الفصل الخامس ..... وعي المدينة
لم تكن سارة فتاة حلم, بل هي أكثر من ذلك. فهي سيدة صغيرة ولا يريد أن يظن بأنها كانت على انتظار لقادم قد لا يأتي, ولكنه أتى. أكانت الحكاية ترتسم على جدران الليل؟, أم مجرد عبثية ولها ملامح! هو يحتار من تلك العفوية وذاك الخلط بين الذكاء والعمق, وبين طفولة الحديث حين يكون عن أمها وعن المكان هناك. لا يعرف أحمد ما قد يختبئ له في ثنايا الأيام القادمة, كم يتمنى لو يذهب إلى هناك, ليشاهد والدة سارة ويتحدث مع والدها ويراها في عالمها عن قرب, هو يحب أن يملك أمر القادم من الأمور ليتبين المدى من خلف الضباب, أصبح يرى الأيام تأتي برفيقة درب وروح, وكما انزاحت تلك الستارة عن تفاسير حلم ولا أجمل, صار يتمنى أن يرصف الدرب بواقعية تماثل الأمنيات. هولا يحلم فقط , بل يملك إصرار الواثق مما يريد. هو الآن يجتاز الاختيار إلى عتبات حجرية ثابتة, تؤدي إلى نهايات كم تمنتها والدته وكم انتظرها هو دون أن يدري متى تكون ومتى يكون؟. امتدت به خطى الأماني حين رآها وانتظارها وفرحة تعبر بها النظرة إلى أعماق الروح. و تعود إليه كلمات الرجل في الغابة حين قال, اذهب يا بني وأغمض عينيك تأتيك الرؤى. يشتاق إلى لفافة التبغ وإلى تلك التقاطيع, وهاهو المساء يتراءى أمام عيونه وكأنه ابتداء, حتى مع غياب شمس النهار.
عاد للبيت وبدأ يخبر فارساً بكل ما جرى. وبقي الآخر يصغي وعيونه تتابع الحديث.
وما أن أنهى كلامه حتى قال فارس:
كم هو غريب أن تجري الأمور بهذه السرعة, أنا سعيد جداً بما أسمع. هل تعلم بأني أعرف الفندق؟, وأعرف والد سارة, كنت أذكره حين كان يلتقي مع والدي, وكأن بقايا صداقة قديمة كانت أحياناً توقفهم على الطرقات.
جلس الاثنان في الشرفة المطلة على البحر, وظلال الليل تمسح وجه الملامح على مد الأفق, لولا هبات النسيم التي كانت توقظ إحساس الموج من بين الظلال. جاء والد فارس, وانتهى الأمر إلى جلسة تداعب الذكريات القديمة الغافية خلف المخيلة. ابتدأ الحديث عن الفترة أيام الحرب القديمة, حين كان شاباً يملك صداقات عديدة وحياة ممتعة, وبدايات طريقه في العمل محاسبا لعدد من المحلات والمكاتب في هذه المنطقة قرب الميناء. كان من بين الأصدقاء والعملاء, ذاك الرجل صاحب أشهر مطعم في المدينة, كان رجلاً تملؤه الحياة والطموح, ذا شخصية جذابة وحديثاً لا يمل, وكما يقال صاحب عمل له مكانته في المجتمع.
كان المطعم هو المكان الأفضل والأرقى في نظر الجميع, وحتى في نظر القادمين من البحر تجار وأصحاب مراكب. فقد كانوا يقصدون المكان لقضاء أمتع الأوقات. سارت الأمور بأفضل حال, حتى انتهت الحرب وعم الكساد بعد ذلك في كل المناطق, ولم تعد الأمور كسابق عهدها. حينها انتهى الأمر بذاك الرجل إلى الإفلاس تقريبا, كحال الكثيرين في تلك الفترة. ومع ذلك لم يكن يستطيع أن يتغير عما اعتاده من أسلوب حياة مترفة, لذلك تراكمت عليه الديون وأصبح مطالباً بالكثير, فالعمل لم يعد كالسابق, ولم يكن هناك مجال للاستمرار أكثر. وأذكر بأني كنت في تلك الأيام على اتصال دائم به, وكنت على يقين بما ستؤول إليه الأمور.
في تلك الفترة وفي إحدى الأمسيات, جلست إحدى النساء في المطعم تنظر إليه بابتسامة وكأنها تخرج من خلف إعجاب, فهو كما قلت يملك شخصية جذابة وأسلوباً مترفا في التعامل مع الآخرين, وانتهى الأمر بينهما إلى التعارف وإلى جلسات طويلة, حتى صارت تلك المرأة لا تفارق المكان. هي لم تكن من أهل المدينة, فقد كانت إحدى القادمات إلى المنطقة من بلاد خلف هذا البحر. استطاعت أن تدخل قلب الرجل بأسلوبها المصطنع في الحديث وبتلك الضحكات التي كانت تملأ المكان.
