1_ الخوف والقلق النفسي
إن السبب الرئيسي للقلق النفسي ثلاثة أسئلة يطرحها الإنسان لماذا جئت إلى هذا الوجود
ما هو دوري وما معنى حياتي وما مصيري بعد الموت
وترى الأجوبة في القرآن )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115)
ونرى أيضا )وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى:4)
ويجدر بنا أن نفرق بين الخوف والقلق المرضي والخوف والقلق الطبيعي
وللخوف الطبيعي مراتب ذكرها القرآن الكريم فهو يتراوح بين
الضيق النفسي )وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر:97)
والخوف )أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك)(الأحزاب: من الآية19)
والجزع وهو قلة الصبر )إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً) (المعارج:20)
والهلع وهي قلة الصبر مع شدة الصبر مع شدة الحرص في كل شئ )إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (المعارج:19)
والرعب والفزع وهي أعلى درجة من الهلع )لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ )(الانبياء: من الآية103)
والذهول:حالة ضياع عقلية نتيجة الخوف الشديد )يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ )(الحج: من الآية2)
وأخيرا سكارى أي ضائعين وهي حالة ضياع عميقة نتيجة الذهول الشديد ) وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(الحج: من الآية2)
وهذا الخوف الطبيعي ليس وقفا على العامة من الناس بل إن بعض الأنبياء اعتراهم شئ من الخوف الطبيعي )فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذريات:28)
والمهم إذا أراد الإنسان أن يتخلص من خوفه عليه أن يلتزم بوصفة إيمانية تتمثل في الالتزام بتعاليم المولى ) فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: من الآية38)
ثانيا_عقدة الموت
وهي من عقد الإنسان الأساسية قال تعالى )وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (قّ:19)
فكل مخلوق حي بفعل آليات تكوينه .... أو ما يسمى غرائز حفظ الذات والدفاع عن الحياة يحيد عن الموت ويكرهه بل ويفر منه )قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ )(الجمعة: من الآية8)
وما لم يجد الإنسان حلاً منطقياً لفكرة الموت فإنه ستتحول وتتجذر في أعماق شعوره إلى عقد مرضية تتفرع منها العقد التالية
أ- عقدة قصر العمر
)وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ )(البقرة: من الآية96)
وهي من أخطر العقد على السلوك الإنساني ولا يشفي من هذه العقدة إلا الاعتقاد الإيماني بأن العمر هو من قدر الله وهو واحد لا تبديل فيه
)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً )(آل عمران: من الآية145)
ونرى نتيجة لهذه العقدة تهافت الناس على متاع الحياة الدنيا وحوادث السرقة والقتل والنهب وغيرها من الأمور التي نجد فيها طابع التعدي
ب -عقدة عذاب الموت
كثيرون من الناس لا يخافون الموت بحد ذاته بل يرعبهم وينغص عليهم العذاب الذي يسبقه ويصاحبه قبل وحين حصوله
وهذا الخوف والرعب لا سبيل إلى تخفيفه والقضاء عليه إلا باليقين الإيماني بعدالة ورحمة وغفران الباري لمن يشاء من خلقه
نعم هناك عذاب يصاحب الموت ويسبقه ولكن للظالمين والمجرمين من الناس
أما المؤمنين من عباده فلقد وعدهم بأن موتهم سواء كان موت الجسد أم الروح فإنه مختلف تماما عن موت الظالمين إذ لا عذاب بموت الجسد والروح )أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثـية:21)
ج- عقدة ما بعد الموت ( أو خوف الموت وما يمثله)
إن عصاب الخوف من الأماكن المقفلة التي لا يستطيع المريض السيطرة عليها كركوب الطائرة والمصاعد والقطارات والغرف المقفلة ودخول الدهاليز المقفلة والخوف من الظلام هو في جذوره خوف من الموت ومن القبر بالذات
