بسم الله الرحمن الرحيم
أخي زاهر ، لا أفترض فيك قلة المعرفة ، بل سعيك للمزيد ..
وفي هذا الشأن ، أحاول كعادتي الحديث مباشرة وببساطة :
في السابع من ديسمبر الماضي ، قرأت لك هذه المساهمة في النصوص التي بدأتـُها أنا تحت عنوان ( قيل لي ..):
{ قلت: أين الله..؟
قال: حيث كان..
قلت:فأين كان..؟
قال:حيث مايزال.
سبحانه..لو أحاطه مكان.. لأدركته ..أين }
وفي 16 من الشهر ذاته ، كتبتُ رداً عليك :
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي زاهر
لك المجد
لا تصعب علينا الأسئلة ياصاحبي
وكنتُ بالفعل أقصد هذه العبارة .. إلى أن ساهم أخونا رضا الزواوي بالمعلومات الرائعة التي قرأناها جميعاً..
في حقيقة الأمر ، لنا في مخلوقات الله سبحانه العبرة وشيء من الجواب .. ويكفينا تلمس بعض الآيات السامية من القرآن الكريم ، والتحدي الرباني في الحديث عن جنح بعوضة أو ما فوقها ، أو مقدرتنا على استرداد ما يسلبه منا الذباب .. هنا يكمن عجزنا عن الفعل ، كما يكمن عجزنا عن فهم كُنه الروح ( التي هي من أمر ربي ) .. وإذا كان عجزنا عن فهم الأشياء الصغيرة بهذا العجز، فهل يمكن أن نفهم الأكبر منها قليلاً ..؟
خلق لنا اللهُ سبحانه العقل ، المحدود ، الصالح لتسيير حياتنا كبشر ، وللتفكر في ما ينفعنا ، والتقيد بأوامر الله سبحانه ..
و المثل الذي تفضلت به عن سيدنا موسى ، في سورة الكهف ، إنما يؤكد لنا أن هناك من هو أعلم ، أي أن هناك ما نحتاج إليه من معرفة ، والقصص الثلاث : خرق السفينة ، وقتل الطفل ، وترميم الجدار ، إنما هي نماذج لإشغال العقل وتعليم الصبر وأخذ الحكمة من الذين وهبهم الله علماً وخبرة أكثر منا ، فأين نحن من ( معرفة الأنبياء والصالحين ) وأين نحن من تجاربهم وأعمالهم ..
هنا مثال بسيط جداً : من الطبيعي أن تعلم طفلك الحروف والنطق والحبو والمشي خلال عام أو عامين من عمره .. ومن الطبيعي أن تدخله المدرسة عند السادسة ليتعلم الحروف والكتابة وغير ذلك من الأمور التي تتوافق وعمره .. لكن من غير الطبيعي أن تعلمه النوتة الموسيقية أو تحفظه قصيدة للمتنبي أو تسأله عن المجموعة الشمسية ، لأنه ببساطة لا يعرف ، ولم يكتسب الخبرة بعد .. ونحن الكبار كذلك ، حين تكون مهندساً أو مبرمج كمبيوتر فإنك لا تعرف ما يعرفه الطبيب أو عالم الذرة ، ولا تعرف لغة دون تعلمها .
وحين تسأل ، أو نسأل عن الله سبحانه وتعالى ،فإن هذا لا يخضع لمرحلة تعلم أو لفترة زمنية نقول بعدها أننا وصلنا لمرحلة المعرفة التي ترتقي للسؤال ذاته .. فتكفي الإشارة إلى أدق مخلوقاته سبحانه ، والقرآن الكريم أشار ايضاً لسؤال سيدنا موسى حين ذهب إلى الجبل ليحضر قبساً من نار ليصطلي به أهله ، وحين طلب من ربه أن يراه ، أمره أن ينظر إلى الجبل ، الذي تصدعوما استقر من خشية الله ..
أيها العزيز الإنسان ، في لحظات معينة ، أشعر أن عقولنا مثل الكمبيوتر لها طاقة محددة ، وسعة محددة ، أو مثل راديو ، فكيف نستطيع أن نرى فيه الصور .. كل شيء بحسبان وبميزان .. والله محيط بعباده ومخلوقاته ..
وأقول ، بعيداً عن النظريات وما يراه المختصون والعلماء ورجال الدين : حين نريد معرفة الله ، يجب أن نعرفه ( ليس بالأين أو الكيف أو بالفعل الماضي أو الحاضر ، وليس بكان وأخواتها .. ) الله هو الله له الأسماء الحسنى ، كل يوم هو في شأن ، يحيي ويميت .. وسعت رحمته السموات والأرض ..
حين أريد معرفته ، أضع نفسي تحت عبوديته ، وتحت قوانينه وأوامره التي هي بالمطلق لمصلحتي أنا الفرد .. وقبل أن اسأل عنه ، جدير بي أن أسأل عن نفسي أولاً ( أفلا ننظر إلى أنفسنا وإلى الآفاق كما أمرنا سبحانه ، بقصد زيادة المعرفة )، وهل النفس أو العقل مؤهلان للرقي وفهم ما يصعب على الفهم ، حيث يعيش الإنسان ويموت ، ولم تكتمل عنده الصورة أبداً ، لأنه عاش في دنيا الممر ، وحين يكون في المستقر من المؤكد ان الأمر يختلف ..
أيها العزيز ، نحمد الله الذي وهبنا هذه الروح ، وهذه النفس ، وهذا الجسد ، وهذه العافية ، وهذه المقدرة على مجرد الفهم ، ومجرد البصر ، ومجرد الكلام ، ومجرد الحس ، ومجرد البصيرة ..
نحمد الله ، فنراه ليس بالعيون ، بل بالأفئدة ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ونراه بالقلوب ، ونراه باللمس .. ونراه بالسمع ..
هنا ، تعجز الاسئلة المرتبطة بعلامات الاستفهام .. وهذا العجز بحد ذاته ، رحمة لنا من الشطط ، ورحمة لعقولنا من الانزلاق في ما لا نرضاه ..
لك الشكر على مداخلتك ..