.
بعد العشاء عاد إلى غرفته, وأخذ يرتب أشياءه المبعثرة, ثم استلقى على السرير ينظر إلى السقف, هو يبحث عن معنى التواصل مع تلك الأمور اليومية. يفكر بحمدي وفارس وعزيز, ثم يغمض عينيه. يريد أن يقول أشياء كثيرة, ولكن لمن سيقول. أشعل سيجارة وذهب إلى المكتب قرب النافذة, تناول القلم, وبدأ ينساب على الورق بكل ما يثير فكره في تلك الليلة, فهو دائم التساؤل عن معنى الحياة واختلاف أشكال البقاء, فكتب:
طائرة ورقية
تحلق في فضاء واسع
تحسدها الطيور على ألوانها
وعلى وجهها الكبير
تحلق
ترقص للريح
تتمايل زهواً
لكنها مربوطة بخيط رفيع
ويد طفل صغير
لا تقدر أن تحلق أكثر
ولا في الأفق تطير
كانت طائرة ورقية
إن بللها المطر تذوب
ولا يبقى منها سوى الخيط
ويد الطفل الصغير
فما الأقدار وما المصير.
ألقى القلم على الأوراق ثم اقترب من النافذة ليستنشق بعض الهواء النقي. تراجع دون أن يطفئ النور, واستلقى على السرير, وترك عيونه تدور وهي تبحث عن قرار أو مصير. كان السقف أبيض وبلا ملامح. أيجد في الحلم شيئاً؟, لم يكن يدري, ولم يملك سوى أن يغمض عينيه.
في اليوم التالي عاد الجميع من المدرسة إلى بيت أحمد, وأمضوا فترة بعد الظهر هناك, تعرف خلالها فارس على والدته. وابتدأت بينهم في ذلك اليوم صداقة من نوع آخر. حين تقاربت أمور كثيرة تجمع بينهم في طرق التفكير وتلك النظرة للأمور.
كان يحمل أفكاراً تلقى تقبلاً من فارس, وتجيب على كثير من تساؤلاته, كان الآخر محباً للمعرفة وقد قال بأن نقله إلى هنا أثار فيه الفضول, خصوصا, أنها أماكن جديدة وأناس آخرون, ومشاهدات تحمل طابعاً يختلف عما يجده في مدينته الساحلية. كلا الطرفين له اهتمام مغاير لما تتطلبه الحياة اليومية العادية, من بساطة واقتناع. غادر الجميع المنزل قبل غروب الشمس, وأخذتهم الطريق والأحاديث إلى خارج القرية, حيث الطبيعة الخلابة والحقول المترامية على امتداد البصر. وتراءت لهم خلف التلال المحيطة بالقرية تلك الغابة الكثيفة, كانت داكنة وغامضة, خصوصاً بعد غياب الشمس خلف التلال.
سأل فارس:
هل من الممكن أن نذهب إلى تلك الغابة ؟, كم أحب أن أرى ما بداخلها, هل هناك غزلان وحيوانات بريه؟.
ضحك أحمد وقال:
ليست كما تتصور يا صديقي, يوجد هناك حيوانات برية, لكنها أرانب وثعالب صغيرة, وأنواع عديدة من الطيور. جميل أن نمضي هناك يوماً من أيام العطلة الأسبوعية, قريبا سنذهب برحلة طوال اليوم, وسترى العديد من الصيادين والحطابين, بعضهم يقصدها للهواية وآخرون لطلب الرزق. وسأعرفك هناك على الرجل العجوز, هو يسكن في ذلك الكوخ الصغير. أترى الضوء بين الأشجار على المرتفع؟, هناك يسكن, فهو يتكفل بحماية الغابة ممن يقطعون أشجارها الخضراء, وممن يغالون بالصيد. ليس موظفا تابعاً لجهة ما لها علاقة بالبيئة, ولكنه اختار المكان هناك لكي يحافظ على الطبيعة, وليجد مسكنا فيه, ولا أجمل من تلك البقعة التي يقطن فيها.
تابع يقول:
هيا بنا, بدأ الظلام يحل على المكان, وأمامنا درب طويل للعودة إلى القرية.
عاد الجميع, ولم يعـد هناك حديث. يسيرون بصمت, ولم يبق سوى أصوات صغيرة تأتي من هنا وهناك, بدأ السكون يرخي بظلاله على الأشياء وكأن الطبيعة تغفو بنوم هادئ وجميل.
