المستشرقون .. بداية لازمة
(1)
لأن المستشرقين في هذا المضمار هم أساتذة الغواية ورواد الفساد فقد عقدوا عزمهم على الثأر من انتصارات الإسلام التى أرغمت أنوف صليبيتهم الحانقة وحملاتهم الغادرة الفاشلة على ديارالإسلام الآمنة الوادعة .. علموا أن سر بقاء الإسلام وقوته يكمن في أخذ أتباعه المتوازن بأسباب علوم الدنيا والآخرة .. فصبروا أنفسهم على التعلم ، وتجرعوا كؤوس الذل تترى حتى ينهضوا من رقدتهم ويثأرو لصلبانهم التى ما عادت تبرق في أرض الشأم ...
فبينما هم كذلك ؛ إذ حطت على رؤسهم غربان سود ، تنعى إليهم زوال قرة أعينهم ومهوى فؤادهم .. سقطت القسطنطينية تحت سنابك الحق ، وصلى المسلمون في أيا صوفيا عصر الثلاثاء ، لعشرين يوما خلت من جمادى الآخرة لعام 857 من الهجرة... وأصبحت أوربا بين يدي الفاتح محمد ذي الجواد المتأنق والمجد المتألق .. فهبوا جميعا يركضون .. يهيمون .. يقعدون بكل صراط يوعدون ويصدون .. وانطلق الرهبان زرافات ووحدانا ، يجوبون البلدان ، ويقطعون العمران ويطوون الأرض .. يحرضون الرعية على ترك ( المسلمين) .. فما تركوا بابا من أبواب القبح إلا ودلفوه بألسنة حداد .. يفترون على المسلمين الكذب ، ويخلعون على الإسلام كل الرذائل والدنايا .. حتى استحال في أعين رعاياهم مسخا شيطانيا يعربد ويدمر ويبيد .. وهم في طريق نهضتهم يسيرون بخطى حثيثة ، وبقلوب مسها جمر الخيبة ، ولدغتها عقارب الجهل .. أصلحوا دواخلهم ، وثاروا على الخرافات ، وتحزبوا على عمايات كنائسهم .. ساروا يتقدمهم مارتن لوثر وميكيافللي وكلفن وأشباههم .. حتى إذا ما تجاوزوا حد الجهل ، وتخلصوا من ربقة الخرافة .. بدت لهم بعض القطوف .. فكانت تدفعهم إلى الإنتقام دفعا .. ولايزالون شاخصين .. عينٌ على أنفسهم يصقلونها ، وأخرى على الشرق الرابض على تخومهم يتحسسونه ..
تكاد قلوبهم تتلظى على ما فيها من هم مقيم .. ويخشون من هذا العالم الهادئ الرحب الممتد أن يبتلع ما تبقى من أوربيتهم المقدسة .. لذلك كانو يتحرقون شوقا على سفح دماء الترك ( المسلمين ) ، فهي خمرهم الموعودة التى يمنون أنفسهم بالشراب منها حتى الثمالة ..