والمؤمن يبشر بالجنة عند موته بل ومنذ احتضاره فإذا هو مطمئن البال قرير العين يواجه أصعب وقت موته بقلب مطمئن وابتسامة مشرقة قال رسول الله{ إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار} رواه الترمذي
د-عقدة خوف المرض(الوسواس المرضي)
التي في جذورها ترجع وفي أغلب الحالات وخصوصا عند المتقدمين بالسن إلى خوف المرض والموت المتستر وراءه
وينتج عنها أحيانا وسواس قهري متقدم
ونرى جواب القرآن الكريم في سورة الناس :-
)قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ .إِلَهِ النَّاسِ .مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ.الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ.مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس:1- 6)
هـ -عقدة حب الخلود
إن جميع التصرفات من جمع للثروات وتكديس للأموال واقتراف المظالم هي تشبث يائس بالحياة
وعقدة حب الخلود هي الطريقة التي نفذ فيها إبليس إلى أبو البشر سيدنا أدم عندما أغراه بأكل التفاحة
والتخلص من عقدة الخلود لا يكون بالهروب اللاهث من الموت كمن يهرب من ظله بل الاعتقاد اليقيني بقوله تعالى )قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ )(الجمعة: من الآية8)
وكلمة أخيرة في موضوع الموت تلك الحكمة التي تقول بأن ليس كل من ذهب من الدنيا ميتا وليس كل من فيها حي
والحياة بسمة بين دمعتين دمعة الولادة ودمعة الموت فأفضل حل لمشكلة الولادة والموت الأزلية عمل شئ مفيد فيما بينهما .
ثالثا : عقد الحرمان والنقص
كل مخلوق حي بحاجة لدفقة من حنان وحب ورعاية ومن الضروري أن تأمن له عن طريق والديه وأقربائه وأخوانه في الدين قال تعالى )مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: من الآية29)
وهذا ما أمرنا به المولى كي لا تتأصل عقد الحرمان في النفوس
لا بل الإسلام شرع بإنه ليس من الدين في شئ كل إنسان قادر لا يساعد غيره على أن لا يتردى في مهاوي عقد الحرمان العاطفي أو المادي )أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ))فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) (الماعون:2))وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون:1-3)
وقال الرسول ص{والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا} رواه الإمام مسلم
والإنسان حين يعاني من الحرمان تظهر عليه أعراض معينة كالإسراف في المأكل والمشرب وتعلق مرضي بالأشياء الزائلة وعنه يتولد عقدة الخجل وعقدة خوف الفقر لذلك سن الإسلام فريضة الزكاة وهي بالمعنى الفقهي واللغوي تزكية المال والنفس
رابعا:عقد النقص والشعور بالانسحاق والخوف من الغير:
قال تعالى ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ )(المائدة: من الآية44)
إن الشعور بالنقص والضعف هو إحساس طبيعي عند كل مخلوق حي والإنسان يتخلص تدريجيا من هذا الإحساس مع اكتمال قواه العقلية والجسدية والشعورية شرط ان تيسر له تربية بيتية صالحة ومجتمع عادل
ومن مظاهر عقد النقص الانعزالية والهرب والخوف من الغير والقلق الشديد أمام كل جديد والشراسة وحب الإيذاء للذات والغير
والتربية البيتية المرتكزة إلى قواعد الإيمان الصحيح المستمد من كتاب الله والحديث الشريف هي الأساس في تكوين الشخصية المتزنة للأطفال والأولاد فاستئصال بذور الشعور بالنقص أمام الفوارق الاجتماعية والجسدية لا يكون إلا باعتقاد الإنسان بتعاليم السماء الحقة فالله يقول( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(الحجرات: من الآية13)
فكل عمل يقوم به الإنسان بضمير وإخلاص هو عمل مشرف وبالتالي لا شعور بالنقص عند القيام بأي مهنة فيها عمار للمجتمع والإنسان لا يستطيع تغيير وجهة الريح ولكن بإمكانه توجيه أشرعته ليصل دائما إلى مقصده .
