منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - المقاطعة حلّ .. والأخلاق أيضاً حلّ!
عرض مشاركة واحدة
قديم 28-02-2006, 09:59 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالفتاح الشهاري
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالفتاح الشهاري
 

 

 
إحصائية العضو






عبدالفتاح الشهاري غير متصل


افتراضي المقاطعة حلّ .. والأخلاق أيضاً حلّ!

ما كنا نتمنى أن تتعدى صور الغضب الشعبى على ما تعرض له حبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التفتيق عن سيلٍ من أعمال العصابات اللامسئولة مخلفين هذا الكم الهائل من هالات التساؤل حول منهجية المسلمين فى التعامل مع قضاياهم.

المقاطعة سياسة أزلية عرفتها الطبيعة العربية منذ عهد الإسلام الأول حينما فُرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المسلمين المقاطعة التجارية والاجتماعية والاقتصادية فى شعب بنى طالب، لم يكن فى هذا الشعب ماءٌ، ولا طعام، ثلاث سنوات بقروا فيها بطون الإبل ليشربوا ماءها، وقطعوا أغصان الشجر ليأكلوا أوراقها، فتوفى عامها أعز من واسى رسول الله عمه أبوطالب، ثم زوجته خديجة..

وإذا كانت أشهر المقاطعات التجارية فى الوقت المعاصر ترتبط باسم غاندي، الذى دعا الهنود لمقاطعة البضائع البريطانية خصوصا القطن والملابس المصنوعة منه، لإجبار الإمبراطورية على منح الهند استقلالها، فإن أول دعوة مقاطعة تعود إلى عام 1905م فى الصين وكان هدفها البضائع الأميركية، وجاءت ردا على قرار السلطات الأميركية إغلاق باب الهجرة إلى الولايات المتحدة أمام الصينيين.
وفى عام 1919م قررت الصين أيضا مقاطعة البضائع اليابانية بسبب معاهدة فرساى التى جعلت مقاطعة شاندونغ الصينية من حصة اليابان. وفى العام 1925م بدأت مقاطعة البضائع البريطانية بسبب تصدى الحرس الملكى البريطانى بعنف للمضربين فى مصانع شانغهاي.

كما أن الدول الكبرى نفسها "إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا" لجأت خلال الحرب العالمية الثانية إلى المقاطعة التجارية حين وضعت "لوائح سوداء" للشركات المتعاملة مع قوات المحور، بحجة أنها تساعد "اقتصاد العدو" وبررت هذه الخطوة بأنها تدخل ضمن قانون الحرب والدفاع المشروع عن النفس. ولكن هذه الدول كانت وراء التشديد على ذكر تعريف سلاح المقاطعة التجارية فى شرعة الأمم المتحدة وتحديد شروط استعماله كسلاح "البند 41".

وينص البند المذكور على "مقاطعة كاملة أو جزئية للعلاقات الاقتصادية مع دولة تشكل خطرا على السلام العالمي، أو فى حال اعتدائها على دولة أخري". وفى الواقع فقد استعمل سلاح المقاطعة بقرار من مجلس الأمن ضد النظام العنصرى فى روديسيا عام 1966م وحظر استيراد وتوريد بعض السلع والمواد الأولية إليه. وكذلك استعمل ضد جنوب أفريقيا مما ساهم بانهيار النظام العنصرى فى كلا البلدين. وقد أقر الحظر الاقتصادى الشامل على العراق عقب غزوه الكويت بموجب البند 14 أيضا.

وهانحن اليوم نحاول استخدامها كسلاح على كل من طفح كيله علينا بعدائه واستفزازه، وكأن المسلم فطرياً تستحثه روحه ونفسه أن يُعاقب بنفس جنس العقاب من يتعرض للإسلام ولرسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ولكننا دائماً تفصلنا عن الغضب وجنون الغضب شعرة واحدة، ويُبعدنا عن الغيرة وحماقة الغيرة ميلٌ واحد، ففى معارك حرب الكفار يدلنا رسول الله إلى معايير وآداب وأخلاق فى إدارة الحرب وهى "الحرب"، وفى مواقفه عليه الصلاة والسلام مع مخالفيه يدلنا على الاتزان وأخذ الأمور بحكمة وحنكة. جاء رسول قريش سهيل بن عمرو ليخط اتفاقاً بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم بشأن وقف القتال فقال عليه الصلاة والسلام: "اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن اكتب: "محمد بن عبد الله" فقال: "إنى رسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله"، ليس إذعاناً أو هواناً منه بأبى هو وأمي، ولكنها المراوغة، ولكنها حكمة رجل الحرب والسياسة عليه الصلاة والسلام.

حقٌ له أن يسعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ثارت به نفوس المسلمين من أدنى الأرض إلى أقصاها غيرة له، وحباً له، وعلى من تكون الغيرة والحرقة إن لم تكن على سيد البشرية، وخير البرية، ولكن .. هل هذه هى أخلاق المسلمين؟ وهل هذه هى معاملاتهم؟ أم أننا كقول القائل:


أسد على وفى الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر

هل السياسة الدولية فى الوقت الراهن، والوضع العربى المتأزم يستوعب مثل تلك الحماقات التى صدرت عن إحراق السفارات، وتحطيم الممتلكات، لأشخاص يقتض العشرات من شبابنا على أبواب سفاراتهم كل يوم للحصول على طلب دخول إلى أراضيهم للعمل أو للدراسة. أو هكذا يُعامل السفراء فى الإسلام؟!!

إنْ علمنا أنه منذ ثلاثة أعوام تقريباً كانت التحضيرات فى الدانمارك تجرى على قدمٍ وساق لإقامة ملتقى ثقافى هو الأضخم فى أوروبا للحوار مع المسلمين والتعرف على الشرق الأوسط وقضاياه وشعوبه فهل لنا أن نضع علامات استفهام على من المتسبب فى تأجيج موقف العداء بين المسلمين والغرب قبل قيام مثل هكذا مؤتمر؟ هل لنا أن نتساءل عن اليد الخفية التى تخشى أن ينقلب السحر على الساحر من إقامة مثل هذه المؤتمرات فيختتم المؤتمر فعالياته بكشف الحجب عما غطى العيون عن العالم الإسلامى وما يكتنفه من غموضٍ غطى عليه الإعلام الصهيونى عبر إمبراطوريته الإعلامية الهوليودية؟! ألا يحق لنا أن نضع ألف علامة استفهام عن مفارقة الوقت المتقاطع بين اقتراب إقامة هكذا ملتقى ثقافى وبين ابتداء بعض الأصوليين الدانماركيين فى بث مثل هكذا رسوم تأجيجية ومستفزة بعد أن دعى إلى حضوره آلاف الطلبة من جامعات الدانمارك إضافة إلى أساتذة، ومثقفين، وفنانين، وقد حوى برنامجه على العديد من الفعاليات ومنها برنامج التبادل العلمى بين الدانمارك والشرق الأوسط؟!

حق لنا أن نقف قليلاً وبرهة مع مشاعرنا.. هى ليست دعوة إلى بطلان المقاطعة، وليست دعوة إلى التقليل من شأنها، بل إن استخدامنا لسلاح المقاطعة مع كل عدو ابتداءً من إسرائيل وما يليها قد يعيدنا قليلاً إلى الاعتماد على الذات - إن كان فى جرابنا من الزهد ما يكفينا عن التدلل إلى ما فى يد الآخرين - ولكنها فقط دعوة أن نكون أكثر تنظيماً، وأكثر هدوءاً فى اتخاذ قراراتنا، أجزم أننا مازلنا نعانى كمسلمين.






 
رد مع اقتباس