الإحكام في ذوق الحكام
كلما رأيت أصحاب المعالي الوزراء ومن على شاكلتهم من المسؤولين رفيعي المستوى والألقاب ممن أسندت إليهم إدارة دوائر هامة في البلاد كلما رأيتهم يمثلون بين أيدي أصحاب الجلالة والفخامة أشفقت عليهم وهم ينحنون إذا كانوا واقفين، ويقفون إذا كانوا جالسين، وينتصبون كأنهم خشب مسندة، يبتسمون إذا ابتسم صاحب الجلالة والسمو وصاحب الفخامة، ويتجهمون إذا تجهم، ينبسطون إذا انبسط، و يسترخون إذا استرخى، وينقبضون إذا انقبض وكأنهم آلات تستجيب بضغطة زر للحالة التي هم عليها وقد غاضت من وجوههم الحياة وملامح البشر الأسوياء.
وكلما كنت أرى وزراء ومسؤولين كبار يقبلون يد الملك الحسن الثاني ومنهم من هو أكبر سناً منه يقشعر بدني، ويهتز كياني، وأستشعر رغبة بالتجشؤ ثم أفيق، وأحمد الله أنني لم أبتل بمثل ما ابتلي به هؤلاء الذين فقدوا كرامتهم واسترخصوا مروءتهم وهمة الرجال فيهم!!
والأمور بعد رحيل الآباء وتسلم الأبناء السلطة تطورت الأمور؛ إذ الأذواق تتطور كما الأجسام، وكلما كبر الإنسان المفروض أن يزداد شفافية وإحساسًا بالكرامة واحترام النفس؛ ولكن الأمور ازدادت سوءًا؛ فقد فقدت الدول هيبتها باستلام الأبناء الذين لا يخفى على البصير افتقادهم للخبرة في العمل السياسي والحنكة والدراية. فهل يعقل أن يقبل الأب يد ابنه، كيف يقبل الملك الحسن السادس لوزراء ومسؤولين كبار أن يقبلوا يده؟ كيف يقبل ملك كالملك الفلاني أن يخاطبه وزير أو ضابط أو مسؤول كبير بسيدي أو مولاي وهو أصغر منه ...!!
إن هذه الألفاظ أو الألقاب تدل على فراغ المخاطب وخوائه وعدم جدارته، ولقد دخلت مرة على أستاذ جامعي، وكان نائبًا لرئيس الجامعة التي كنت أدرس فيها دراسات عليا، وقد لمحت ورقة أمامه موجهة إلى ولي عهد ذلك البلد يخاطبه بمولاي صاحب السمو الملكي ................
ولقد استهجنت ذلك من أستاذ جامعي برتبة أستاذ مميز (بروفيسور) أن ينحدر بلغة الخطاب إلى هذا المستوى والمخاطب من جيل أبنائه.
الآن أدركت أن النظم السياسية في العالم العربي لا تحب النظيف ولا تستقطب الشريف. وكل من يستعصي على الترويض والتطبيع فإنه يغرد خارج السرب ويُستبعد؛ لأنه يعيش في جو غير جوّه ومع أناس ليسوا من طينته وهواهم غير هواه، والمثال في حياتهم غير المثال الذي يحمله، لذلك يجد نفسه غريباً بينهم، وهكذا كان فانسحبت متخليا عن درجتي الجامعية العليا التي كنت على وشك الحصول عليها ...