منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
عرض مشاركة واحدة
قديم 14-04-2006, 10:39 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عمر الشادي
أقلامي
 
إحصائية العضو






عمر الشادي غير متصل


Smile


إن علم الدين يا أخ نايف لا يؤخذ برأيك، فلو كان الدين بالرأي كما تعلم لكان المسح على الخف من أسفل، والحقيقة أنك اخذت بشبهات لا يقع فيها إلا العامي الذي لم يكن له حظ من الاطلاع على ما ثبت عن علماء أهل السنة والجماعة كما ترى في المداخلات السابقة التي كنت أتمنى لو أنك قرأتها بتمعّن قبل أن تضع ردك هذا الذي احتوى على أخطاء عديدة..

فرغم معرفتك بموافقة العلماء على إقامة احتفالات المولد وعمل السواد الأعظم من المسلمين بذلك: ترفض الأخذ بفتاويهم وتنتصر لرأيك وكأنك أفقه من ابن حجر أو أوسع علما من السيوطي أو أعلى درجة علمية من النووي والحوار العلمي لا يبتنى على وجهات النظر الشخصية لا سيما في أمور الدين الحنيف وإنما لا بدّ فيه من اتباع أهل العلم من أئمتنا الكرام نجوم الهدى وشموس المعرفة..

تسألنا فتقول: "فهل كان مولد رسول الله حجة على الناس" ثم تنكر هذا بل وتزعم أن ليس في ذلك فضل من الله على هذه الأمة بمولده صلى الله عليه وسلم، فما هذا التحكّم العجيب وما هذا الكلام الغريب حتى الوهابية الجفاة الغلاظ لم أسمعهم يقولون بمثله بل يقرّون بفضل الله على الأمة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأنت تزعم أن الفضل محصور بالبعثة وهل كانت البعثة لتكون لولا المولد يا نايف!

إن ترك تعلم علم الدين من أفواه العلماء الثقاة يوصل بالمرء إلى مثل هذا الكلام العجيب الذي يخالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وليس أدلّ على ذلك من تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مولده بالصيام يوم الاثنين من كل أسبوع فيما رواه مسلم في صحيحه ورواه غيره كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سُئل عن سبب صومه الاثنين ما نصه: ((يوم ولدت فيه)). فهل نأخذ بكلامك الذي تزعم فيه أن ليس لمولد النبي فضل أم نأخذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

يا نايف والله إني ناصح ولست بفاضح ولست أبالي ان أكسر حجتك أو مائة من أمثالك ولست بطالب شهرة وظهور وإلا لكنت في هذه الدقائق أعمل في غير هذا، فإياك إياك أن تقول إنه لم تبد من النبي أية حجة في بلاغ قبل البعثة وإلا فهو من قبل البعثة الصادق المصدوق الطاهر المطهر وقد ظهرت فيه البشائر قبل البعثة أنه نبي ءاخر الزمان وهو دعوة أبيه إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمه أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام عند ولادته وهو الذي اختاره الله واصطفاه من بني هاشم الذين اصطفاهم من قريش التي اصطفاها من كنانة التي اصطفاها من من ولد إسمعيل الذي اصطفاه من ولد إبراهيم كما روى الترمذي.

أما قوله عليه الصلاة والسلام: "دعوة أبي ابراهيم" فهو أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت دعا ربه فقال: {رب اجعل هذا بلدًا ءامنًا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر} [سورة البقرة]، ثم قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [سورة البقرة] فاستجاب الله تعالى دعاءه في نبينا صلى الله عليه وسلم وجعله الذي سأله إبراهيم عليه السلام.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "وبشرى عيسى ابن مريم" فهو أن سيدنا عيسى عليه السلام بشّر قومه بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر القرءان الكريم حكاية عن عيسى عليه السلام: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يديَّ من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [سورة الصف].
والمقصود أن ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة شريفة عظيمة مباركة، ظاهرة الأنوار، جليلة المقدار، أبرز الله تعالى فيها سيدنا محمدًا إلى الوجود، فولدته ءامنة في هذه الليلة الشريفة من نكاح لا من سفاح، فظهر له من الفضل والخير والبركة ما بهر العقول والأبصار، كما شهدت بذلك الأحاديث والأخبار.

