نشأ النحو كسائر كل العلوم صغيرا , فوَضع منه أبو الأسود الدؤلي ما أدركه عقله , ونفذ إليه تفكيره , ثم أقره الصحابي الجليل سيدنا علي بن أبي طالب عليه رضوان الله على ما وضعه , وأشار عليه أن يقتفيــَــه , فقام بما عُهد إليه خير قيام , فكانت هذه النهضة الميمونة بالبصرة التي كان في أهلها ميلٌ بالطبيعة إلى الاستفادة من هذا الفن اتقاء لوباء اللحن الزاري بصاحبه , وبخاصة الموالي الذين كانوا أحوجَ الناس إلى ذلك رغبة منهم في تقويم لسانهم وتخليصِه من رطانة العجمة , وحبا في معرفة دينهم الجديد الذي اعتنقوه , وطمعا في رفع قدرهم بين العرب , فصدقت عزيمتهم , وقادوا حركته العلمية , فكان منهم علماؤه المبرزون دراسة وتأليفا حتى أشير إليه ردحا من الزمن أنه علم الموالي .
علم النحو لم يكن ككل العلوم في مدة اكتماله حيث اكتملت أبوابه , وازدانت عرشه في وقت قصير جدا . ولعل من الأسباب التي دفعت إلى تلك السرعة شعور العرب بالحاجة إليه قبل كل العلوم ؛ فإن الفتوحات الإسلامية متوالية في الأمصار , والعربَ متدفقون عليها , والامتزاجَ مستحكمٌ بينهم وبين من دخلوا في حوزتهم , واستشرى اللحن في ألسنتهم فهبَّ العلماء لا يلوون على شيءٍ منكمشين في تدوينه , فكان يسير بخطىً فسيحةٍ حتى نضج ودنا جناه ؛ فتم وضعه في العصر الأموي من دون سائر العلوم اللسانية .
وما استهل العصر العباسي إلا وهو يدرس دراسة واسعة النطاق في العراقين ( البصرة والكوفة ) , وكمل وأوفى على الغاية في بغداد ولما ينقض العصر العباسي الأول , وذلك قبل تمام القرن الثالث الهجري .
لكل علم أطوار يمر بها كما يمر الكائن الحي بأطوار الحياة :
وليدا ... وناشئا ... وشابا ... وكهلا ,
ولذا مر النحو بأطوار أربعة :
1 ــ طور الوضع والتكوين ( بصري ) ظل ما يقارب المائة سنة .
2ــ طور النشوء والنموّ ( بصري كوفي )
3ــ طور النضج والكمال ( بصري كوفي ) أيضا وظل الطوران الثاني والثالث ما يقارب المائة سنة أيضا
4ــ طور الترجيح والبسط في التصنيف ( بغدادي ومصري وأندلسي وشامي )
وفي الجزء القادم إن شاء الله نتحدث عن المرحلتين الأوليـَـيـْـنِ بشيءٍ خفيف من التفصيل مع ذكر أهم رجال كل مرحلة .