الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الحوار العلمي بين أهل السنة والجماعة، يحتاج أن يرتكز على ما ثبت عن علمائهم وليس عن رموز الطائفة الوهابية، فلا نترك قول الإمام الشافعي لنأخذ بكلام المدعو ناصر الدين الألباني الذي هو من أهل هذا العصر!
وقبل أن تدافع عن الألباني يا ياسر، ليتك دافعت عن إمامنا الشافعي رضي الله عنه، فالعيب فيما قاله الألباني وليس فيما ثبت عن الإمام الشافعي وهو من أكابر أئمة السلف الصالح.
وليتك لم تخرج عن مرتكزات الحوار العلمي فالقراء قرأوا كل ما اوردته انا من أقوال علماء أهل السنة والجماعة وعلموا أن الاحتفال بالمولد ما هو إلا فعل مستحسن يدل على حبنا لرسول الله وشكرنا لله تعالى على بروز هذه النعمة المهداة ألا وهي مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المولد كان بفضل من الله تعالى، والله يقول: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}.
وأنت يا هند، كيف تتركين ما ثبت لك عن الإمام ابن حجر العسقلاني امير المؤمنين في علم الحديث لتتبعين رواية لا تعرفين سندها ولا معناها، بل رأيتك تتجاوزين كل أقوال علماء أهل السنة والجماعة ولم تعلقي مثلا على تقسيم الإمام الشافعي للبدع إلى نوعين بدعة ضلالة وبدعة هدى، بل اتهمتيني بأني شتمتك لمجرد أني ذكرت أبياتا قالها أبو حيان الأندلسي رحمه الله وهو من أهل القرن السابع وإنما كان قصدي أن أبيّن مخاطر تلقي علم الدين من غير مصادره.
ثم نحن أهل السنة والجماعة من المذاهب الأربعة لم نقل بوجوب عمل المولد إنما بمشروعيته، يعني نقول إنه فعلٌ مستحسن فيه ثواب لمن عمله، ولا نقول إنه فرض واجب على المسلمين، من هنا يتبيّن لك كيف أنك لا تقرئين جيدا للأسف الشديد.
أقول لك قال الشافعي وقال ابن حجر العسقلاني وقال النووي وقال السخاوي وتقولين لي ما نصه: "أنا لا أرى.." فمن سألك عما ترينه انت في حكم الدين!؟ فهل أنت فقيهة؟ هل انت عالمة؟

أما ما نقلتيه عن مالك فقد بيّنا لك أن الشاطبي كان ينكر المصطلح أي تسمية البدعة ولا ينكر الاستحداث طالما قام له أصل ودليل، ثم إن صحّ سندٌ لهذه الرواية –إن صحّ- فالمعنى محمول على البدعة التي يراها فاعلها حسنة ويراها المجتهدون سيئة، ثم اعلمي أن فقهاء المذهب المالكي كانوا سيكونون كلهم على تحريم ان يستحدث أحد شيئا في الدين ولو كان موافقا للشرع وقام عليه دليل، بينما أن ((الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي)) نقل إجماع المالكية على تقسيم البدعة هذا التقسيم فقال في كتاب المعيار المعرب (ج1/357-358) ما نصه: "وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام"، ثم ذكر الأقسام الخمسة وأمثلة على كل قسم ثم قال: "فالحق في البدعة إذا عُرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بها".
فكان يكفيك بعد كل هذا البيان أن لا تتأثري بقول رجل من أهل هذا العصر خالف السلف الصالح وأختم بإيراد الأدلة على أن المذاهب السنية الأربعة على تقسيم البدعة إلى بدعة هدى وبدعة ضلالة فهاكم:
أقسام البدعة حسب المذاهب الأربعة
والبدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة وهي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام كما نص عليه العلماء من المذاهب الأربعة، وسأذكر الآن من نص على هذا التقسيم من علماء المذاهب الأربعة:
المذهب الحنفي:
1- الشيخ ابن عابدين الحنفي حيث قال في حاشيته (1/376): "فقد تكون البدعة واجبة كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب"، انتهى.
2- الإمام بدر الدين العيني حيث قال في شرحه لصحيح البخاري (ج11/126) عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة" وذلك عندما جمع الناس في التراويح خلف قارىءٍ وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعاً متفرقين: "والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم البدعة على نوعين إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة"، انتهى.
المذهب المالكي:
1- الإمام محمد الزرقاني المالكي حيث قال في شرحه للموطأ (ج1/238) عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة هذه": ".. فسماها بدعة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسنّ الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة ما أُحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعا على مقابل السنة وهي ما لم يكن في عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة"، انتهى، والأحكام الخمسة هي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام كما ذكرناه سابقا.
2- الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي وقد نقل إجماع المالكية على تقسيم البدعة هذا التقسيم فقال في كتاب المعيار المعرب (ج1/357-358) ما نصه: "وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام"، ثم ذكر الأقسام الخمسة وأمثلة على كل قسم ثم قال: "فالحق في البدعة إذا عُرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بها".
المذهب الشافعي:
1- سلطان العلماء العز بن عبد السلام حيث قال في كتابه "قواعد الأحكام" [ج2/172-174]: "البدعة منقسمة إلى: واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة"، ثم قال: "والطريق في ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة"، انتهى.
2- الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث حيث قال في الفتح (ج4/298) عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نعمت البدعة تلك": "والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة"، انتهى.
المذهب الحنبلي:
الشيخ شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي حيث قال في كتابه "المطلع على أبواب المقنع" (ص334) من كتاب الطلاق: "والبدعة مما عُمل على غير مثال سابق، والبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلالة، والبدعة منقسمة بانقسام أحكام التكليف الخمسة".
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وءاخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.