وقد ظهرت لمولد النبي صلى الله عليه وسلم ءايات كثيرة، منها ما رواه البيهقي وابن عساكر وغيرهما بإسنادهم إلى هانىء المخزومي قال: "لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار الفرس، ولم تَخمُد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة سَاوة.
وفي سقوط أربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه لم يبق من ملوك الفرس إلا أربعة عشرة ملكًا وكان ءاخرهم في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وأما نار فارس التي كانوا يعبدونها من دون الله والتي كانت توقد وتضرم ليلاً ونهارًا فانطفأت.
وأما بحيرة ساوة التي كانت تسير فيها السفن فقد جف ماؤها.
ومن الآيات التي ظهرت لمولده صلى الله عليه وسلم أن الشياطين رميت وقذفت بالشهب من السماء، وحُجب عنها خبر السماء كما ذكر بعض العلماء، لكن المشهور والمحفوظ أن قَذف الشياطين بالشهب عند مبعثه صلى الله عليه وسلم.
ومنها أن إبليس حُجب عن خبر السماء فصاح ورنَّ رَنَّةً عظيمةً كما رنَّ حين لُعن، وحين أخرج من الجنة، وحين وُلد النبي صلى الله عليه وسلم، وحين نزلت الفاتحة.
ذكر ذلك الحافظ العراقي في المورد الهني عن بقي بن مَخْلَد.
ومنها ما سُمع من أجواف الأصنام ومن أصوات الهواتف بالبشارة بظهور الحق في وقت الزوال.
وهو الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم كما قال مما رواه البيهقي.
ولا يخفى عليكم زملائي القراء ما ظهر من البشائر التي رافقت رحلته مع مرضعته حليمة السعدية وكان عم السعد دارها حتى إنها كانت تقول: فنشرب ما شئنا من اللَّبن وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها فيقولون لرعائهم: ويلكم ألا تُسَرّحُون حيث يُسرح راعي حليمة؟".
وما تبع ذلك من شق الملائكة لصدره الشريف صلى الله عليه وسلم، واستخراجهم لقلبه الشريف واستخراج علقة منه قيل فيها إنها حظ الشيطان ثم غسلوا القلب في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأموه، قال أنس: "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره".
ولست بمعرض استعراض كا ما يروى عن بشائر ظهوره التي سبقت البعثة ولكني أختم بهذه الفائدة:
قد أقسم الله بعمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال عزّ وجلّ: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [سورة الحجر]. فهو عمر مبارك من بدايته معظّم عند الله تبارك وتعالى فكيف لا يكون كذلك عندنا!؟

اما استخدامك لحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" فيدل على كونك لم تقرأ ما سبق من مداخلتي بل سارعت إلى المشاركة بدون اتباع منهجية علمية صحيحة ولذلك اسمح لي أن أضع بين يديك والزملاء القراء هذا الباب الخاص في تحقيق معنى البدعة وحكمها.

اعلم أن البدعة لغة ما أحدث على غير مثال سابق يقال: جئت بأمر بديع أي محدث عجيب لم يعرف قبل ذلك. وفي الشرع المحدَثُ الذي لم ينص عليه القرءان ولا جاء في السنة، قال ابن العربي: "ليست البدعة والمحدَث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معنييهما، وإنما يذم من البدعة ما يخالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة" اهـ.

أقسام البدعة:

والبدعة تنقسم إلى قسمين:
بدعة ضلالة: وهي المحدَثة المخالفة للقرءان والسنة.
وبدعة هدى: وهي المحدَثة الموافقة للقرءان والسنة.

وهذا التقسيم مفهوم من حديث البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ورواه مسلم بلفظ ءاخر وهو: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". فأفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"ما ليس منه" أن المحدَث إنما يكون ردًّا أي مردودا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدَث الموافق للشريعة ليس مردودًا.

وهو مفهوم أيضًا مما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء".

وفي صحيح البخاري في كتاب صلاة التراويح ما نصه: "قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك"، قال الحافظ ابن حجر: "أي على ترك الجماعة في التراويح". ثم قال ابن شهاب في تتمة كلامه: "ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنه".

وفيه أيضًا تتميمًا لهذه الحادثة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: "نعم البدعة هذه".ا.هـ. وفي الموطأ بلفظ: "نِعمت البدعة هذه".

قال الحافظ ابن حجر: "قوله قال عمر: "نعم البدعة" في بعض الروايات "نعمت البدعة" بزيادة التاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة"ا.هـ.
ومراده بالأحكام الخمسة: الفرض والمندوب والمباح والمكروه والحرام.