في اليوم التالي, كان أحمد في طريقه إلى السوق لشراء بعض الأغراض اللازمة للأرض, فلقد أوصته والدته على أنواع من البذور وبعض العدد الضرورية. كان يفعل الأمور المطلوبة وبكل الرضا, ليس بآلية التعامل مع الأمور, ولكن لإحساسه الدائم بأن هناك ما يجب أن يكتمل, حتى تأتي أمور أخرى تكون أكثر إثارة. كان يجد في مسير الحــياة اليومية إحساساً وكأنه المخدر, فهو ليس بحاجة إلى الوعي الكامل حتى يستلقي على أريكة, أو يتناول فنجان قهوة, فكل الأمور الاعتيادية أصبحت أموراً عفوية ومتكررة, لا تحتاج إلى أي انفعال زائد, أو أية يقظة حسية. كان دائم الانتظار لمنعطف حاد يصادفه في مسيره على درب الأيام. ولكن, وحتى الآن يتراءى له الدرب وكأنه يمتد على مد الأفق, نحو أبعاد غير مرئية, وخوف دائم من أن يتعدى الأمر تلك الأبعاد نحو قادم مجهول. وبينما هو في تلك الهالة من الأفكار, أحس بيد تلامس كتفه, نظر إلى الخلف وابتسم, فلقد كان فارس.
اعذرني, بالفعل لم أنتبه, ما هذه الصدفة؟, وإلي أين أنت ذاهب؟
ليس لمكان محدد, لقد مللت الجلوس في البيت, فأخذت أسير في الطرقات قليلا, أو بالأحرى كنت أقصد المقهى علّي أجدك هناك.
جيد أني التقيتك, هيا تعال معي, أريد أن اشتري بعض الحاجات, ثم نعود سوية إلى البيت, لترى غرفتي وتجلس عند النافذة وكأنك في المقهى.
عند المساء, وصل الاثنان إلى البيت, لم تكن والدة أحمد هناك. كانت تقوم بزيارة لبعض الأقارب منذ يومين في قرية أخرى, فهي تريد أن تبحث له عن عروس مناسبة, علها توفق هذه المرة في جعله يفكر بالزواج. فتح باب الغرفة, واقترب من النافذة, ثم وضع كرسياً آخر هناك, وطلب من صديقه الجلوس ريثما يحضر القهوة.
بدأ فارس يجول بنظره في أرجاء المكان. فهناك يرى سريراً من الخشب, مرتباً وجميلاً, وخزانة لا تحمل فوقها أية حقيبة سفر. ثم شاهد تلك اللوحة المعلقة على الجدار المقابل, كانت لبحر هادئ معتـــم, ومركب تمتد صاريته نحو السماء وبلا شراع, وكأنه مهجور في المكان منذ آلاف السنين, جبال بعيدة سوداء فارقها ضياء الشمس, ومرفأ صغير بلا حراك.
كانت لوحة لمكان بلا زمن, وكأنها ذكرى البحر والإبحار, كئيبة بعض الشيء, لكنها تحمل معنى للحياة يأتي به الصمت والسكون, وتوحي بإشراقة جديدة ليوم جديد ولزمن آخر. أعجبته الساعة على المنضدة الصغيرة, قديمة كانت ويلازمها الوقت حين يلتزم بالحضور دون ملل. وفي الزاوية القريبة من الباب تمتد أرفف متعددة تحوي العديد من الكتب, تتراكم بلا ترتيب. نظر أمامه, فرأى أيضا طاولة المكتب, مليئة بأوراق مبعثرة وأقلام, وكراسة كتب على غلافها * أيام وكلمات*. وحتى على السجادة الصغيرة أوراق هنا وهناك, ملقاة لم تعبث بها الريح ولا الزمن, راكدة بلا حراك. نظر من النافذة وأخذ يرقب المنظر, أخذته الدهشة حين رأى المقهى والساحة والمارة, فلم يكن يفصله عنهم سوى شجيرات الحديقة الأمامية للبيت, ورأى بدايات الدروب المؤدية نحو الأحياء, وكأن المكان هو انطلاقة الحركة والحياة.
أحس بأنه بين عالمين, عالم خارج النافذة يتكرر في الأزمان, وفي القرى والمدن, وعالم آخر, يبدأ من داخل تلك الغرفة, ليمتد حتى أعماق ساكنها, فهي ذاكرة النافذة تخبئ ما يحدث في الخارج. أخذ يبتسم حين رأى عزيزاً يتراقص بين الجالسين في المقهى.
ومع محدودية المكان والجسد, إلا أن الدرب الذي يأخذنا نحو أعماقنا, هو درب بلا نهاية لعوالم أخرى, لا تعترف بالأحجار ولا الأسوار, ولا يحكمها البوح ولا الصمت.
دخل أحمد وهو يحمل القهوة وقال:
أهلاً بك, آسف على ما تراه حولك من فوضى, فأنا لا أسمح لوالدتي أن تلمس أوراقي, لأني أعرفها حيث وضعتها, وأتوه عنها عندما تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً. أحس بها تحاكي أعماقي المبعثرة بين الشك و اليقين, وبين الماضي وما سيأتي.
