منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - خبر الواحد لا يفيد العلم ولا يؤخذ في العقائد كتاب كامل
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-05-2006, 03:39 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
معاذ محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو






معاذ محمد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى معاذ محمد

افتراضي

ولذلك فإن العلماء قد وضعوا قاعدة لمثل ذلك وهي أنه إذا تعارض الظني مع القطعي، يرد الظني ويعمل بالقطعي.

ومن الأخبار الآحادية المتضاربة أيضاً: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه سأل بلالاً: "أصلى النبي  في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره… ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين" .
فإنه يعارضه ما رواه البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه".
وفي رواية أخرى من طريق البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل فيه" .
ومن الأخبار المتضاربة ما رواه البخاري عن جابر من قصة رجم ماعز، جاء فيها: "فلما أذلفته الحجارة فرَّ فأدرك فرجم حتى مات، فقال له النبي  خيراً وصلى عليه" .
غير أن هذا الخبر يتعارض مع الخبر الذي رواه البيهقي في سننه جاء فيه "أنه  لم يصل عليه".
قال البيهقي: ورواه البخاري عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وقال فيه فصلى عليه: وهو خطأ .

ومنها أيضاً: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  أنه قال: "الإيمان بضع وستون شعبة" .
غير أن الإمام مسلم رواه عنه بلفظ "الإيمان بضع وسبعون شعبة" .
فهذا تعارض واضح بين الخبرين أو الروايتين وهذا مما يسميه العلماء باضطراب المتن.


ومنها أيضاً: ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  صلى بهم صلاة الكسوف أربع ركعات في سجدتين .

غير أن الإمام مسلم روى ما يعارض ذلك عنها رضي الله عنها أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله  فقام قياماً شديداً يقوم قائماً ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات.

وفي رواية ثالثة عنها رضي الله عنها من طريق مسلم أيضاً: أن النبي  صلى ست ركعات وأربع سجدات .
وللخروج من هذا التناقض فإن عدة من العلماء لا يصححون رواية مسلم: كالشافعي والبخاري واحمد .
ومنها ايضاً: ما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي  "تزوج ميمونة وهو محرم".

غير أن هذا يتعارض مع ما رواه الإمام مسلم عن زيد بن الأصم قال حدثتني ميمونة أن رسول الله  تزوجها وهو حلال.
قال الطبري: وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها .
ومن أخبار الآحاد المتضاربة أيضاً: ما رواه الإمام مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبي  انه قال: إن أول الآيات طلوع الشمس وخروج الدابة ضحى ، فآيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها ".