وأخرج البخاري في صحيحه عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: "من المتكلم" قال: أنا، قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول".

قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: "واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور" اهـ.

وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه كان يزيد في التشهد: "وحده لا شريك له"، ويقول: "أنا زدتها" اهـ.

وقال النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات ما نصه: "البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وءاله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الإمام الشيخ المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمد عبد العزيز ابن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في ءاخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة" ا.هـ. كلام النووي.

وقال ابن عابدين في رد المحتار ما نصه: "فقد تكون البدعة واجبة، كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب" اهـ.

وقال النووي في روضة الطالبين في دعاء القنوت ما نصه: "هذا هو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد العلماء فيه: "ولا يَعِزُّ من عاديت" قبل: "تباركت وتعاليت" وبعده: "فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك". قلت: قال أصحابنا: "لا بأس بهذه الزيادة". وقال أبو حامد والبَنْدَنِيجيُّ وءاخرون: "مستحبة" اهـ كلام النووي.

وروى الحافظ البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي رضي الله عنه قال: "المحدَثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة" اهـ.

من البدع المستحبة:

* الرهبانية التي ابتدعها أتباع المسيح عليه السلام:
قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} [سورة الحديد] فهذه الآية يستدل بها على البدعة الحسنة، لأن معناها مدح الذين كانوا من أمة عيسى المسلمين المؤمنين المتبعين له عليه السلام بالإيمان والتوحيد، فالله تعالى مدحهم لأنهم كانوا أهل رأفة ورحمة ولأنهم ابتدعوا رهبانية، والرهبانية هي الانقطاع عن الشهوات حتى إنهم انقطعوا عن الزواج رغبة في تجردهم للعبادة.
فمعنى قوله تعالى: {ما كتبناها عليهم} أي نحن ما فرضناها عليهم إنما هم أرادوا التقرب إلى الله، فالله تعالى مدحهم على ما ابتدعوا مما لم ينصَّ لهم عليه في الإنجيل ولا قال لهم المسيح بنص منه، إنما هم أرادوا المبالغة في طاعة الله تعالى والتجرد بترك الانشغال بالزواج ونفقة الزوجة والأهل، فكانوا يبنون الصوامع أي بيوتًا خفيفة من طين أو من غير ذلك على المواضع المنعزلة عن البلد ليتجردوا للعبادة.

* سن خبيب ركعتين عند القتل:
ومنها: إحداث خبيب بن عدي ركعتين عندما قُدّم للقتل، كما روى ذلك البخاري في صحيحه قال ما نصه: "حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينًا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عُسفان ومكة ذُكروا لحيّ من هُذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا ءاثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب، فتبعوا ءاثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدْفَد، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللّهم أخبر عنّا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل ءاخر فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحرث بن عامر ابن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحرث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحرث ليستحد بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللَّهم احصهم عددًا ثم قال:

فلستُ أُبَالِي حينَ أُقْتَلُ مسلمًا على أي شقّ كَانَ لله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأْ يُبارك على أوصالِ شِلوٍ ممزّعِ

ثم قام إليه عقبة بن الحرث فقتله وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشىء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلَّة من الدَّبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شىء" اهـ.

* نقط يحيى بن يعمر المصاحف:
ومنها: نقط المصاحف وقد كان الصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقط، وكذا عثمان بن عفان لما كتب ستة مصاحف وأرسل ببعضها إلى الآفاق إلى البصرة ومكة وغيرهما واستبقى عنده نسخة كان غير منقوط. وإنما أول من نقط المصاحف رجل من التابعين من أهل العلم والفضل والتقوى يقال له يحيى بن يعمر. روى ابن أبي داود السجستاني في كتابه المصاحف قال: "حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله المخزوميُّ، حدثنا أحمد بن نصر بن مالك، حدثنا الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى قال: "أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر" اهـ. وكان قبل ذلك يكتب بلا نقط. فلما فعل هذا لم ينكر العلماء عليه ذلك، مع أن الرسول ما أمر بنقط المصحف.

* زيادة عثمان رضي الله عنه أذانًا ثانيًا يوم الجمعة:
وهذه بدعة أحدثها عثمان رضي الله عنه ففي صحيح البخاري ما نصه: "حدثنا ءادم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال:"كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداءَ الثالث على الزَّوراء".