خامسا : عقدة التعالي والغرور
وقد رمزت إليها الآيات التالية)وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ))وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان:18-19)
الإنسان ومنذ تكوين شخصيته وحتى نضوجها يحاول التغلب على الشعور الطبيعي عنده بالضعف إلا أنه قد ينتقل ومن خلال عملية المقاومة النفسية التي ندعوها بالتعويض إلى حب الشعور بالقوة والسيطرة والتعالي المرضي
والتربية الدينية الصحيحة تستطيع أن تسلك بالنفس الإنسانية إلى مرتبة وسط بين عقد النقص والانسحاق وعقد التعالي والغرور
ومن أنشئ نشأة دينية سليمة قلما يقع في مهاوي عقد النقص والتعالي مادام يعي ويلتزم بما قاله المولى عز وجل )َ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)(النحل: من الآية23)
ويجب علينا أن نعرف أن العقدة النفسية ليس معناها أن يكون الإنسان مكبوتا فقط ولكن الشخصية المتسلطة هي أيضا شخصية مريضة
ويدخل أيضا في هذا الباب أيضا شعور الإنسان بدونية الذين أمامه فالعالم الذي يستأنف أن يرد السلام أو يضن بالإجابة على أسئلة العامة هو في أساسه يخاف تفوق طالبه عليه
ويجب علينا أن نواجه أنفسنا فكثيرا ما يعرف المرء داءه ولكنه لا يجد الشجاعة الكافية لتجرع الدواء وقد قيل ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع
ويجب أن نعلم أنه ما تكبر أحد إلا لنقص وجده في نفسه . ولا تطاول إلا لوهن أحسه من نفسه
سادساً: العقد الجنسية
قال تعالى )زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ )(آل عمران: من الآية14)
إن الغريزة الجنسية هي حاجة أساسية كبقية الحاجات التي ذكرناها ولكنها ليست كل شئ وهي غريزة قوية بمعنى أنه إذا تركت بدون ضابط تستعر وتزداد
وجموح الغريزة الجنسية دون أي وازع ديني صحيح أو كبتها وطمسها ومنع التحدث عنها بفعل مفهوم أخلاقي أو ديني خاطئ هو الذي يؤدي إلى تشكل العقد النفسية الجنسية وهذا بدوره ينعكس على سلوك الإنسان وتصرفاته
وينبغي أن نعلم أنه ليس من الصعب العثور على الحقيقة ولكن المشكلة الكبرى هي أن لا تحاول الهرب منها إذا وجدتها
سابعا : عقدة الطغيان
قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى.أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق6-7)
هذا هو الإنسان إنه يطغى في كل شئ عندما يرى في نفسه القدرة على ذلك فيضيع في متاهات العقد النفسية فيصبح تبعاً لأهوائه وشهواته وطاغوته النفسي وقد قال تعالى سورة العصر:-
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْعَصْرِ 1 إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ 3
والإنسان ينبغي عليه أن يعرف قدره من كونه فهو عبد لله فقير مذنب عاص يقتله اليأس ويحييه الأمل
وقد قال العلماء إن أول صفة للشخص المغالي في قدر نفسه هي صفة الغباء. فهو يحاول أن يخدع نفسه ويخدع غيره بأنه قوي وإيجابي وذو كفاية ممتازة مع أنه ربما يكون أقل ذكاء من غيره . وأقل قدرة على فهم الناس . وهو أيضا جبان يتخاذل عند أول صدمة
وهناك أيضا الوسواس وهو مرض نفسي خطير وقد أمر المولى الناس عامة والموسوسين خاصة بالالتجاء إليه وإلى تعاليمه في سورة الناس :-
بسم الله الرحمن الرحيم
( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ 1 مَلِكِ النَّاسِ 2 إِلَهِ النَّاسِ 3 مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ 4 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ 5 مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ 6 )