غير أن هذا يعارضه الروايات التي يذكر فيها أن أول الآيات ظهور الدجال، فقد روى الترمذي بإسناد حسن صحيح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها" وغير ذلك من الروايات التي تقضي بأن ظهور الدجال هو أول الآيات .
ثم لو كانت أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، ومعلوم أنه بعد طلوعها من المغرب يُقفل باب التوبة، لما كان لفتنة الدجال فائدة بعدئذ ونزول عيسى وظهور المهدي وقتلهما للدجال وحكم عيسى عليه السلام الأرض بالشرع كما جاء في الأحاديث الآحادية.
فانظر إلى هذا الاضطراب في هذه الأحاديث، فكيف تصل إلى حد القطع واليقين والاعتقاد وهي تجمع بين الضدين‍‍؟!!.
أما ما قاله ابن كثير رحمه الله من أن ظهور الدجال أول الآيات الأرضية وان طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية، هو تأويل للخروج من الضدين ولكنه تأويل من غير دليل.
والأسلم أن يقال: إن هذه كلها أخبار آحاد وهي ظنية وليست عقيدة ولا يثبت بها عقائد، فحينها يمكن تأويلها أو ردُّ بعضها.
ومن الأخبار المتضاربة اختلاف الروايات في كون البسملة آية من القرآن في كل سورة أم لا؟
من ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله  ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسماً فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفاً سورة "فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر}
يعارضه ما رواه الإمام مسلم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله  يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
ومن طريقه أيضاً عن أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي  وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في أول قراءة ولا في آخرها" .
وعلى أثر ذلك اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً بيناً فلو كانت تفيد أحاديثها اليقين لما جاز عليها الاضطراب، ولما جاز الاختلاف فيها.
لذا فإن أحاديث البسملة تبقى آحادية لا تصل إلى حد اليقين والاعتقاد، وإلا كانت يقيناً واعتقاداً أنها آية من القرآن، ويقيناً واعتقاداً أنها ليست آية من القرآن في آن واحد، وهذا جمع بين الأضداد والتناقضات وهو محال في العقيدة الاسلامية، وهو مذهب فاسد.
السبب الرابع: أنه لو كانت أخبار الآحاد عقيدة أو تثبت بها عقيدة لكفَّروا منكر آحادها، بل صرحوا بعدم تكفير منكر الآحاد بخلاف المتواتر وقد نقل هذا بإتفاق العلماء على ما ذكره السرخسي في أصوله والجرجاني في تعريفاته وصاحب فواتح الرحموت .
ومن العلماء من لم يفسق جاحده كالقاضي، إلا إذا انعقد الإجماع عليه، فسق جاحده . وهذا معناه أننا لسنا مكلفين بالإيمان بأحاديث الآحاد، لأنه كيف يكون خبر الآحاد عقيدة أو دليلاً عليها، ثم لا يكفر منكره باتفاق العلماء، إلا أن يكون غير عقيدة ولا دليلاً عليها فلا يأخذ حكمها.

السبب الخامس: هو انه ليس كل الإسلام أحكاماً عقائدية حتى يكون الآحاد جزءاً من هذه العقائد، بل احتوى الإسلام أحكاماً اجتماعية واقتصادية وجنائية وقضائية وسياسية وعسكرية إلى جانب الأحكام العقائدية، فهذه الأحكام يكون خبر الآحاد فيها حجة بخلاف الأحكام العقائدية.

