تتمة
لقد اعتمد العلماء في تشكيل المعارف العلمية على التجريب والاختبار والاستقراء الواسع وقاموا بوضع النظريات والقوانين , وكانت العلوم الفيزيائية والكيميائية هي المجال المناسب لتطبيق منهجهم والوصول لمعارف عالية الدقة بشكل كبير . واعتمدت العلوم الفيزيائية كأساس تبنى عليه باقي العلوم , فيتم تشكيل القوانين والنظريات والمعارف الكيميائية الدقيقة بالانطلاق من القوانين والنظريات الفيزيائية , ثم تبنى العلوم الفزيولوجية والبيولوجية وباقي العلوم .
صحيح أن المنهج العلمي الآن يواجه صعوبات كثيرة للوصول للمعارف الدقيقة في كافة المجالات , نتيجة اتساع هذه المجالات التي نتعامل معها , بالإضافة لتعقيدها الكبير , وخاصة المجال النفسي والاجتماعي والاقتصادي . ولكن يظل الكثيرون يؤمنون أن اعتماد المنهج العلمي والمعارف الفيزيائية الدقيقة التي تم التوصل لها , هو الأفضل للوصول إلى معارف عالية الدقة في تلك المجالات .
يقول " جون بروكمان " في مقال عن " الإنسانيين الجدد " :
تتمثل المستحدثات في ظهور بيولوجيا جديدة عن العقل وتحقيق تطورات مهمة تعتبر بمنزلة طفرة واسعة في ميادين البيولوجيا العصبية والذكاء الصناعي والشبكات العصبية وغيرها من الإنجازات العلمية التي تؤلف تحدياً للافتراضات القديمة عن الطبيعة البشرية وعن معنى الإنسانية .
لقد أصبح مركز الفعل العقلي – حسب تعبيره – في أيدي العلماء والمفكرين ذوي الميول العلمية , وهؤلاء هم الذين يؤلفون ( الإنسانيين الجدد ).
" فالعلم الطبيعي الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ... "هو إذاً مركز الثقل في الثقافة الجديدة على عكس ما كان عليه الوضع في الماضي غير البعيد , فلم تعد معرفة الشخص لآراء مفكرين كبار من أمثال فرويد وماركس أو الإحاطة باتجاهات الحداثة مؤهلاً أو مسوغاً كافياً لاعتبار ذلك الشخص مثقفاً لأن هذه الثقافة (لا أمبيريقية) تغفل العلم , بل إنها على أفضل الأحوال مجرد شروح على شروح أو تعليقات على تعليقات سابقة , ولا تأخذ في اعتبارها عالم الواقع بشكل دقيق , فهي ثقافة تعتمد معلومات متواضعة الدقة .
الفرق بين العلم والفلسفة
تعتمد المعارف والأفكار والتنبؤات العلمية على ثبات الأسس والمنطلقات والمراجع , ووحدتها , فهي جميعها في سلسلة مترابطة واحدة , وأحكامه لا تعتمد هلى أي تقييم سوى تقييم درجة دقة أو صحة مطابقتها مع الواقع , أما القيم البشرية الأخلاقية والذرائعية . . فلا تعتمد عليها .
أما الأفكار والمعارف الفلسفية فهي تتعدد لتعدد منطلقاتها وأهدافها وغاياتها , فهي متعدد المناهج والطرق والغايات , وتختلف في تقييمها للأمور حسب مناهجها وغاياتها .
إن التفكير الفلسفي هو شطحات فكرية , فهو لعب فكري متطور وراقي هدفه السعي لفهم مجمل أبعاد الوجود من أجل فهم حياة الإنسان , معانيها , وأسبابها , وغاياتها .
والتفكير الفلسفي يمكن اعتباره بمثابة فروض أو نظريات تحتاج لختبار ودراسة وتأكيد أو نفي لتصبح علماً دقته عالية إذا تم اختبارها على مجال واسع وثبتة صحتها .