مرت الأيام, وسمعت من أصدقائي بأنها تزوجت من ذاك المدين. بعد ذلك سمعت بأن أحواله المادية قد تغيرت, فلقد سددت عنه كل تلك الديون حتى عادت الحياة إلى المكان من جديد. ذهبت إليه بعد فترة وأخبرني بأنهم سيقومون ببناء طابقين فوق المكان ليتحول إلى فندق, فلقد بدأ الكثيرون يتوافدون إلى المنطقة, وكلهم يأتون مع تلك المراكب. طبعاً كان هذا تفكيرها هي, فهي من تعرف عن تلك الأمور أكثر لصلتها بأولئك القادمون.
مرت السنون, وأصبحت المرأة تملك المكان, فقد تنازل لها عن كل شيء, لأنه لا يملك السداد وليس له الحق في أن يدير المكان. فلقد اكتشف بأن التعامل بينهم لا يتعدى شكل الشراكة أكثر مما هو زواج وحب. كنت أراه عندما أذهب إلى هناك يجلس إلى إحدى الطاولات يشرب ويفكر دون أن يكون له أي اهتمام بما يجري في الفندق. كثيراً ما تحدث معي في أمور الماضي, فقد كان يحن إلى تلك الفترة, ويقول لي بأنه يحن لجماليات المكان ولتميزه عن كل ما حوله, وكيف تحول كل ما كان إلى بقايا داخل هذا البناء الغريب, هو لم يكن يشعر بأي انتماء للمكان, وكأنه بدأ هو الآخر بالتحول إلى بقايا, كتلك الأيام وذاك المطعم الجميل.
في تلك الفترة ولدت سارة, كانت ثمرة ذلك اللقاء, فقد كانت فتاة جميلة جدا, لم تكن تشبه والدتها أبدا فكل ما فيها يحمل ملامح الرجل, فهو كما قلت يملك شخصية جذابة وعيوناً جميلة وابتسامة لا تزال عذبة مع كل الحزن واليأس والانسحاب من كل ما حوله. أجل هو الانسحاب وكأنه القرار المناسب, فهو لم يعد يرتبط بالمكان إلا من أجل ابنته الصغيرة, وكم كان يحبها لأنها كما كان يقول , أجمل ما بقي في هذه المدينة من زهور.
كان قراره أن يحتمل الحياة من أجلها فقط , وأن يستمر بالعمل في المكان بعيداً عن أي قرار أو مواجهة. مرت الأيام وكبرت سارة, وانتهى عهد ذاك الرجل فهو لم يعد له أي شأن في إدارة المكان, فقد كان يعمل كبقية العمال وهكذا كان اختياره. فهو لم يكن يطيق ذلك الأسلوب المصطنع في كل شيء, تلك المرأة كانت تمارس الحياة في العمل وفي البيت بمنتهى المادية والتجرد من أية عاطفة أو حب. وهو يعرف الآن بأن اختيارها له كشريك حياة لم يكن بسبب الحب, بل كان أشبه بالصفقة, فهو يملك المكان المناسب ويملك أيضا أن يؤمن لها حق البقاء في هذه المنطقة كزوجة. ولغاية الآن, لازالت الأمور تسير كما أرادت لها أن تكون. وللعلم يا بني, منذ زمن بعيد لم أعد أزور ذلك المكان, لكني أقابل الرجل أحياناً في الطريق حيث نتحدث بأمور عابرة لا أكثر.
لا أدري ما أقوله أكثر مما قلت, لكني يا بني أصدق أن تكون سارة هي فتاة الحلم لأنها كذلك, ووالدها من أفضل الذين قابلتهم في حياتي, ولن تجد أحسن من هذا الاختيار. ولكن هناك ما يجعلني أصاب بالقلق وأخاف مما سيحصل, فوالدة سارة لا تفهم معنى الحلم ولا الحب, فهي تنتظر لابنتها فرصة تأتي مع المراكب من خلف البحر, رجلاً غنيا يملك أن يؤمن لابنتها ما تؤمنه لها هي من حياة مترفة, ليس بقصد سعادة ابنتها, فهي تعلم بأن ابنتها لا تهتم بهذه الأمور, ولكن من أجل أمور هي تريدها وتخطط لها. كانت دائما ما تقول لسارة بأنها شبيهة والدها في كل شيء ولم تكن تحب هذا التشابه ابدآ, وكم تمنتها لو كانت مثلها. طبعاً هذه الأمور عرفتها من والد سارة حين قابلته قبل مدة من الزمن حين سألته عن أخبار سارة وهل تزوجت, فأخبرني بأنها لم تتزوج, وبأنها أكملت الدراسة الجامعية وتعمل مع والدتها في الفندق.
