السلام عليكم
أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ:
لمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية بالغة في معرفة الأحكام الشرعية الواجب إتباعها,لأن الحكم الشرعي الذي رفع حكمه لا يعود جائزًا إتباعه وفي حالة عدم معرفة الناسخ والمنسوخ تضطرب الحياة وتختلط الأحكام ويحرم ما هو حلال ويحلل ما هو حرام.
قال يحيى بن أكثم التميمي، رحمه الله، وهو أحد عظماء السلف المتوفى سنة 242هـ: "ليس من العلوم كلها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضا والعمل به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهي إليه، فالواجب على كل عالم، علم ذلك لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرا لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضا أوجبه الله".اهـ
قال القرطبي في بيان أهمية معرفة النسخ : " معرفة هذا الباب أكيدة ، وفائدته عظيمة ، لايستغني عن معرفته العلماء ، ولاينكره إلاَّ الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام".اهـ
وممن نقل الإجماع على أن في القرآن منسوخاً : ابن الجوزي حيث قال في كتابه نواسخ القرآن : " باب إثبات أن في القرآن منسوخاً " ثُمَّ قال تحت هذا الباب : " انعقد إجماع العلماء على هذا إلاَّ أنه قد شذّ من لايلتفت إليه "زاهـ
الإمام مكي بن أبي طالب حيث قال في كتابه الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ما مختصره : " اعلم أن الله - جلّ ذكره - هو الآمر فوق كل آمر ، قد علم ما سيكون قبل أن يكون ، وكيف يكون ما علم أنه سيكون وإلى متى يبقى ما قدّر أنه سيكون .
فهو - تعالى - قد علم ما يأمر به خلقَه ويتعبّدهم به ، وما ينهاهم عنه قبل كل شيء ، وعلم ما يُقرُّهم عليه من أوامره ونواهيه وما ينقلهم عنه إلى ما أراد من عبادته ، وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه من صلاحهم في ذلك الوقت ، وقد علم أنه يزيلهم عن فهو - تعالى - لم يزل مريداً للفعل الأول إلى الوقت الذي أراد فيه نسخه ، ومريداً لإيجاب بدله أو إزالة حكمه لغير بدل في الوقت الذي أراد رفع حكم الأول ، فينسخ بأمره مأموراً به بمأمور به آخر ...
ونظير ذلك وتمثيله مِمَّا لا خفاء فيه على ذي لُبّ : أن الله - جلّ ذكره - قدّر في غيبه الأول بلا أمد تغييرَ الشرائع وتبديل الملل على ألسنة الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليهم - واختلاف أحكامها كما أراد ، فأتى كل رسول قومَه بشرع شرعه الله له مخالف لشرع مَن كان قبله من الرسل ، بدليل قوله : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" } [ المائدة : 48 ] ، وذلك منه تعالى تعبّدٌ واختبار وابتلاء للطائع والعاصي ، ولما عَلِمَ ما فيه من صلاح عباده ، لِيعلَم منهم علم مشاهدة يقع عليه الجزاء لأهل الطاعة من أهل المعصية ... "
فالملل والشرائع كلها متفقة في أنها عبادة لله وطاعة له ، وهي مختلفة في الهيئة والعدد والرتبة .
وكذلك الناسخ والمنسوخ كله عبادة لله وطاعة له وفرضٌ منه علينا ، وفعله كله طاعة لله على ما رتبه وأمر به في أزمانه وأوقاته ، وإن كان مختلفاً في الهيئة والصفة ... .
ولأجل ما أراد الله من النسخ للرفق بعباده والصلاح لهم أنزل القرآن شيئاً بعد شيء ، ولم ينزله جملة واحدة ؛ لأنه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ ؛ إذ غير جائز أن يقول في وقت واحد : افعلوا كذا ، ولاتفعلوا كذا - لذلك الشيء بعينه - .
فأنزله - تعالى ذكره - شيئاً بعد شيء ليتم مراده في تعبده خَلْقَه بما شاء إلى وقت ، ثُمَّ ينقلهم عن ذلك التعبد إلى غيره في وقت آخر ، أو يزيل عنهم التعبد بما أمرهم به بغير عوض تخفيفاً عليهم ، لما في ذلك من الصلاح لهم ...
فافهم جميع ذلك فهو الأصل الذي عليه ينبني الناسخ والمنسوخ " .اهـ
ويأتي من بعدهم عالم معاصر وهو الشيخ عبد العظيم الزرقاني فيلخص ما ذكره العلماء في أهمية هذا الموضوع في كتابه مناهل العرفان، فيقول:
أولا- هذا الموضوع كثير التعاريج متشعب المسالك طويل الذيل.
ثانيا- هو مثار خلاف شديد بين العلماء الأصوليين القدامى والمحدثين.
ثالثا- أن أعداء الإسلام كالملاحدة والمستشرقين والمبشرين قد اتخذوا من النسخ أسلحة مسمومة طعنوا بها في صدر الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن واجتهدوا في إقامة الحجج البراقة ونشروا شبهاتهم ونالوا من مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم من المسلمين فجحدوا وقوع النسخ.
رابعا- أن إثبات النسخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله تعالى في تربية الخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس بتجديد الأحكام مما يدل بوضوح على أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، النبي الأمي لا يمكن أن يكون مصدرا لمثل هذا القرآن، إنما هو تنـزيل من حكيم حميد.
خامسا- بمعرفة ذلك يهتدي الإنسان إلى صحيح الأحكام وينجو عن نسخ ما ليس بمنسوخ حين لا يجد التعارض بين الآيتين، لذا اعتنى السلف بهذه الناحية يحذقونها ويلفتون أنظار الناس إليها ويحملونهم عليها، انتهى بتصرف
وقلة من العلماء توسطوا وقبلوا النسخ بشروطه ، وميزوا بينه وبين التقييد والتخصيص ، وعلى رأس هؤلاء الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - واضع أول تأليف بين أيدينا في الأصول .
أسباب إختلاف العلماء في الآيات الناسخة والمنسوخة:
تعود أسباب أختلاف العلماء الى عدة أمور:
1.عدم وصول دليل النسخ الى المخالف
2.إختلاف فهم العلماء في تعريف النسخ وشرود وجوبه من هذه:
1. إعتبار التخصيص والإستثناء من النسخ,فالتخصيص: هو إزالة الحكم، كأن يأتي لفظ ظاهره العموم لما وقع تحته ثم يأتي نص آخر أو دليل أو قرينة أو إجماع يدل على أن ذلك اللفظ الذي هو ظاهره العموم المراد به الخصوص، فهو بيان اللفظ العام بأمر خاص نحو قوله (تعالى): "يوصيكم الله في أولادكم" الشامل للولد الكافر، فتلخص أن التخصيص لبيان الأعيان والنسخ لبيان الأزمان.والاستثناء: هو ما كان بحرف الاستثناء الدال عليه خلافاً للنسخ والتخصيص، والفرق بينه وبينهما أن النسخ لا يكون إلا منفصلاً عن المنسوخ والتخصيص يكون متصلاً ومنفصلاً والاستثناء لا يكون إلا متصلاً بالأول.
هذا والله أعلم