الفن
الفن نشأ أولاً , ثم الفلسفة , ثم العلم .
فالفن موجود لدى الكثير من الكائنات الأخرى , مثل رقصات التزاوج , وبناء الأعشاش والمسكن , والغناء أو إصدار الأصوات , والتباهي بالجمال . . . فالفن نشأ أولاً لأنه مرتبط بشكل مباشر بالحياة والأحاسيس وباللذة والألم , وبالجميل والقبيح , وبالتناسق , وبالمحبوب والمكروه . . .
فالفن لدينا يسعى تذوق مجالات الوجود والحياة , وإلى تصويرها وتمثيلها , وإظهار أبعادها ومعانيها .
وبمساعدة العلوم والتكنولوجيا يستطيغ الفن بناء أو خلق تذوقات جديدة لأبعاد الحياة والوجود .
ومثلما هناك فن الحياة , هناك فن الحب , وفن الطبخ , وفن العمارة , وفن العلاقات العامة . . . وهذه الفنون تشمل تذوق الأحاسيس والمعاني لهذه المجالات .
إن هدف الفنون هو قرع الأحاسيس والانفعالات, والناس يطلبون من الفنانين منحهم أحاسيس وانفعالات الحب والحنان والعطف والمواساة والسلوى والمرح والضحك والفخر والاعتزاز والإخاء والانتماء والتشويق والهدوء والجمال واللذة والمفاجأة...., وأحاسيس الخوف والرعب المسيطر عليه, كما يطلبون التمتع بالألحان والنغمات والإيقاعات الموسيقية المرغوبة والممتعة, ويطلبون الروائح والأطعمة وكافة الأحاسيس والانفعالات الممتعة.... , فهدف ودور الفن الأساسي هو الممتع, ولا يهتم كثيراً بالمفيد أو الواجب, لذلك يمكن أن يلتقي الدين والسياسة والعلم مع الفن عند تعرضهم للأحاسيس والانفعالات.
أنواع الفنون وتدرج ظهورها
!- فنون تذوق الحب
2_ فنون تذوق الطعام
3_ فنون تذوق الأصوات والألحان والإيقاعات
4_ فنون الرقص
5_ فنون, الرسم
6_ القصص والأساطير والشعر والملاحم, بعد نشوء اللغة, ثم نشوء المسرح
7_ القصة والرواية والمسرحية الحديثة والمقروءة وباقي الفنون الحديثة الكثيرة .
8_ السينما والتلفزيون
9_ الواقع الافتراضي
ما هو الفن؟ لماذا يمارسه الإنسان بهذه الرغبة وهذا الشغف؟
الفن هو كل الأعمال البشرية التي تحدث الأحاسيس والانفعالات المرغوبة أي كل جميل وممتع أومرغوب , وينشئه الإنسان بدافع ممارسة وتذوق الأحاسيس والمشاعر أوالأفكار, وذلك نتيجة دوافع فكرية ومادية ذاتية واجتماعية . وهدف الفن في المحصلة هو إحداث الأحاسيس المرغوبة للذات أو للآخرين , والفن بذلك ينمي و يوسع الأحاسيس والمشاعر والوعي والإدراك للذات والوجود .
إن الإنسان الفنان يستخدم كافة العناصر والإمكانيات المتاحة له ليشكل إنتاجه الفني فهو يستخدم إما الأصوات والنغمات والإيقاعات أو الخطوط والأشكال والألوان أو المأكولات أو الكلمات والمعانيأو المنشآت والمباني ... وكل ما ينتج أحاسيس الممتعة لديه ولدى الآخرين , وأي انتاج فني لا يمكن الإحساس به و تذوقه من قبل الآخرين إلا إذا كانوا قادرين على تلقي رموزه وإشاراته وتأثيراته ويستطيعون الاستجابة لها وتمثل ما تحدثه من أحاسيس, فهناك ما يشبه الإرسال والاستقبال في عملية تلقي الفن وتذوقه, فيجب ن تراعى خصائص المستقبل وقدراته .