كم أتمنى أن تسير الأمور كما تتمناها أنت, ومع أن والدة سارة عنيدة إلا أن الموضوع سيعتمد على سارة وقرارها هي, ولا أظن بأن والدها سيعارض. على كل حال دع الأمر لله ولا تخف, وأنا من جهتي سأكون معك في كل ما أقدر عليه.
استأذن والد فارس, وعاد أحمد إلى غرفته. وبقي مع تساؤلات وريبة ونظرة من تلك النافذة لعالم بدأ يغفو تحت هدأة الليل, لا يملك إلا الدعاء يخرج من أعماقه كهمس الصمت, ليسافر على أجنحة السكون نحو السماء.
لم تكن سارة من تلك التحليلات بمكان. فهي تملك وجهاً آخر لا يراه من ينظر إلى عيونها, أو إلى تقاطيع أيامها المتلاحقة. أحياناً كانت تمارس وعياً يتقادم مع الزمن, فكم هو مهلك ذاك الانغماس في الواقع لدرجة تجبر النفس على التقوقع بين ثنايا ردود الفعل, ولكنها تملك أن تخرج من كل ذلك.
لم تكن سارة إنسانة تختلف عن الآخرين, حين تلامس الحدس والحقيقة في انفعالاتها وتكوينها النفسي. فهي تملك أيضاً أن تتحول إلى قطعة من الجبل حيث المنارة والأفق. يحتاج أحمد إلى أكثر من وعي عادي كي يقدر على الغوص في أعماق تلك المنتظرة. ويكون ذلك بالاستسلام لبعض الأمور, حتى تأتيه بأكثر مما يتصور, وبدقة متناهية ستعبر سارة وبخطوات واثقة نحو عالم لا يملكه التغيير, ولا يعنيه نداء من أي مكان, سوى الوصول إلى غاية حتمية ألا وهي القدرة على الانتظار. حتى لو كانت المحطة تعوم على أطراف الزمن.
شيء في داخلها يرسم ما يكون من الأمور القادمة دون وعي البداهة, ودون الانتماء إلى جذور يفترض أن تعني الكثير لإنسانة تنتمي لمجتمع وذكريات, قدراتها الحسية لا تفوق الخيال أبداً. فهي لا تستطيع أن تقود المركب خارج أية عاصفة دون قرار من والدتها, هكذا تراكمت القدرات فوق المعطيات. لذلك يجب أن يكون الحب, فهو يملك المستحيل حتى لو لم تكن تعي ما يعنيه ذاك المستحيل. هو نوع من إرادة تفوق الرؤيا والانتماء.
لم يكن الليل بانتظاره حتى ينتهي من ذاك التفكير, فقد أخذت الظلال بالإسراع نحو أفق آخر ومن يدري ما يحمله الغد, ولا حتى الفجر يدري. انتهى في تلك الليلة ذلك الحوار بين العقل والقلب, وبين الأمنية والواقع.
لم يعد على صفحة الماء فوق البحر سوى السكينة مع بعض أشعة الشمس, فقد كانت ترسم إشراقة فجر, أمام عيون الرجل العالق بين اليابسة وبين البحر, وكأنه يستقبل الأحداث حين تأتي مع خيوط الشمس, يقف عند الصخرة الماثلة أمام الموج القادم, وكأنها تحرس المكان من أمور لا يفقه معناها ذاك الحلم المخيم فوق ملامح التلال المحيطة. لم يدر الرجل ما تحمله أحاديث المدينة, لكنه مع ذلك لم يستطع أن يغفو تلك الليلة من تململ الأرق على جوانب الليل. في ذلك الصباح كان يملك إحساساً بالفضول لما يمكن أن يختفي خلف الأرق. فلا أحد يستطيع أن يقف أمام البحر لعدة ساعات كما يفعل الرجل, فهو بعض من حديث الأفق للأعماق, أو نوع من التأمل لحقيقة ما يجري, فالأيام تتوالى والوجوه تغيب, لتعود إما مشرقة كهذا الفجر, أو ترحل وهي تحمل خيبة الأمنيات. لكنها تعود, فهي لا تقدر إلا أن تكمل الدرب نحو نهايات تقف أمام جدران لا نعلم ما وراءها, ولا أحد ممن خلفها يعود.
لم يكن وحده من يرتسم على اللوحة الصباحية, بل كانت تظهر من بعيد فتاة الحلم وهي تسير نحو المكان. فارقته الوحدة إلى ابتسامة حين رآها, كم كان يتوق للحديث فهو يعلم بأنه لا جواب يأتي من البحر, إن لم يكن هناك انتظار. وها هي سارة تخرج من وعي المدينة قبل أن تصحو ويملؤها الضجيج, لتسارع إلى العابد في التلال الشرقية, فهو من يملك الضوء حين يكون صمت الملامح متاهة وظلال.