(2)
وصلوا الليل بالنهار دأبا وعملا.. قطعوا أشواطا طويلة فى مضمار النهضة ، واستطاعو بكفاحهم المضنى المرير أن يقبضوا بقوة على طرف من أطراف الحبل الممتد بين الإسلام والمسيحية .. حتى إذا استحكمت قبضتهم ورضوا بمكانهم ؛ تريثوا .. فقد حنكتهم التجارب وصقلتهم الأيام بعواديها .. وعلموا أن السيف ينبو والسهام تطيش .. فرفعوا شعارهم الكنسي المتئد (slow but sure ) .. يريدونها قاضية ماحية .. ينتقمون بها لأجدادهم الذين ضل سعيهم في حروبهم المقدسة ! ، ويثأرون لدينهم الذي تحول عنه الملايين ، ويمزقون أتباع محمد- صلى الله عليه وسلم - شر ممزق ، علموا أن السلاح ليس يغنى غناءً حاسماً ..( فنحوا أمره جانبا إلى أن يحين حينه ، ويصبح قادرا وحاسما ،لم يبق لهم إذن إلا سلاح العقل والعلم والتفوق واليقظة والفهم وحسن التدبير ، ثم المكر والدهاء واللين والمداهنة وترك الإسنثارة ، استثارة عالم ضخم مجهول ما في جوفه ، ولا قِبَل لهم بتدفق أمواجه الزاخرة ، والتى كان الترك الظافرون طلائعها الظاهرة لهم عيانا في قلب أوربا ، وهذه رعايا المسيحية أمام أعينهم تتساقط في الإسلام مرة أخرى ، طائعة مختارة وتدخل بحماسة ويقين ثابت في جحافل الإسلام الطاغية ! يالها من فجيعة !! ويرتاع مع كل فجر قلب المسيحية ... ويرسخ الإصرار في القلوب على دفع غائلة الاسلام ، وعلى التماس قهره بكل وسيلة ومن كل سبيل ...) (1)
(3)
أرسلوا شياطينهم ( المستشرقين ) إلى ديار الإسلام ، ليقفوا بأعينهم على خبايا هذا الدين حتى يعلموا كيف يسلخون عنه مادة الحياة .. استغلت هذه البعوث وداعة الاسلام وسماحته ، فدلفوا إلى كل أصقاعه ، جالوا وصالوا في ديار المسلمين ، خالطوا كل الأطياف وكانوا يظهرون من الإستخذاء ،الإنحاء والتصنع ،والمكر ،والدهاء ،والحيلة ..ما ييسر لهم سبلهم ؛ فعاشوا في الشرق بين أفواه الناس ، وخلف أكوام الكتب ، يسمعون ويقرأون ، لاغاية لهم إلا ما خرجوا لأجله ..
مضت عليهم حقب في إثرها حقب يتعلمون ويتدارسون .. ثم عادوا .. وقد نجحوا فى مهتهم النجاح المؤزر، وأحرزوا من ذلك الغاية والمنتهى .. وطفقوا يكتبون عن العالم الذي أفنوا فيه أعمارهم يتقلبون ..كتبوا فى كل فن من فنون المسلين وأخرجوا الخبئ من الكنوز .. وقدموا الإسلام هناك لرعايهم .. فراع هؤلاء الرعاع مؤلفات دهاقنتهم ذات الخبرة البصيرة بأمور المسلمين ، والدقة المتناهية في سبر غور تفاصيل الدين والحياة هناك .. ولكن جند الشيطان المهرة حرصوا كل الحرص في موسوعاتهم الإسلامية على تشويه الصورة على نحو يتعذر على الهمج الأوربي إدراكه .. فقد يسودون الصفحات الطوال بنوع من الحياد ثم يرضون بصفحة واحدة منها تخلخل الأركان وتهز الثوابت .. فما شك المثقف الأوربي قط في كلمة خطها يراع مستشرق حاذق بصير ..وهكذا قُدم الإسلام للأوربيين بأيدي غير مسلمة ، بل بأيدي فاجرة كافرة ..
(4)
ولا ضير أن يفهم الأوربيون من علمائهم ما يريدون ، ولكن العجب كل العجب أن يتتلمذ بعض من العرب والمسلمين على هذه الكتب ، وهى ماكتبت لهم ولا هم معنيون بشئ منها .. ولكنها الغواية تجلب إلى دائرتها كل مستهجن بائس مرذول .. وتغري بسطوتها كل غاو مضل مهين ..
ولاتزال شياطين الإستشراق تجتال العقول المبتسرة والنفوس الردية من نفايات البشر (الطابور الخامس ) ، حتى إذا ملكوا منهم الجموع أجلبوا علينا بخيلهم ورجلهم . لم يألوا جهدا ..
وهاهي ذي بذورهم في ديارنا قد أنتجت وأطفلت ..