كان لتنوع وتطور الأحاسيس دوراً كبيراً في تنوع الفنون البشرية فتذوق كافة أنواع الفنون يشمل كافة مناحي وجودنا الواعي- الشعور والإحساس- وغير الواعي , بالإضافة إلى مجمل حاجات جسمنا .
إن الفنان يبدع أو يحضر ويصنع فنه بدافع ذاتي وأيضاً من أجل الآخرين الذين يعيشون لإطلاعهم على ( ما يرى عمله هذا ) يحدث أحاسيس جميلة أو لذيذة أو مدهشة أو عجيبة , أي مرغوبة . وهو يستهدف غالباً عند صنع أوإبداع عمله الفني , الأحاسيس والأفكار والدوافع المشتركة بينه وبين هؤلاء الذين يقدم لهم إنتاجه الفني .
فبواسطة فكره و قدراته , والعناصر والآليات التي يستعملها , يقوم بإنتاج عمله الفني , فإذا أحدثت التأثيرات المطلوبة أوأي تأثيرات مرغوبة لدى الذين تلقوها وتناولوها وتذوقوها, يكون عندها نجح في إنتاج فنه , بالإضافة إلى أنه يكون حقق دوافعه الذاتية التي كانت سبباً ودافعاً لإنتاج هذا الفن.
والفنان المبدع المتمكن من فنه وصنعته- بوعي وإدراك وعلم , أو بدون ذلك- هو المتمكن من معرفة أو حدس خصائص الأحاسيس لديه ولدى الآخرين , بالإضافة لتمكنه من العناصر والآليات التي يستعملها في فنه ويوظفها بفاعلية جيدة, فهو متمكن من قرع- أوعزف- الأحاسيس المطلوبة والمرغوبة في عقول الذين يستهدفهم بفنه . ويمكن أن يفشل الفنان في جعل الآخرين يتأثرون ويتذوقون فنه مع أنه أنتج فناً يمكن أن يحدث الأحاسيس الجميلة واللذيذة, وذلك لأنه لم يقدم إنتاجه للذين يستطيعون فهمه والقدرة على تذوقه , أو لأن الذين يستطيعون تذوق فنه قلائل جداً, وهذا يجعل إنتاجه غير صالح للانتشار, وبالتالي يهمل .
الفن والأدب
إن الأدب بشكل خاص يمتاز عن باقي الفنون في قدرته على تنويع وتوسيع الأحاسيس التي يستطيع أن يقدمها , فالأحاسيس التي يستطيع الأدب أن يحدثها لدى متلقيه هائلة التنوع والاتساع وعالية التطور, فحتى السينما وقدراتها الهائلة لا تستطيع أن تنافس الأدب في مجالات كثيرة, وهي لابد أن تستعين بالأدب .
فللأدب قدرة على كشف وتمثيل- ترميز- أعقد الأحاسيس والمشاعر والأفكار الإنسانية ونقلها إلى الآخرين, وقد بلغت قدرات الأدب الآن مستويات عالية جداً في إحداث الأحاسيس والمشاعر المتطورة والمعقدة, إن المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي يخلقها الأدب لا يمكن أن تبزها أية مشاعر أخرى, فحتى الواقع الافتراضي – الآن- لا يمكنه أن يتفوق على الأدب, إلا إذا استعان بالأدب نفسه .
إن قراءة رواية أو مسرحية... هو بمثابة أن نعيش ونشعر أحداثها وحياة شخصياتها, أما قراءة نقد أدبي متطور فهو بمثابة أن نعيش ونشعر ونعي وندرك حياة البشر والعلاقات في هذا الوجود.
إن الفن وكذلك الأدب ليس هدفه الأساسي المعرفة أوالإصلاح والإرشاد فهو يتجاهل الكثير من المعارف الأساسية في أحيان كثيرة, وذلك في سبيل عزف الأحاسيس والانفعالات المطلوبة لدى متلقيه.