اقتربت منه وقالت :
أكون في غاية الطمأنينة عندما أراك تقف هنا, وكأنك تنتظر اللحظة قبل أن ترسو على شاطئ اليوم الجديد. ألا زلت تخاف علي من الأيام وما تحمل؟.
لا لم أعد بخائف, بل هو القلق مما سيأتي, أنا يا ابنتي أملك الأمر في الحلم حتى يتجسد واقعاً ونعيشه, ولكني لا أملك الأمر في ما تحمله الأحداث التي قد تشارك في صنعها أنانية القرار وضعف البصيرة عند الآخرين, وأنا أيضا لا أشك في أن الحب سيكبر حتى يصبح أهزوجة عشق تسير كما الأصداء على مسامع الذاكرة, فهي أزلية حين تلامس الأحداث أغلفة الروح, سيخرج الحب من ذاكرة الحلم ليسافر فينا, وستحمله الأيام نحو مصير مجهول, لذلك أخاف عليه من أنانية القرار.
ألم أقل لك بأني أشعر بالطمأنينة حين أراك تقف هنا. صدقني فأنا اشعر بمنتهى السعادة, ولم أكن يوماً كما الآن, أحس وكأني كنت انتظره, وأشعر به قريباً مني وكأني أعرفه منذ زمن, فهو ليس بقادم من مكان بعيد, بل يخرج من لقاء قديم. أنت تعلم بأني لم أرسم فتى الأحلام في مخيلتي كباقي الفتيات, لكني رأيته حقيقة وتحدثت إليه, فأصبح حلماً. أعذرني على كلماتي فلست أدري ما يحصل لي, فأنا لم أكن بهذه الجرأة في البوح, ولكني لا أملك إلا أن أتحدث إليك بما أشعر به, فأنت تعلم كم أنا وحيدة بين الوجوه.
ضحك الرجل وقال لها :
لا عليك سارة, تحدثي كما تشائين فأنا أصغي, وكم أحب صراحتك وسعادتك, وكم كنت أتمنى أن تخرجي من الوحدة والانتظار. أعلم بأنك لم تكوني بانتظار أحد, فهم يملأون الطرقات أليس كذلك؟.
أجل لم أكن أنتظر, ولم أكن أهتم بمن يجلسون على أطراف نظراتهم, وبدايات أحاديثهم حين أكون بينهم. كنت أجلس هنا أحادث الأفق عما يتراكم في أعماقي من أمور يومية, لا تعني لي سوى أنني منسية بين وجوه وازدحام, ولا يرافقني في ما ينتابني من ملل ووحدة وتساؤل سوى الأفق, وكلمات أنثرها على الأوراق وأنت. لا أدري ما كنت سأفعل لو لم تكن هنا؟.
منذ زمن لم تقرأي لي ما تكتبين, صرت أتمنى أن أعرف كيف تصبح سارة حين تفرح, وما هي الكلمات التي تأتي؟.
لا أدري لم تسألني عما أكتب؟. أنا أحمل أوراقي, وأريدك أن تعرف ما تكتب سارة الآن.
أخذت من حقيبتها الأوراق, ثم بدأت وكأنها تتحدث إليه بشيء لم يكن على الأوراق فقط , بل كان حديثاً وإجابة لتساؤلات الرجل, فقرأت تقول لكل المكان عما بها:
لم أكن أدري, وكأني نزلت في تلك الليلة من شرفة المدار
كنت أكتب على الأوراق ما دار بخيالي
حين أصبح الحلم التائه زمناً
بحراً تملؤه الحياة
سرت بكل الطرقات الليلية
وأبحرت بمتاهات الضجيج
وبحثت عن موطئ قدم
بين تراكمات الأيام والليالي
نظرت لذاك الأفق البعيد مراراً
علي استرجع بعضاً من ذاكرة القدوم الأولى
لكن المعاني تغيب
في أعماق الثنايا البعيدة
لعلي أعرف من أنا
فقد أصبح الحلم بحر تملؤه الحياة
وجدت الأمر جلياً أكثر
حين قرأت بعينيه ذلك الحب التائه
وعلمت الشوق ومعنى الشوق
لكن يمر الزمن مسرعاً
فأحاول أن أتابع آخر طيف
أن أتجمد داخل لحظة شوق
أعلم كم يكون أزرق كل ما حولي
حين أتجمد في دقات قلب
حين أصبح تمثالاً
عاصفة توقفت ثورتها
على مفترق عينين
أتساءل هل أبقى
هل أرحل
بل سأخرج من كل الدرب السائر
سأسافر واللحظة تلك
والنظرة تلك
عتبات الوقت الساخر أفارقها
بابتسامة المنتصرة على الذكريات
لن يصبح عمري القادم ذكرى
خرجت من الليل
وأنظر للسماء
لأبقى على أفق البحر عينين وعاشقة.