وهذا التفريق مبني على أساس الفرق بين الأحكام العقائدية وبين الأحكام الغير عقائدية من حيث واقع وحكم ودليل كل منها.
فالأحكام العقائدية هي التي تتعلق بالإيمان ومعناه لغة: التصديق، واصطلاحاً: التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل .
فإذا كان التصديق عن غير دليل قطعي لا يكون جازماً بل ظنّاً أو شكّاً، لأن الجزم لغة: القطع، يقال: جزم الأمر قطعه قطعاً لا عودة فيه .
وإن لم يطابق الواقع يكون جهلاً.
لذا لابد من هذين الشرطين للاعتقاد، الجزم، والمطابقة وإلا كان الاعتقاد أو الإيمان فاسداً.
وأما الأحكام الغير عقائدية، فهي المعروفة عند العلماء بالأحكام العملية أي المتعلقة بأفعال العباد من حيث الحل والحرمة لا من حيث الكفر والإيمان.
والأحكام العقائدية والعملية عندنا كلها أفكار إسلامية فلا إله إلا الله،فكر، {وحرمت عليكم الميتة} فكر أيضاً والفرق بينهما أن "لا إله إلا الله" عقيدة أو أمر يتعلق بالتصديق و "حرمت عليكم الميتة" حكم يتعلق بفعل.
لذا فما طلب الإيمان أو التصديق به هو من الأحكام العقائدية وما طلب العمل بمقتضاه أو به يعتبر من الأحكام العملية.
ومن خلال الاستقراء للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة يتبين لنا بوضوح الفرق بين ما طلب الإيمان به وبين ما طلب العمل بمقتضاه، فقوله تعالى {آمنوا بالله ورسوله} وقوله {وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم} وقوله {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}.
هذه النصوص واضح فيها طلب الإيمان فقط أي إيمان دون عمل.
وقوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وقوله {كتب عليكم الصيام} وقوله {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقوله {إذا تداينتم بدين فاكتبوه} وقوله {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقوله {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} وقوله {وبالوالدين إحسانا} وقوله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}.
إلى غير ذلك من النصوص التي طلب العمل بمقتضاها، فسميت الأحكام المأخوذة من هذه النصوص أحكاماً عملية وسميت تلك أحكاماً تصديقية أو عقائدية أو علمية.
ثم هناك نصوص أخرى من الكتاب تبين هذا الفرق أيضاً، قوله تعالى {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقوله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فعطف العمل على الإيمان دليل على الفرق بينهما، ونظير ذلك قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} وقوله {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وقوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} فواضح الفرق بين الركوع والسجود وبين الصلاة والزكاة وبين العدل والإحسان من حيث المعنى ولو جمع بينهما بواو العاطفة، فذلك كذلك.
وللعلم فإنه قد يقع العطف بين الإسمين ولا يقتضي المغايرة أو الفرق ولكن بقرينة عقلية كانت أو نقلية، تصرفة عن ذلك، كقوله تعالى {رب المشرقين ورب المغربين} فإن هذا يتعارض مع العقل والنقل من أن الرب واحد سبحانه، لذا فلا تعمل الواو هنا عملها في الآيات السابقة والله أعلم.
وقوله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فيه تفريق أيضاً بين الاعتقاد بأن لا إله إلا الله، وبين الاستغفار وهو عمل، لنفس السبب.
وكذلك قوله تعالى {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} دليل على أن الجهاد عمل وليس إيماناً. فيثبت الفرق بينهما لنفس السبب.
أما السنة ففيها أيضاً ما يدل على هذا التفريق، فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي سأل فيه جبريل عليه السلام: "عن الإسلام والإيمان والإحسان" فكان جوابه  عن الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلا. وقال عن الإيمان: ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى.
وعن الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
فواضح من هذا الحديث الفرق بين الأحكام العملية من الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج والإحسان في أدائها، وبين الأحكام التصديقية: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى.
قال ابن تيمية: فلما ذكر الإيمان مع الإسلام جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي  قال "الإسلام علانية والإيمان في القلب "
ومن السنة ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه –أي القرآن- سورة من المفصّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام.
قال ابن حجر في الفتح: أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وان أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها .
فكلام عائشة رضي الله عنها يأخذ حكم المرفوع إلى رسول الله  وواضح فيه التفريق بين أحكام الجنة والنار وهو أحكام عقائدية وتوحيد، وبين الحلال والحرام وهو أحكام عملية.
فهذا الذي ذكرناه من التفريق بين الأحكام التصديقية أو الاعتقادية وبين الأحكام العملية واضح تماماً عند الغالبية العظمى من الفقهاء والأصوليين والمحدثين وهو ظاهر في مصنفاتهم في غير باب ظهوراً لا يخفى على من حباه الله علماً وورعاً في الدين.
فقد قال الحسن البصري "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل" .
وقال ابن رجب الحنبلي: فالذي يتعين على كل مسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله  ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وان كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره ".
وقال القرافي: "وكذلك جلّ أصول الدين وهي أمور تعلم ولا تعمل" .
وقال الجرجاني: "العقائد هي ما يقصد منه نفس الاعتقاد دون العمل" .
وقال علاء الدين السمرقندي: ومنها: "أن يرد الخبر في باب العمل فأما إذا ورد في باب الاعتقادات وهي من مسائل الكلام فإنه لا يكون حجة" .
وقال ابن الباقلاني: "إن الإيمان في اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب" .
ولعدم الإطالة من سرد أقوالهم، سأكتفي بذكر عناوين لذلك كما في مصنفاتهم وهي معروفة على ظاهر الكف لمن أرادها.