إن الدين من أهدافه أيضاً عزف الأحاسيس الجميلة والسعيدة ولكن ليس هذا هدفه الأساسي فهدف الدين الأساسي هو الخير والمفيد للفرد وللمجتمع , وهذا يجعل الدين يتفوق على الأدب في إقبال الناس عليه وهذا ما نلاحظه بوضوح .
هناك فن بدأ يتشكل وينمو بسرعة إن هذا الفن سوف يمكننا مستقبلاً- وهذا ليس ببعيد- من تذوق وعي وأحاسيس تماثل ما نعيشه أثناء الأحلام ولكن في المجالات التي نريد ونرغب بها وبالخصائص والمقدار والشدة التي نريد , فالأحاسيس التي يتم تذوقها من قراءة أو سماع قصص ألف ليلة وليلة أو غيرها من القصص والملاحم والأساطير.. وكذلك ما يمكن تذوقه من أحاسيس ومشاعر وانفعالات من ممارسة كافة هذه الأنواع بالإضافة إلى أحاسيس الأحلام كل هذا سوف يكون متاحاً مثله وأكثر بواسطة فن الواقع الافتراضي .
فهذا الفن سوف يمكننا من عزف الأحاسيس والمشاعر والانفعالات التي نريد لدى أي إنسان, فالجهاز العصبي للإنسان والقدرات الهائلة على الإحساس والوعي التي يملكها تمكننا من ذلك , إذا كنا نملك القدرات اللازمة للتحكم بالمداخل الحسية الذاهبة إلى دماغه.
إن الأحاسيس والانفعالات التي يتذوقها المتصوف أو المتعمق في الدين والإيمان ,أوالفيلسوف , أوالفنان , أوالعالم ...., سوف لن تكون مستحيلة التناول في الواقع الافتراضي , صحيح أن الأدب والسينما استطاعا عزف كمية هائلة من أنواع الأحاسيس والانفعالات لدى المتلقين, ولكن الآتي أعظم بكثير . وبالإضافة إلى كل ذلك فسوف يتم توسيع و تنويع جديد لأحاسيسنا وانفعالاتنا التي نملكها الآن بواسطة التقدم الذي سوف يحصل في العلوم الفسيولوجية والتكنولوجية, فسوف يخفف الألم وتتم السيطرة عليه وتلغى أشكاله القوية, وسوف تصنع أو تشكل أحاسيس جديدة بواسطة التحكم الفسيولوجي والعصبي - في المستقبل - .
كما ذكرت أننا , الآن نتذوق الفنون من طبخ وحب وموسيقى وأدب وسينما....الخ بالإضافة إلى تذوقنا للعلاقات الاجتماعية من صداقة وتعاطف وانتماء وحب تملك وحب سيطرة.... و الكثير منا يحصر مجال تذوقه في وجبات معينة ويدمن عليها, فهناك من يجمع المال أو أي نوع من جمع الممتلكات ويتذوق لذة الجمع هذه وهو على الأغلب سوف يعاني ألم الخسارة التي لا بد من حصولها غالباً , وهناك من يسعى لتذوق أحاسيس السيطرة والتحكم والفوز بالصراعات والتنافسات فهو دوماً بين قطبي اللذة والألم الربح والخسارة وحياته الحسية مبنية على ذلك.
ولكن تذوق الأدب و الفنون يكون غالباً في مجال اللذة والسعادة بكميات غير محدودة ولا تقيدها آلية الشحن والتفريغ , كما في حالة إرواء الدوافع والغرائز الأساسية - مثل لذة الطعام المحدودة بالجوع والشبع-, و ليست خاضعة لضرورة الارتفاع المستمر في المستوى أو الشدة للاستمرار في الحصول على اللذة والسعادة , فالفنون بتنوعها وكثرة مجالاتها تسمح بتجاوز الإشباع والتحديد للأحاسيس .