ساد الصمت في المكان, وكأن الأفق يصغي لعاشقة على الأطراف تهوى الشوق كما الانتظار, وحتى انتهاء العمر لشرفة على مدار. فهي تعرف ما هناك, وتوافق على الجريان كما الماء في نهر يهوى الانحناء بين التلال, لكي يبحث عن انتهاء في بحيرة يسكنها الجمال. طمأنينة كسلى هناك وكأنها السكينة بعد ثورة قلق.
يحتار الرجل فيما يسمع من كلمات, فيغمض عينيه كي تتراءى له الأمنيات القديمة. فقد كان يتوق إلى عاشقة بهذا الحجم, تملك أحاديث حواري البحر. أسطوري هذا العشق وأزلية تلك الرؤيا, حين تتجسد بريقاً يخرج من عيون الفتاة وعيون القادم أيضا, يتراءى الحب كالتساؤل, ويخرج النقاء وكأنه ماء عذري ينساب كسواق معلقة بين الحلم والحقيقة.
مع كل الوعي العالق بين اليابسة والبحر لا يملك الرجل سوى أن يقول لها وبصوت كالاستغاثة:
اذهبي إليه ولا تعودي, فلا تملك هذه الكلمات سوى البقاء كأغنية على دروب الصمت العابق في المدينة. اذهبي ولا تتوقفي عند أي انحناء, فالظلال كم أخافها, تتربص بالأمنيات وتخرج من العقل كعناكب متهالكة تبحث عن أي خراب, كم تشتاق العناكب إلى أرض الخراب. ومثلك لا تناقش الآتي من الأمور إن كانت حلماً. ولأنك حلم, لذلك أخاف عليك من الظلال, فهي تخدش الرؤيا إن استطاعت أن تضعف القرار. أرجوك سارة اذهبي إلى من جاء يبحث عنك.
قالت:
وإلى أين سأذهب؟, هو قادم من بعيد وأنا انتظار, ولن يخرج من حلم المكان. أم أراك اشتقت إلى العودة خلف الباب, كم تمنيت أن أعرف إلى أين تعود؟, حين يتوقف بك الزمن على أطراف البحر.
ابتسم الرجل وقال :
أشتاق إلى تلك العودة. فهناك خلف الباب يعود بي الزمن إلى حقيقة, حين أتذكر كم التجأ الكثيرون إلى الداخل, كانت الحرب السوداء تأكل النهار في المدينة, وأذكر الجوع على عيون أطفال بلا مصير, وأذكر العذاب والألم. هذه المنارة التي أمامك تختزن الذكرى القديمة, ولها أعماق كما الضمير. ففي كل ليلة تكون بلا قمر, يخرج الفرسان مع تراتيل الريح, وتعود الذاكرة للبحر عن الحرب الأزلية بين الضوء وبين ظلال تعوم على صفحة الماء, ويأتي الشروق لتتراجع الأحلام خلف الباب الخشبي, وكأن احمرار الأفق بقايا لأصداء التراتيل.
لم يكترث إن سمعت ما قال, لكنه استدار ليختفي خلف الباب. واستمرت سارة تنظر إلى بقايا الحديث, لولا الإصغاء لخطى القادم, جعلها تلتفت نحو من يأتي مع الدرب إلى حيث هي والكلمات, كان أحمد يقترب, وهي بلا اقتراب تسبقها النظرة والفرح. لم تكن سارة تخبئ الخطيئة خلف الضعف كباقي العائمين على فكرة أو ظرف, كانت وبكل عفويتها وبتراكم الوحدة والقهر لا تزال تسبقها النظرة والفرح, لتسير بها نحو الدروب المطلة على عالم الوعد وبكل بساطة وحب.
اقترب أحمد ليمسك يدها وليخرجها من لحظات تكبرها عمراً, كانت لحظات بحجم الزمن, حين يسكن بنا التساؤل عن المكان وما يخبئه الجدار المنتصب خلف الذاكرة, أحيانا نتلمس تقاطيع صور تذوب عند أول لحظة تأمل, لم يكن هناك أفضل من أن يعبر بها أحمد نحو أسفل الطريق, حيث تبدأ الأصوات المنبعثة من الحياة العابرة, بالمرور كباقي الطقوس بين طرقات المدينة.
ابتسم وهو يقول:
تعالي حبيبتي لن تبقي وحيدة, كم تأخرت عليك ولكن لا بأس, أمامنا الأيام والطرقات, والأضواء المنبعثة من الأحداث. تعالي نسير كما بالأمس فهناك الحديث يطول عن الوجوه وعن الأيام, كنت احن إليك حين لم أكن أدري من أنت, أشعر وكأني أخرج من غفوة عمر, فصوتك الساحر كالهمس يتملك الإصغاء عندي.
