الطور الأول
(( بصري ))
زمنه : من عصر أبي الأسود الدؤلي إلى أول عصر الخليل بن أحمد .
هذا هو الطور الذي استأثرت به البصرة بينما الكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والنوادر زهاء قرن كامل ,
اشتغل طبقتان من البصريين بعد أبي الأسود في النحو حتى تأصلت منه أصول كثيرة , وعرفت بعض أبوابه ,
أفذاذ الطبقة الأولى : ( عنبسة بن معدان الفيل , نصر بن عاصم الليثي , عبد الرحمن بن هرمز , يحي بن يعمر العدواني ) ولم يدرك أحد من رجال هذه الطبقة الدولة العباسية .
لم تنبت عند هذه الطبقة فكرة القياس وإنما كان نحوهم مبنيا على السماع بالرواية , وبالتالي لم يكن هناك ثمة خلاف بينهم إذ أنهم قريبو عهد بسلامة السليقة , كذلك لم تقو حركة التصنيف بينهم , فلا نكاد نجد لهم كتبا منظمة مبوبة ,إذ كان جل اعتمادهم على حفظهم في صدورهم , ورواياتهم بلسانهم , وإن كان قد ذكر بعض المؤرخين أن أستاذ هذه الطبقة أبا الأسود الدؤلي قد وضع مختصرا لما سبق بيانه .
أما الطبقة الثانية التي كانت أكثر عددا من سابقتها فقد كانت أوفر حظا في هذا الشأن , إذ تلقفوا أصول العلم , فازدادت المباحث فيهم وأضافوا إليه كثيرا من القواعد , ونشأت حركة النقاش بينهم , فجدت في تتبع النصوص واستخراج الضوابط , واستطاعت التصنيف , فدونوا فيه كتبا كثيرة مفيدة .
أفذاذ هذه الطبقة : ( عبد الله بن اسحاق الحضرمي ) الذي يقول فيه أبو الطيب : ( وكان يقال عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم ففرع النحو وقاسه ) وكان عبد الله الحضرمي يخطيء الفرزدق كثيرا حتى هجاه الفرزدق , وهناك ( عيسى بن عمر الثقفي )صاحب الكتابين ( الجامع ) و ( الإكمال ) , وقد نوه عن فضلهما الخليل بن أحمد إذ قال :
ذهب النحـْو جميعــًـا كلـــــــه
_____________ غير ما أحدث عيسى بن عمرْ
ذاك إكمـــــالٌ وهــــــذا جامع
_____________ فهما للنـــــــاس شمسٌ وقمرْ
وهناك أيضا ( أبو عمرو بن العلاء ) صاحب التصانيف الكثيرة
ورجال هذه الطبقة أظلتهم جميعا الدولة العباسية خلا عبد الله بن أبي اسحاق الذي مات سنة 117 هـ أي قبل الدولة العباسية بخمس عشرة سنة .
لم ينقض هذا الطور حتى وفق العلماء إلى وضع طائفة كبيرة من أصوله دفعتهم إلى التزيد فيها , فاختمرت بينهم فكرة التعليل التي بدأها ابن أبي اسحاق , كما أنه أول من نشط القياس , وأعمل فكره فيه , وخرَّج مسائلَ كثيرة عليه , ووافقه عليه عيسى بن عمر , وخالفهما بعض معاصريهما , فانفسح ميدان القول في هذا العلم , وتداولوه في كتبهم التي تساير روح هذا العهد , فقد كانت مزيجا من النحو والصرف واللغة والأدب وما إلى ذلك من علوم العربية , لأن هذه الفروع كانت متداخلة آخذا بعضها بحجز بعض , لقرب الوشيجة بينها في الغرض والمقصد
(( وشَجَ الشيء يشِجُ وشْجا : تداخل وتشابك والتف , ( الواشجة ) : الوشيجة أي الرحم المتصلة المشتبكة . ))
فكان الأديب حينذاك نحويا صرفيا لغويا , والنحوي أديبا لغويا صرفيا ... وهكذا
يحملنا على هذا الكلام ما روي عنهم في نقاشاتهم ومحاوراتهم إذ أن مؤلفاتهم لم تصل إلينا حيث طارت بها عواصف الأيام .