من ذلك:
• تفريقهم للعقيدة وللحكم الشرعي. في التعريف-
فالعقيدة: هي الإيمان.
والحكم الشرعي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد.
• إقرارهم الاختلاف في الفروع الظنية دون الأصول القطعية.
• إقرارهم الاختلاف في خبر الآحاد دون المتواتر المجمع عليه كما أثبتناه في صدر الكتاب.
• تفريقهم في تعريف الفقه والأصول.
• تفريقهم بين أدلة الأصول ووجوب أن تكون قطعية، وبين أدلة الفروع فيكتفى فيها بالظن إذا لم يكن قطع، وهو متفق عليه عندهم.
• تكفيرهم لمنكر أصل قطعي أو لما هو معلوم من الدين ضرورة دون الفرع الظني.
• تقسيمهم للشريعة بأنها أحكام وعقائد أو أحكام عملية وأحكام علمية، على نحو ما ذكره ابن رجب وغيره آنفاً.
• تقسيمهم للقرآن: آيات أحكام، آيات قصص، آيات عقائد وغيبيات.
• يفرقون بين الكافر والمسلم في خطاب التكليف أي هل الكفار مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها أم بأحدهما دون الآخر.
• أن المخطئ في الفروع مأجور بخلاف الأصول وان المصيب في القطعيات واحد. وأن المخطئ فيها آثم.
• خبر الآحاد يؤخذ في الأحكام دون العقائد كما أثبتناه في آخر الكتاب.
• الأحكام العملية يرد فيها النسخ، بينما العقائد لا يرد فيها النسخ.
• يفرقون بين من يُقتل حدا وبين من يقتل ارتداداً.
• يمنعون التقليد في أصول الدين ويجيزونه في فروع الدين.
إلى غير ذلك من الفوارق التي تدل قطعاً على أنهم يفرقون بين العقيدة وما يتعلق بها وبين الأحكام الشرعية العملية وما يتعلق بها.
أما ما يقوله البعض من أن قسمة المسائل الشرعية إلى أصول وفروع هو بدعة لم تأت بها سنة، فكلام غريب يأباه العلم والعلماء، لأننا بذلك نرد على كل العلماء علمهم وانه بدعة، لأنهم قسموا العلوم الشرعية إلى فقه وأصول فقه، وقسموها إلى حديث وفقه وقسموا الفرض إلى كفاية وعين، وقسموا القرآن إلى آيات أحكام وآيات قصص، وقسموا الأوامر إلى أكثر من عشرين قسماً، وقسموا الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي، وقسموا السنة إلى متواتر وآحاد، وقسموا الآحاد إلى أكثر من عشرة أنواع، وقسموا القواعد إلى كلية وعامة، وقسموا اللغة إلى نحو وصرف وبلاغة، وقسموا السنة إلى فعلية وقولية وتقريرية وصفة، وقسموا الإجماع إلى فعلي وقولي وسكوتي، وقسموا العلوم إلى سمعية وعقلية، وقسموا الأدلة إلى سمعية وعقلية وقسموا المتواتر إلى لفظي ومعنوي، وقسموا الدلالة إلى التزام وتضمن ومطابقة، إلى غير ذلك من التقسيمات.
فكل هذا لم ترد فيه سنة ولا كتاب ولا إجماع صحابة، فهل يعني أنه بدعة،؟!! فإن كان كذلك فمعناه نسف لكل العلوم وتجهيل لكل العلماء وهذا ما لا يقول به عاقل.
والصحيح أن هذه التقسيمات إنما حصلت بعد استقراء لواقعها والبدعة منها بعيدة، ولا تنطبق مع أحكامها وتعاريفها.
وأما ما يُقال من أن الإيمان قول وعمل، فصحيح لا من حيث أن الإيمان عمل لأن هذا يتعارض مع القرآن والسنة كما علمت آنفاً، بل صحيح من حيث أن العمل دليل على وجود الإيمان لدى الشخص المؤمن الذي يعمل الصالحات ويدل عليه قول النبي  "إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" واقرأوا إن شئتم وتفقهوا في قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم}.
ولذلك قال الحسن "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل" فالعمل يصدق الإيمان لا أن العمل هو الإيمان.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"
فليس معناه أيضاً أن الإيمان والعمل شيء واحد، لأنه يتعارض مع القرآن والسنة في التفريق بين الإيمان والعمل، فلم يبق إلا أن يكون معناه أن إماطة الأذى ثمرة من ثمرات الإيمان ودليل عليه.
وأقرب شيء للفهم في التفريق بين العقيدة والأحكام العملية واقعاً وحكماً ودليلاً، أن مُخالف العقيدة ومنكرها يكفر بلا خلاف بينما مخالف الأحكام الشرعية المتعلقة بالحلال والحرام أو منكرها فلا يكفر وإنما يكون عاصياً فقط، إلا عند المعتزلة حينما كفروا مرتكب الكبيرة.
ومن ذلك أيضاً أن تعلم أحكام الحلال والحرام مطلوب شرعاً وهو عمل ولا يسمى إيماناً وإلا كان الجهل بها أو عدم تعلمها كفراً ولا يقول بهذا جاهل فضلاً عن أن يقول به عالم.