تعانقت الأيدي وسار الاثنان نحو المدينة. وأصبح الحب أكبر من أشجار الدروب وأقدم, يسير الاثنان مع دقات الوقت, ومن حديث لصمت.
أخذت الأيام تتوالى على الحب, وصار يكبر دون وعي الظلال, ولم تعد سارة تلتصق بالبحر, فلقد أصبح ذلك البحر رجلاً يخطو على الدرب وتحول موجه إلى حديث دافئ ينساب إلى ثنايا القلب. صارت تتأخر عن العمل, وأحيانا لا تذهب حتى لاحظ الجميع في الفندق بأن سارة تخبئ حكاية, فعيونها تحمل خبراً. وذاك التألق والفرح أين سيختبئ, فهو كما الأشجار على الجانبين وليس هناك ضباب يغطي الملامح في المدينة. هي تعلم من نظرة والدها وابتسامته بأنه ينتظر منها أن تقول شيئا, لكنه سينتظر ولن يسأل.
حتى هو لم يعد يشعر بالوقت, ولا يملك أية لحظة صمت, فقد غاب الوقت خلف عيونها ونسي بأن الأيام تقارب على الانتهاء. ولم يعد سوى القليل من ذلك الصيف حتى يعود إلى القرية يحمل الشوق لمن هناك ولمن هنا. هو يملك حقائب ملأى بالفرح والأمل, وحكايا ينتظر أن يلقي بها على أطراف الليل في قريته, لم يعد أمامه سوى الخروج من حلم اللقاء نحو الفراق. وينتظر على نافذة الغرفة ما سيأتي به الغد حتى تخبر سارة والدها عنه. وهاهي اللحظة تقترب حيث سيتعرف على عائلة سارة, ويخبرهم عما يريد.
في اليوم التالي التقى الاثنان على الشاطئ, كان ينتظر أن تقول له عما حصل بالأمس. كانت تلاحظ على عينيه الاضطراب والترقب, لكنها لم تستطع سوى أن تبتسم وتقول:
أعلم بأنك تنتظر ما سأقول, تحدثت ليلة أمس, وقد وافق والدي على أن تقابله هذا المساء في البيت.
نظر إليها وابتسم ثم انتهى الاضطراب إلى تساؤل, فهو لم يستطع أن يقول سوى:
كيف ومتى تحدثت معه؟, وماذا قال؟
ضحكت وقالت:
تمهل سأخبرك بكل ما حصل, ولكن تعال لنجلس هناك فهو حديث طويل. كم كان صعباً أن أبدأ الحديث معه, لكنه ولحسن الحظ هو من بدأ, حين دخل إلى غرفتي ليسألني عن أموري في العمل وعن سبب تأخري هذه الأيام دون سبب. ابتسم وقال لي "هيا اخبريني, ما هناك يا سارة؟, أرى في عيونك حديثاً لا يملك أن يختبئ أكثر". ابتسمت وتملكني الخجل لم أدر ما أقول وكيف أبدأ. ولأول مرة شعرت بأني كبرت, وأن الحديث مع والدي صار يأخذ شكلاًً آخر, فهو لم يعد دلالاً وشكوى بل حباً وفرحاً, وكيف سأبوح به؟,
كم كان الأفضل لهذا الحب أن تباركه والدتي, فمعها كان من الممكن أن امتلك الجرأة, ولكني تذكرت كم ستكون بلا شعور حين أخبرها وستغضب, فهي تملك تفكيرا آخر لما يجب أن يكون عليه القرار والاختيار وحسبما تريد هي. أعلم كم يحبني والدي, وأعلم أيضا أنه لا يملك أن يقرر شيئا دون الرجوع إليها, ولكني أردت أن ابدأ معه, لأنه يفهمني وتهمه سعادتي ويقدر اختياري. خرجت من التردد, وبدأت أحدثه عن ما حصل من يوم التقينا ولغاية اللحظة, كان يصغي لما أقول ويبتسم, وأحيانا تصيبه الدهشة والتساؤل. وبقي حتى أكملت حديثي, وسرعان ما قال: "تقولين رآك في حلم! ورأى المنارة والبحر! ومن هو؟, هل عرفت عنه شيء؟" أخذت تتراكم الأسئلة أمامي ولم استطع إلا أن اطلب منه أن يصدقني فيما أقول وبأنك الشخص المناسب, وأخبرته عن رغبتك في مقابلته. ضحك والدي عندما رآني بتلك اللهفة والرجاء وقال لي:" أراك كبرت, لم تعودي سارة الصغيرة, كنت أعلم ما تحمله عيناك من حديث ولكني كنت انتظر أن تبدئي أنت الكلام " وقال لي بأنه سيقابلك ويتحدث معك وأخبرني أيضا بأنه سيتحدث مع والدتي بعد أن يراك.
