على أن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، والمسلمون مأمورون بأن يحكّموا في أفعالهم خطاب الشارع وأن يسيّروا تصرفاتهم بحسبه، فإذا أخذوا ما لا يخالفه أو أخذوا ما يوافقه فإنهم يكونون قد أخذوا غير الحكم الشرعي، لأنهم لم يأخذوه بعينه بل أخذوا ما يوافقه أي ما يشبهه أو ما لا يخالفه أي ما لا يصطدم معه، وفي كلتا الحالتين لا يكونون قد أخذوا الحكم الشرعي عينه بل أخذوا غيره، وغير الحكم الشرعي ليس هو الحكم الشرعي، سواء خالف أم لم يخالف، وافق أم لم يوافق، فلا يكون أخذهم له أخذ للحكم الشرعي. فمثلاً الزواج شرعاً إيجاب وقبول بلفظي الإنكاح والتزويج بحضور شاهدين، فلو ذهب مسلمان إلى الكنيسة وأجرى لهما القسيس عقد زواج على نظام النصراني بلفظي الإنكاح والتزويج بحضور شاهدين مسلمين، فهل يكونان قد تزوجا حسب الحكم الشرعي أم حسب غيره؟ أي هل يكونان قد حكّما ما جاء به الرسول أم ما جاءت به النصرانية المنسوخة بدين الإسلام؟ فهذه حادثة توافق الإسلام، فعلى حد ما يقولون من جواز أخذ ما يوافق الإسلام وما لا يخالف الإسلام فإن هذا الزواج عندهم يكون صحيحاً، مع أن الحكم الشرعي أن هذا الزواج باطل من أساسه، ولو كان يوافق الإسلام، لأنا نُهينا عن الأصل الذي جاء به هذا الزواج وهو دين النصرانية، ونُهينا عن الأصل الذي جاء منه هذا الزواج وهو التحاكم لغير ما جاء به الرسول الوارد في قوله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) وكل ما جاء النهي فيه عن الأصل فهو باطل ويحرم أخذه، فكان هذا الزواج باطلاً، ومثله الزواج المدني، وكذلك كل ما كان النهي فيه عن الأصل باطل يحرم أخذه، فيحرم أخذ ما لم يأت به الإسلام، سواء وافق الإسلام أم لم يوافقه، وسواء خالفه أم لم يخالفه، لأنّا فوق كوننا قد أمرنا بأخذ ما أمر به الرسول وترك ما نهانا عنه ومفهومه أن لا نأخذ غيره، فإنه قد جاء النهي صريحاً عن أخذ ما لم يأت به الرسول أي عن أخذ شيء غير ما جاء به الرسول، ويؤيد ذلك أحاديث أخرى كثيرة صريحة في هذا النهي، فعن عائشة قالت: قالت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية أخرى عنها: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس وروم؟ فقال: ومَن مِن الناس إلاّ أولئك؟) وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلت: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) فهذه النصوص صريحة في النهي عن الأخذ من غيرنا، فالحديث الأول يقول (فهو رد) والحديثان الآخران يتضمنان معنى النهي، فأخذ القوانين الغربية هو أخذ من غير الإسلام، وهو اتباع لمن هم مثل الفرس والروم والنصارى واليهود، فهو اتباع للانكليز والفرنسيين والأمريكان وأمثالهم، ولذلك يحرم أخذها بغض النظر عن كونها توافق الإسلام أم لم توافقه، تخالفه أم لم تخالفه، فإن أخذها حرام.