بالعكس,لم يزعجني شيء, فهي غرفة جميلة ومطلة على عالم أكثر اندماجاً مع واقعنا. أعجبتني اللوحة كثيرا. واراك تحتاج إلى امرأة تغير ملامح هذه الغربة المقيمة بين الأشياء وأعماقك , و إلى أمور أكثر إثارة من جلوسك وحيداً. أظن والدتك تؤيد كلامي, فهي الأخرى بحاجة إلى من يؤنسها طوال النهار, ولمن يساعدها في أعمال البيت.
ضحك أحمد وقال:
لا يا صديقي, أمي تمضي معظم يومها في الأرض, وتعود لتكمل أعمال البيت, منتهى السعادة عندها حين تتحرك لتعمل وتنظف, فهي تمارس ذروة الحياة من خلال نشاطها الزائد, ولا تقدر على الجلوس لحظة واحدة دون عمل. تتمنى ما تقوله أنت, كباقي الأمهات, وقد ذهبت بزيارة لتبحث لي عن فتاة. صدقني يا عزيزي, لا أملك في داخلي أي تخيل بأني سأتزوج من هنا, ودائما ما كنت أشعر بأني سأصادف فتاة أحلامي في مكان آخر, مجرد هاجس دائم, لذلك أنا لا أهتم بأي فتاة, وكأني موعود بأمور أخرى لا أعلم ما هي, أحس بأن العالم مليء بأمور لا نفهمها, ولا ندري متى ستأتي كالمنعطف الحاد, لتغير مسيرة الدرب التائه فينا. اشرب القهوة قبل أن تبرد فلقد نسينا أمرها.
أخذ فارس يرتشف القهوة وهو يتأمل الساحة الحجرية الواسعة, وبقايا لأعمدة تحيط بها, والتي تنتهي عند الطريق المحاط بالأشجار العالية على جانبيه, والذي يمتد إلى خارج القرية, كان بمثابة المدخل لهذا المكان الواقع بين الجبال الخضراء. نظر إلى أحمد وكأنه ينظر من خلاله, لعله يجد الإجابة دون أن يسأل.
ماذا هناك, بماذا تفكر ؟
آسف ولكني أستغرب أمراً وأريد أن أسألك عنه منذ أن وصلت هنا, إلى هذا المكان. لم أستطع أن أجد أي ارتباط بين الساحة المرصوفة بشكل متقن, وتلك البقايا لأعمدة وكأنها كانت تحيط بكل تلك الساحة. أراه نظام بناء مختلفا تماما عن باقي المباني هنا, وتلك الأشجار العالية منظمة بطريقة مختلفة أيضا, فلأول وهلة تشعر وكأنك تدخل إلى مكان من زمن آخر وحضارة أخرى, بالطبع ليست آثارا قديمة ولكنها...
ضحك أحمد وقال:
بالفعل يا صديقي, فهمت الآن معنى أنك أحببت انتقالك إلى مكان آخر, وهو لأنك تحب أن تعرف أكثر. فقصة هذه الساحة طويلة وقديمة بعض الشيء, وكأني سأبدأ أحدثك عن تاريخ قريتنا. ومع أني أستاذ تاريخ, إلا أني ولأول مرة أحس بأني سأسرد تاريخا مقيماً حولي, لم أكن أعره أي انتباه من قبل, ربما لأني اعتدت على هذه الأمور وعايشتها منذ الصغر.
أترى ذلك المكان بجانب المقهى؟, كان هناك في الماضي مبنى ضخما أشبه بالقصر, مع اختلاف في الملامح الخارجية فقط. فلقد كان مقرا لتلك الحامية التي بقيت تعسكر هنا في هذه المنطقة, والمقهى وما خلفه من مخازن للحبوب, كانت في الماضي إسطبلات للخيول.
كان المقر يتكون من ثلاثة طوابق, في الأعلى يقيم قائد الحامية ومكتب القيادة, وفي الثاني مكان إقامة الضباط والجنود والطابق الأرضي كان عبارة عن معتقل, ومخزن للذخيرة والتموين. أما الساحة فكانت الجزء الأمامي للمقر حيث العربات والخيول, ولم تكن بيوت القرية ملاصقة للمكان, فلقد كانت بيوتاً طينية قديمة, أقرب إلى الحقول منها لهذا المكان. كانت تلك الأيام حسب ما قرأت وسمعت من الحكايا, هي أسوأ فترات منطقتنا, حين بني المقر هنا. لأن قريتنا تتوسط قرى كثيرة ومناطق زراعية خصبة وكان الفلاحون عبيداً, مجرد عبيد يعملون بالسخرة حتى في أراضيهم, تثقل كاهلهم الضرائب الكبيرة ومطالب قاسية, لتموين هؤلاء القادمين من مكان آخر, جنس مختلف ولغة مختلفة, حتى الشباب في مناطقنا, كانوا يعملون في البناء والطرق, و يجندون أيضا لمعارك وحروب في أماكن أخرى, كانوا يأخذون كل شيء جميل ولا يبقى لنا سوى البؤس والشقاء.