وهاهو أحمد يستعيد كل أمنياته, وكأنها تأتيه في سلة قش مع كلمات سارة. أو هي أغنية عتيقة أعادت للإصغاء ذاك الفرح الساكن خلف الروح القلقة. هو يعرف الآن من أين سيبدأ في رصف الدروب الجديدة, بأنغام كان يعشقها حين كان صغيراً. أخذ يتذكر الأغنيات العالقة على ذاكرة المقهى, حين لم يكن يعي ما تحمله لأولئك الجالسين على المقاعد يداعبهم الشجن, فقد كان صغيراً ولم يكن يعلم ما تعنيه الأمنيات الكبيرة. أما الآن فهو على رجع الصدى, وكأنه مركب يرسو بعد إبحار على شاطئ جديد. ينظر إلى عيون سارة لكنها لم تكن تنظر للبحر, فقد كانت تبحث عن شيء في الأفق. وفجأة تلتفت نحوه بعيون يملؤها الخوف, ثم التفتت للبحر وعادت لتختبئ خلف عيونه المتسائلة. فسألها :
ما بك ولم أنت هكذا؟
لاشيء, ولكن لا أدري ما أقول, نظرت إلى البحر ورأيت النوارس تحلق قادمة نحو الشاطئ, وفجأة تتساقط. أجل تلك الطيور تسقط في البحر, أليس شيئا غريباً؟.
أين رأيت ذلك, أظنها بعض مخاوف الفرح حين لا تعتاده عيوننا, حبيبتي ليس هناك ما يقلق, الله سيكون معنا لأننا نحمل الحب, ونرجو السعادة بمنتهى الصدق والعفوية.
نظرت إلى البحر من جديد, ثم عادت بنظرتها إليه وكأنها تخرج من حلم ثم قالت:
لازالت النوارس تسقط في البحر هناك, ألا ترى؟.
لا يا حبيبتي لست أرى شيئاً!
لا عليك أظنه الهذيان, فأنا لم أكن معتادة على مثل هذه السعادة. اعذرني فانا سأغادر الآن, لا أريد أن أكون بعيدة اليوم عن عيونها في الفندق , نظرت مرة أخرى نحو البحر ثم استدارت لتسرع الخطى, وكأنها تهرب من ظلال. ذهبت ولم تنتظر كي تقول شيئاً أو حتى وداع.
ابتسم وأعاد النظر نحو الأفق, لم يكن هناك شيء سوى طيور تحلق وسماء صافية, بعد ذلك اخذ يسير نحو البيت, فهو يريد أن يستعد للقاء والد سارة. كم كان يتمنى لو أن والدته معه لتكون أول من يعرف بما يحصل. بدأ الشوق يسري بين الثنايا, وصور القرية تمر على أفق المخيلة. لم يبق سوى أيام قليلة حتى يعود إلى هناك. غريبة تلك الحالة حين تشعر بأنك تنتمي إلى عالمين, فهذا المكان من المدينة له جزء من المخيلة وله في الأعماق وقع كما للقرية أيضا, فقد أصبح الشوق يحتار بين الثنايا وإلى أين يصبو.
لم يصبر المساء كثيرا, ولم تصبر الخطى حتى أسرعت تتقارب من لقاء طال انتظاره. وانتقل به الوعي إلى هناك, ولم يعد يدري كيف وقف أمام الباب ينتظر من سيخرج له. هي لن تكون سارة, لأنه يعرف بأنها تنتظر دون أن تكون هنا . خرج والد سارة وابتسم لأحمد, وكانت من القادم تحية مساء يحملها الخجل والاضطراب.
قال والد سارة:
مساء الخير, أظنك أحمد؟.
أجل يا سيدي
أهلا بك يا بني , تفضل.
سار خلف مضيفه حتى وصل إلى الصالة, ثم جلس على الأريكة حيث أشار له. بعد ذلك استأذن والد سارة للحظات كانت تمر على أحمد وكأنها تتشكل في الزوايا كصمت الجدران. غريبة تلك اللوحات المعلقة, فهي لا تحمل من حضارة المكان سوى الإطارات الذهبية, فقد كان كل ما في الصالة انتقاء والدة سارة وذوقها. وما هي سوى لحظات حتى عاد الرجل وتلك الابتسامة الجذابة على محياه, كان بمنتهى الأناقة والهدوء. حينها أخذ أحمد يلملم نظراته من على المكان, عندما سمع الخطوات تقترب نحوه.
قال الرجل:
أهلا بك يا بني. كيف ترى مدينتنا؟, فكما علمت أنت قادم من مكان بعيد؟.
مدينة جميلة وهذه أول مرة أزورها, أعجبتني أكثر بأهلها فهم بمنتهى اللطف وحسن الضيافة.