أنتجت عقولا مهزومة مرتاعة .. وأفئدة صماء هواء .. وأجساد أشبه ما تكون باللعبة الفارغة التى تُطّرح بين يدي طفلٍ لاهٍ ، يملؤها بيديه ويحركها كيف يشاء ..
لبسوا من العمل أردية مزركشة وتكلموا بعبارات الأعاجم التى اجتهدوا في تعريبها ، لذلك تراهم يركبون ( فنا غريبا من الكلام لا يعمد إليه في طبيعة القول وأساليبه إلا من كان في نفسه أشياء تناقض ما في لسانه ) (2)
(5)
إن وجود هؤلاء البله أمر حتمي ضروري .. بل إن أفواههم لابد أن تنطق بهذا الكذب حتى يزداد الذين آمنوا إيمانا بصدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينكرونه (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله...) (3)
انظر كيف أنهم - بغبائهم بل بكفرهم بالسنة - برهنوا ودللوا – من حيث لا يشعرون - على صدقها واثباتها .. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بخبرهم .. ولو لم تظهر هذه الفئات الآبقة ربما ارتاب المبطلون ولشكوا في صدق حديثه صلى الله عليه وسلم ..
إنهم الدواب الشبعى التى أصابتها البطنة فذهبت منها الفطنة .. المترفون بسقط المتاع أصحاب الأرائك والأسرة " أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه." (4)
فلا عجب إذن أن يسير المرتكسون الناكبون في حنايا وتعاريج من أمرهم .. شأن كل من حاد عن الصراط واتبع الهوى فتفرق به عن سبيل الحق ..
أرأيت هذا الدعيّ الغبيّ حين يتساءل عن الرواية بالقول " هل هي اهلا وتصلح كركيزة للبناء الديني وحاضن له ام ان ذلك لايمكن ان يكون ؟" .. ثم يشرع في الإجابة فيقول مباشرة - فض الله فاه - بعد السؤال المزعوم (الرواية لاتشكل علميا غير نشاط بشري متدني وهي ليست سوى بيئة موبوءة للحركة العلمية ، بل هي مرتع لكل جاهل ومنحط..الخ ).. هكذا في مفتتح الكلام يقفز إلى النتيجة دون مقدمات منطقية تقود إليها كما هو مألوف عند من أصابت أنفه رائحة النقاش المتزن .. فكأن أضالعه التى تحترق غيظا على السنة وأهلها تتعجله الوثوب إلى النتيجة الكالحة كوجهه ، حتى ينفث سمومه التى تطفح بها جوانبه ، ويشيع سحره الذي جمعه في صدره وما وعيَه .. وهذا الجواب الغبي بهذه الصورة المهترئة فيه نوع مصادرة على المطلوب ، تعرى عن البحث الذي يدعيه ، وتأبى على ما تعارفه الناس من البداءه.. فقد جمع في آن واحد بين شؤم الغاية و غباء الوسيلة .. فأنى لغبي كهذا أن يعيد تقييم السنة واخضاعها الى سلطان الإختبار والنقد والفحص الواعي .. وهبه فعل .. فهل سيخلص إلى نتيجة غير التي حددها سلفا ؟!
سيخلص بعد تقيمه الأشل واختباره الكسيح إلى أن الرواية ماهي إلا هباء منثورا .. وما تقييمه المدعى إلا ورقة صغيرة يريد لها أن تستر سوأته الكبيرة .. وأنى له ذلك ؟!
إذن الأمر ليس أمر مناقشة وتقييم سيقود إلى نتيجة ما , لكنه مسرحية هزلية دُبر لها بليل ، ولم يحسن هذا الغبي الأحمق إخراج فصل واحد منها على النحو الذي يستلفت شيئا ولو يسيرا من انتباه القارئ العادي .. لقد كان سحرة فرعون أشد منه دهاءً ومكرا فقد خيلوا للناس من سحرهم ما توجس منه موسى – عليه السلام - خيفة أن يميل الناس معهم ..أما هو فمفضوح كذبه وبائن نفاقه وشقاقه ..ولا يزال بحاجة إلى تدريب طويل عند من يتسلقون على جثته التى تأخر دفنها ..