غدا سآخذك معي إلى نبع الماء غرب القرية, بنيت هناك أحواض كبيرة لسقاية الخيول, ولتأمين الماء للمقر ومن فيه, ينقلها الفلاحون على الدواب كل يوم, فكثيرون من أهل القرية كانوا يعملون خدماً في هذا المقر. على كل حال تلك كانت فترة بائسة, تتخللها خطايا وظلم, وتضحيات وشقاء, ولم يكن هناك في ذلك الزمن مكان للأحلام, ولا للحب ولا معنى للفرح. كان جدي من الذين ذهبوا إلى الحروب القديمة ولم يعد, ولا أحد يعرف عنه شيء. المهم زالت تلك الأيام وخسرنا الكثير من شباب المنطقة, وهكذا حصل في باقي المناطق الأخرى, وعندما خرج آخر جندي من المقر, أشعل الأهالي النار في المبنى, وبقي مشتعلاً عدة أيام, حتى تهدم وأصبح ركاماً, وأصبحت ذكرياته البغيضة رماداً, سرعان ما تناثر مع الريح في فضاء النسيان. أزيلت تلك الأنقاض ولم يبق لذلك المبنى أي أثر, سوى الإسطبل والساحة وذاك الدرب, وأيضا تلك الأحواض عند نبع الماء, بقيت منذ ذاك الوقت لتستخدم كمشارب للدواب والمواشي.
كانت تلك الأبنية والساحة والأشجار بدون خطايا, لذلك بقيت, لكي تكفر عما حصل. أما المقر وكل الظلم, فقد توارى خلف الزمن, ولم تستخدم تلك الأرض لأي شيء, هي الآن مجرد ملعب لأطفال القرية حيث الضحكات البريئة والعيون التي تحمل أملاً ورؤيا جديدة لعالم أفضل. للعلم يا صديقي بعد تلك الفترة عم الكساد والفقر, وأصبحت البطالة داء يعم كل المناطق. كنت صغيراً عندما سافر والدي ليعمل في بلد أخرى, تركني ووالدتي وللآن لم يعد, مضت خمس وعشرون سنة ولا نعلم عنه شيئا. لكن الحياة تستمر, ولا تزال الأشجار تثمر وتعبق الزهور, حين بدأت تشرق شمس أخرى, وبقينا نملك مع الاستمرار الأمل.
لم يكن فارس من عالم آخر, فهو يعرف ذلك التاريخ جيداً. تأثر كثيرا مما سمع, وضع يده على كتف أحمد وقال:
أنا آسف, لم أقصد أن أحرك الظلال أمام عينيك, وأرجوك أن تقبلني صديقاً, وأخاً مع كل تقديري.
وأنا يشرفني ذلك.
نظر فارس إلى الساعة, كانت تتجاوز الثانية عشرة, قام واستأذن بالانصراف, ثم أخذ يعبر الساحة, ومع كل الهدوء المحيط بالمكان, إلا أنه سمع وقع حوافر الخيل, وأصوات الألم من تلك النوافذ ضيقة, هو الصراخ يأتي من بين الأحجار المرصوفة. متقنة وجميلة ولكن للأسف تبقى, تحمل ذاكرة الألم. توالت الأيام, وتناثرت الأحداث خلف جدار الذكريات, فهي تختبئ خلف التغاضي.
لم تستطع والدته أن ترسم على مخيلته أية فتاة من تلك القرية, كثيراً ما كان يحب أن يمارس الحياة اليومية دون مؤثرات تأتي من منطقيات يصنعها العقل, فهو دائم الانتظار لشيء جديد يأتي, دون ممارسة لتقليد أو عرف قائم, ويرفض أن يخضع لتجربة, كما تسير الأمور مع باقي الناس, بمنتهى الآلية والاقتناع الغريزي. فهو غالبا ما ينظر إلى الحياة بمنظار مختلف, تماماً كأنه إحساس الزائر, مع كامل المسؤولية تجاه التواجد الموروث, دائماً ما كان يريد أن يملك شيئا آخر, كالوعي مثلا. فلقد كان يتوه في المفهوم ولا يناقش أمره مع الآخرين, يفضل الصمت مع ابتسامة دون البوح بأية رغبة أو امتناع.







التوقيع




في العشق تضيع تضاريس الانسان
يصبح مجهول الفكرة
وخارج انظمة المضمون

سيد الكلمات
 
رد مع اقتباس