في تلك اللحظة جاءت الخادمة تحمل القهوة. كان حينها يفكر هل يبدأ بالحديث, أم ينتظر حتى يتابع ما يأتي به الحوار.
أخذ والد سارة فنجان القهوة وأشعل سيجارة ثم ساد بعض الصمت. بعد ذلك نفث الدخان في أرجاء المكان وقال وهو يبتسم:
إذاً أنت أحمد, حدثتني عنك. هي ابنتي الوحيدة وأصغي لها بكل ما تقول, وكم استغربت من حكاية الحلم وكيف أتيت إلى هنا, هيا تحدث وأخبرني كيف عرفت سارة؟
بدأ أحمد الحديث عن نفسه وعن دراسته وعمله, وأين هي قريته, واستمر حتى انتهى به السرد إلى حكاية الحلم. عندها لم يعد يخرج عن حدود الرؤيا, فلقد انسابت الكلمات بكل صدق وعفوية ودون أي انتظار لحديث أو عقل. ولم يكن الرجل يقاطع ابداً, بل بقي يصغي حتى صار الحديث عن رجل المنارة ووالد فارس, عند ذلك ابتسم وكأنه يستعيد بعض الذكريات القديمة. في حين أكمل احمد حديثه عن المدينة والبحر, وعن سارة وما رآه فيها من حسن خلق وعقل, ولم يكن يملك أن يبوح أكثر. لكنه تابع يقول:
وها أنا أمامك الآن, وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك و أن أنال رضاك ومباركتك لي على اختياري لسارة شريكة حياة, وكم هو شرف لي أن أكون. وبإمكانك أن تسأل والد فارس عني, وأنا على استعداد لكل ما تطلبه مني وسأكون بمثابة الابن البار لك ولوالدتها وسأحمل الحب والمسؤولية تجاه سارة حتى آخر العمر.
ابتسم الرجل وهو يقول:
كم هو غريب كلامك عن الحلم. اعذرني إن قلت بأني كنت خائفاً من أن تكون غريب الأطوار, تملك أحاديثاً لا منطق لها ولا عقل, ولكنني بدأت أشعر بالارتياح, فأنت شاب متزن وعلى قدر لا بأس به من اللباقة, حديثك يجعلني استشعر الصدق والجدية في كل كلمة تقولها. ولكن ومع ذلك, لازلت لا أعرف ما أقوله تجاه رؤيا تتحقق واقعاً وبكل تلك التفاصيل ولن أفاجأ, فالحياة علمتني أن لا أحكم على الأمور من أول مرة. أسعدني قدومك وارتحت لحديثك, وأرجوك أن تترك لي الأمر حتى أحادث والدة سارة, ولي أيضا حديث مع والد فارس ورجل المنارة, كم أثق بذلك الرجل هناك فهو يملك عقلاً وحكمة لا تقارن, ولأني أعرفه سمحت لابنتي أن تذهب إليه هناك, فلقد اعتدت في السابق أن أذهب بها إلى المنارة حين كانت صغيرة.
ثم تابع يقول:
إذاً رجل المنارة يعرفك؟, لكنه لم يأتي ليخبرني. أعلم أنه لا يقول أشياء تحدث على اليابسة هنا , فأحاديثه تأتي من داخل المنارة ومن خلف البحر.
كم ارتاح أحمد عندما سمع الكلمات. وأحس بأن والد سارة أقرب إليه مما توقع, أصبح معجباً بالرجل وكم تمنى أن يكون للحديث معه دروب تأخذ بالأمل نحو زمن قادم. استأذن أحمد مضيفه وشكره على حسن الاستقبال وقال:
سأكون بانتظار لقاء آخر إن شاء الله .
ضحك الرجل وقال:
أهلاً بك يا بني, هي فرصة سعيدة أني التقيتك.
خرج من بيت الرجل وهو يحمل معه الأمل, وكأنه قريب ينتظر. واقتربت الأيام من أمور لا تنتظر, هو يريد أن يقابل والدة سارة, لكي يستعد لسفر قريب نحو حقيقة وواقع آخر, فهناك في قريته وبين أهله سيحمل معه بشرى ورجاء. خرج الليل من عيونه كما خرج المساء, ولملم الفجر تلك اللحظات المملوءة بالأمل خلف شمس يوم آخر. تسارع الزمن القادم حتى أصبح يطوى تحت جفون مرتقبة وبلا ارتقاب. وتهادت الروح القلقة مع الإشراق لصبح يأتي بعينيها, قبل أن يأتي الندى على نعس الياسمين, يترنم بأغنيات قديمة كانت تحمل فرحا ونقاء, ثم أخذ يتنقل في أرجاء البيت كمن يحاول أن يتغاضى عن الوقت, فلعله يستبق النداء.