السبب السادس:
ومن الأدلة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين ولا يؤخذ في الاعتقاد: أن الكثير منها روي بالمعنى أي أن الراوي اجتهد في فهم ما قاله النبي  ثم نقله بلغته حسب فهمه وهذا ظن قطعاً، فلا يمكن أن يقال بأن الحديث الذي رواه الصحابة بالمعنى أنه يفيد اليقين أو أنه يصلح دليلاً على العقيدة وإلاّ كان اجتهاد المجتهدين يفيده وهذا مخالف لصريح السنة التي تقول بأن الاجتهاد فيه خطأ وفيه صواب، فلا يصح إثبات العقائد به.
ومن الأمثلة على كيفية رواية الحديث بالمعنى ما رواه أحمد وبن عبد البَر وغيرهما عن مكحول قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع فقلنا حدثنا حديثاً ليس فيه تقديم ولا تأخير، فغضب وقال: لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا أصبت المعنى.
وروى ابن ماجة وغيره عن أنس  كان إذا حدَّثَ عن النبي  حديثاً قال: "أو كما قال". ومن طريقه أيضاً عن ابن مسعود  أنه حدَّثَ عن النبي  حديثاً فقال: أو قريباً من ذلك، أو فوق ذلك، أو دون ذلك.
هذا معنى قولهم رواية الحديث بالمعنى.



الوجه الخامس:
-وهو ما ظنوه دليلاً وليس بدليل-
أما ما ظنوه دليلاً على أن خبر الواحد من العقائد ويفيد اليقين فهو وهم لا يرتقي حتى إلى الظن، مع أن المسألة تحتاج إلى دليل قطعي لا ظني ويشترط أن يكون ذلك في الثبوت والدلالة حتى لا يتطرق إليه الظن أو الشك، لأنها عقيدة أو ينبني عليها عقيدة.
فمما ظنوه دليلاً: ما روي في الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بعث النبي  معاذاً إلى اليمن قال له: انك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم .
فهذا الحديث لا يصلح دليلاً في العقائد وذلك من عدة وجوه:
أولها: أنه خبر آحاد ولا يفيد إلا الظن، فلا يصلح أن يكون عقيدة ولا دليلاً عليها كما أثبتناه لك قبل قليل.
ثانيها: أن الرواية في دعوتهم إلى التوحيد، لا في إثبات التوحيد، بدليل أنه قال له: "فإذا عرفوا ذلك" وفي رواية مسلم "فإذا عرفوا الله تعالى" ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تنال إلا بالنظر لأنه لا تقليد في العقائد، فقد نعى الله تعالى على من قلد في العقائد وذمه ذماً شديداً فقال عز وجل {إنا وجدنا آباءَنا على أُمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءَكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} وقال أيضاً {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} وقال {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} إلى غير ذلك.
ثم بين سبحانه أن معرفته تكون بالنظر والتدبر والتفكر لا بالتقليد فقال عز من قائل {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} وقال {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين} وقال {ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} وقال {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت} وقال {فلينظر الإنسان مم خلق} إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تلفت نظر الإنسان إلى مخلوقات الله والى استعمال عقله في معرفة خالقها ولذلك نجدها تقول {لقوم يعقلون} {لقوم يتفكرون} وهذا غير التقليد قطعاً.
ثم إن الحديث المذكور قد فرق بين معرفة الله سبحانه وبين الأحكام التكليفية العملية حيث قال: :فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم ان الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم…" فالأحكام العملية يمكن التقليد فيها بخلاف العقائد فلا يمكن وهذا بإجماع على ما ذكره القرطبي في جامعه .
ثالثها: أن الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما فيها اضطراب في المتن، فمرة رويت كما عند البخاري: فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، ومرة رويت كما عند الإمام مسلم: فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، ورويت "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله".
وهناك اضطراب آخر وقع في إسناد رواية مسلم: قال أبو بكر: ربما قال وكيع عن ابن عباس …….. الحديث، فمرة روي الحديث موصولاً ومرة مرسلاً كما عند مسلم، وفي عرف أهل الحديث أن الرواية المضطربة معلولة لا يحتج بها قال الحافظ الذهبي: المضطرب والمعلل: ما روي على أوجه مختلفة .
رابعها: لقد تكلم أئمة الحديث على إسناد البخاري له فإن في سنده الفضل بن العلاء، قال عنه الدارقطني: "كثير الوهم" .
فعلى شرط الدارقطني يكون الحديث ضعيفاً عنده، فلا يفيد العلم واليقين عنده من باب أولى.

