بسم الله الرحمن الرحيم
أخي صالح هذه أجوبة على تساؤلاتك آمل أن تفي بالغرض مع تحياتي لك
القاعدة الأصولية أن النصين المتعارضين من جميع الأوجه، ويتعذر الجمع بينهما فإنه يكون أحدهما ناسخاً للآخر، فلا بد من معرفة السابق، ومعرفة اللاحق حتى يُعرف الناسخ من المنسوخ، وأمّا إن كان النصان المتعارضان متنافيين من كل وجه، ولكن يمكن التوفيق بينهما أو كانا متنافيين من وجه دون وجه فإنه لا نسخ مطلقاً؛ إذ يوفَّق بينهما ويُصرَف أحدهما للوجه الذي لا يتعارض فيه مع الآخر.
والأحاديث التي جاء على ذكرها في السؤال هي من الباب الثاني، أي من النصين المتعارضين والمتنافيين، ولكن يمكن التوفيق بينهما. وبيان ذلك ما يلي:
أولا: إن الصلاة النافلة ابتداء جائزة، ويجوز أداؤها في أي وقت، وجاءت نصوص تستثني أوقاتاً معينة كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثم لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" فجاء النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فكان ذلك استثناء من الجواز. إلا أن هذا النهي ليس على إطلاقه، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الظهر اللتين انشغل عنهما بعد العصر، أي أنه فاتته السنة البعدية من صلاة الظهر فصلاها بعد العصر، وركعتي الظهر البعدية ليستا فرضاً، فهما سنة راتبة، فقد روى الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس قال: "إنما صلى الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما"، أما قوله "ثم لم يعد لهما" فقد ثبت في أحاديث أخرى أنه داوم عليهما، أو على أقل تقدير أنه قد تكرر ذلك منه صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي تقول فيه: "ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين" مما يجعل الحديثين متعارضين في الظاهر، فيُحمل النفي على علم الراوي فإنه لم يطلع على ذلك والمثبت مقدمٌ على النافي.
فثبت بذلك أن النهي ليس على إطلاقه، وأن هذا النهي ليس على التحريم وإنما على الكراهة، ووقت الكراهة هو ليس عموم ما بعد الصبح وما بعد العصر، وإنما مخصوص بتحري طلوع الشمس وغروبها، فقد أخرج البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم لا يتحرى أحدكم فيصلي ثم طلوع الشمس ولا ثم غروبها" فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقا. والمراد هو وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما.
وكما جاء النص في قضاء ركعتي الظهر بعد العصر، كذلك وردت الأحاديث في قضاء ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر فقد أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم.
والذي يرجح أن المقصود بالصلاة بعد العصر هو ما كان قبل الغروب ما أخرجه أبو داود من طريق طاوس: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: "ما رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما". وكذلك ما روي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".
وبناء على ذلك كله يتبين أن التعارض بين الأحاديث الواردة في السؤال هو تعارض ظاهري، يجمع بينها بأن النهي هو عن تحري وقت الشروق ووقت الغروب، فهذا التحري هو ما جاء النهي عنه، أما الصلاة عقب صلاة الفجر أو العصر فهي جائزة، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
على أن فقهاءنا رحمهم الله قد اختلفوا في حكم الصلاة بعد العصر وفهم كل منهم الأحاديث فَهْماً يعزز رأيه، وبإمكان السائل وغيره الرجوع إلى مظان ذلك، وبخاصة في كتب: المغني لابن قدامة، والمحلى لابن حزم، وشرح معاني الآثار للطحاوي، ونيل الأوطار للشوكاني، وكذلك في كتب الشروح، كشرح النووي على صحيح مسلم، وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني وغير ذلك من المراجع.