وإذا كان سحرة فرعون ثابوا لرشدهم وأذعنو لما عرفوا من الحق لما جاءهم فهل أنت أيها المعاند الجاحد عائد ؟! أم ستظل على صنمك عاكفا ولباطلك مروجا ؟!
أيها الغوي .. أرأيت قولك " ان الرواية لا تتصف بنفس وصف القران : "العزيز ،الكريم ،المجيد ،عدم الاختلاف ، صحة وثبوت النسبة الى الله ، ..الخ "
ليس حفظ القرآن من باب أنه كلام الله فيجب أن يحفظ وكلام سواه عاجز وقاصر يخضع للاهواء .. ولكن الله تعالى حفظ كتابه لأنه سبحانه تعهد بذلك كما أخبر سبحانه في محكم تنزيله ، وإلا فهل تذعن أن التوراة والإنجيل كلام الله المنزل على رسوله الثابت صحة نسبها إليه سبحانه ؟!،
إن أجبت بالنفي كنت أضل من حمار أهلك وخرجت مخذولا مدحورا من حظيرة الإيمان إن كنت قد دخلتها أصلا ..
وإن كانت الأخرى فقد قوضت بيدك الشوهاء بنيانك الآثم ، حيث قد أصاب هذه الكتب المنزلة ما أصابها من تحريفٍ ذكَرَه الله تعالى في القرآن ؟.!
وقد كان ولا يزال الله بقادر على أن يتكفل بحفظها باعتبارها كتبه و كلامه ووحيه المنزل على رسله ، فلا تمتد إليها يد التحريف كما هو الشأن مع القرآن ؟!
فالقضية إذن قضية أمر أراده الله فهيأ له أسبابه .. فقد حرفت التوراة والإنجيل لأن الله تعالى أوكل إلى البشر حفظها ، فوافقت قلوبا لاهية كقلبك ، ما رعتها حق رعايتها .. بل جعلوها قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضا ؟!
وهيئ لقرآنه قلوبا حافظة وآذان واعية لستَ منها في شئ .. هي ذات القلوب التى حفظت بيان النبي لها كما أراد الله ..
فليت شعري كيف أعيا البله أن يحفظ الله كلام نبيه المبيّن لوحيه ..؟! لاسيما وأن الصدور التى هيأها الله لمراده من حفظ كتابه هى التى وعت بيان نبيه الذي تكفل الله أيضا بحفظه ..نعم تكفل الله بحفظ كلام نبيه ، يقول
تعالى (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) ) القيامة ..قال تعالى علينا بيانه ولم يقل عليكم بيانه :أي ( بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا). (5) فمن تمام حفظ القرآن حفظ بيانه على لسان رسوله وقد تولى الله تعالى ذلك بصريح الآية الكريمة ..(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة ..ولكنكم قوم تجهلون ...
ياهذا ..إن ما تعتقده بأن ( الرواية قد تداولها العدد الهائل من الرواة مجهولي الحقيقة والهوية والمصدر والدوافع) هو ترديد ضعيف لأقوال أسيادك المستشرقين .. فقط اقرأ – إن استطعت - كيف جُمع الحديث ، فإذا قرأت ،، فاعلم أن هؤلاء الرواة لو غربلوك بغرابيلهم لعلفوا بأمثالك البغال ..
الكلام يطول .. وهو فيما نقله هذا الغبي ضعيف جدا لا يثبت ..فهناك كبيرهم الذي علمهم السحر .. و هو أقوى منه تدليسا وتلبيسا.. سنورد إن شاء الله لأهم شبهاتهم ونتبعها بما ينقضها ويأتي عليها ، والله المستعان وعليه التكلان ولاحول ولا قوة إلا به ..
--------
(1) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا للعلامة محمود شاكر رحمه الله ص 46 .
(2) تحت راية القران للرافعي :ص 210 .
(3) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح
(4) تفسير القرطبي 1/38
(5) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/287