خامسها: أن هذه المسألة لا ينفع معها خبر التواتر إذ لا يلزم الكافر في شيء أن يأتيه ألف شخص أو أكثر فيخبرونه أن محمداً  نبي ورسول أو أن يخبروه أن القرآن كلام الله وأنه أنزله على محمد ، ما لم تقم الحجة عليه في ذلك.

فالمسألة إذن في إثبات كون العقيدة عقيدة لا في مجرد التبليغ أو الأخبار عن وجودها، ولذلك لم تقم الحجة على كفار مكة لمجرد سماعهم بنبوة محمد  من الصحابة بل جاؤوهم بالمعجزة التي أثبتت لهم نبوته  وحاجوهم بها، فآمن من آمن منهم وكفر من كفر.
سادسها: على فرض خلو الرواية من الضعف والاضطراب والتأويل، فإن إرسال النبي  معاذاً إلى اليمن كان مرة واحدة، وذلك قبل حجة الوداع كما ذكره المؤرخون ، ولم يرجع منها إلا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين وهذا يعني أن اليمن كانت دار إسلام فقد فتحها خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب ومعهم جيشهم الذي بلغ مبلغ التواتر فلم يُرسل معاذاً إليها إلا قاضياً ومعلماً وكان على راس وفد وكان بها مسلمون كثر، فيرتفع الأشكال ويسقط الاحتجاج بالرواية المذكورة، في هذا الموضوع لأن عدد المسلمين الذين حضروا اليمن مضافاً إلى قادتهم في الفتح والى معاذ ووفده يكون قد بلغ مبلغ التواتر، وخبرهم يفيد القطع، فلا معنى بعد هذا لقولهم أنه دعاهم  إلى العقيدة بخبر واحد –والله أعلم-.

ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً هو الأمر بالتحول عن القبلة فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي  قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" .
فهذا الاستدلال مردود أيضاً من عدة وجوه:
الأول: أنه على فرض أن المسألة يقينية عقائدية مع أنها ليست كذلك، فاليقين والاعتقاد لا يثبت بخبر الواحد، والدليل على ذلك كما علمت من كون الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على عدم قبول خبر الواحد في إثبات القرآن وهو أساس العقيدة ولا أعلم خلافاً في ذلك بين الفقهاء والمحدثين والأصوليين.
الثاني: أن مسألة التحويل عن القبلة ليست مسألة إيمانية أو عقائدية بل هي عملية تطبيقية فلا يلزمها الدليل القطعي بل يكفي فيها الدليل الظني كخبر الواحد، وأكبر دليل على أنها ليست مسألة تصديقية أو عقائدية أن تحويل القبلة يعتبر نسخاً والنسخ لا يقع في العقائد بل في الأحكام العملية.







التوقيع

 
رد مع اقتباس