قال الحافظ في الفتح ما نصه: "وله في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، قال ابن خزيمة: قوله: "أذانين" يريد الأذان والإقامة، يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام كما تقدم في أبواب الأذان" اهـ.

ثم يقول: "قوله "زاد النداء الثالث" في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب فأمر عثمانُ بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا وباعتبار كونه جُعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولاً، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين: "أن التأذين بالثاني أمر به عثمان".
وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. اهـ.

* الجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان:
ومنها: الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وحدث هذا بعد سنة سبعمائة، وكانوا قبل ذلك لا يجهرون بها.

* كتابة (صلى الله عليه وسلم) عند كتابة اسم النبي:
ومنها: كتابة صلى الله عليه وسلم عند كتابة اسمه، ولم يكتب النبي ذلك في رسائله التي أرسل بها إلى الملوك والرؤساء وإنما كان يكتب من محمد رسول الله إلى فلان.

* الطرق التي أحدثها بعض الصالحين:
ومنها: الطرق التي أحدثها بعض أهل الله كالرفاعية والقادرية وغيرهما وهي نحو أربعين طريقة، فهذه الطرق أصلها بدع حسنة، ولكن شذ بعض المنتسبين إليها وهذا لا يقدح في أصلها.



بدعة الضلالة

وهي على نوعين:
بدعة تتعلق بأصول الدين، وبدعة تتعلق بفروعه.

فأما البدعة التي تتعلق بأصول الدين: فهي التي حدثت في العقائد وهي مخالفة لما كان عليه الصحابة في المعتقد، وأمثلتها كثيرة منها:

* بدعة إنكار القدر: وأول من أظهرها معبد الجهني بالبصرة، كما في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر ويسمى هؤلاء القدرية، فيزعمون أن الله لم يقدّر أفعال العباد الاختيارية ولم يخلقها وإنما هي بخلق العباد بزعمهم، ومنهم من يزعم أن الله قدَّر الخير ولم يقدّر الشرَّ، ويزعمون أن المرتكب للكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، وينكرون الشفاعة في العصاة، ورؤية الله تعالى في الجنَّة.

* بدعة الجهمية: ويسمون الجبرية أتباع جهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبور في أفعاله لا اختيار له وإنما هو كالريشة المعلقة في الهواء يأخذها الهواء يمنة ويسرة.

* بدعة الخوارج: الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه، ويكفّرون مرتكب الكبيرة.

* بدعة القول بحوادث لا أول لها، وهي مخالفة لصريح العقل والنقل.


وأما البدعة التي تتعلق بالفروع فهي المنقسمة التقسيم المذكور ءانفًا.

ومن البدع السيئة العملية:

* كتابة (ص) عند كتابة اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأسوأ منه وأقبح (صلعم).

* ومنها تيمم بعض الناس على السجاد والوسائد التي ليس عليها غبار التراب.

* ومنها تحريف اسم الله كما يحصل من كثير من المنتسبين إلى الطرق، فإن بعضهم يبدءون بـ "الله" ثم إما أن يحذفوا الألف التي بين اللام والهاء فينطقون بها بلا مدّ، وإما أن يحذفوا الهاء نفسها فيقولون "اللاَّ"، ومنهم من يقول "ءاه" وهو لفظ موضوع للتوجع والشكاية بإجماع أهل اللغة، قال الخليل بن أحمد: لا يجوز حذف ألف المد من كلمة الله.

فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن العرباض بن سارية: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".

فالجواب: أن هذا الحديث لفظه عام ومعناه مخصوص بدليل الأحاديث السابق ذكرها فيقال: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث على خلاف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الأثر.

قال النووي في شرح صحيح مسلم ما نصه: "قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة" هذا عام مخصوص والمراد به غالب البدع". اهـ. ثم قسم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة. وقال: "فإذا عُرِف ما ذكرته عُلم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: "نعمت البدعة"، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصًا قوله: "كل بدعة" مؤكدًا بكل، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تدمر كل شىء} [سورة الأحقاف]" اهـ.

وهذا التقسيم ذكره الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام في ءاخر كتاب القواعد مع شىء من التفصيل، ونقله عنه الحافظ في الفتح.

فما بقي لكم إلا اتباع علماء أهل السنة والجماعة فيما ثبت عنهم من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة وجواز عمل المولد النبوي الشريف، فلا تأخذكم نفوسكم بالكبر والرياء والتعنت فالحق أحق أن يتّبع، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.