الموضوع: القضاء والقدر
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 04-01-2012, 08:27 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
الدكتور سيد نافع
أقلامي
 
إحصائية العضو







الدكتور سيد نافع غير متصل


افتراضي رد: القضاء والقدر

هل يزيد عمر الإنسان وينقص ؟..
وهل يزيد رزق الإنسان وينقص ؟
وهل هذا يناقض القدر السابق في علم الله والذي سنتحدث عنه فيما بعد ؟
فهم كثير من الناس زيادة العمر والرزق التي وردت في الآيات والأحاديث بالبركة بما يعني الزيادة النوعية المعنوية وتجاهلوا الزيادة الكمية الحسية ، والحقيقة أنها زيادة حسية ومعنوية ، زيادة كمية ونوعية ( وهذا هو المفهوم الصحيح للبركة ) ، فلفظ البركة يعني النماء والزيادة بما يعني الزيادة الحقيقية كماً وكيفاً ، فعندما يقول رسول الله ( إذا غضب الله على عبد رزقه من حرام وإذا اشتد عليه غضبه بارك له فيه ) أي زاده زيادة كمية فهذا الإنسان لا يعرف ولا يعترف بالزيادة المعنوية فالزيادة عنده لا تكون إلا إذا كانت حسية كمية ، بل هنا في هذا الموضع ربما زاده الله له في رزقه زيادة حسية ونزع منه البركة فصار كل رزقه لا يكفيه بالرغم من زيادته لأن الله قد فتح عليه أبواب جهنم وهو لا يدري ) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (التوبة55
فزيادة العمر زيادة حسية حقيقية هي بقدر الله ويقررها القرآن في قوله تعالى :

) وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(فاطر11
وفي تفسير الجلالين : (وما يعمر من معمر) أي ما يزاد في عمر طويل العمر (ولا ينقص من عمره) أي ذلك المعمر أو معمر آخر (إلا في كتاب) هو اللوح المحفوظ (إن ذلك على الله يسير) أي هين وهو من قدر الله السابق في اللوح المحفوظ ، أي أن زيادة العمر والملحوظة في المعمرين أو نقصان العمر والملحوظة هذه الأيام في تفشي الموت في الشباب هي في كتاب القدر السابق ، وأظهرت الأحاديث العلة .
فلا تعارض ولا تناقض بين الأحاديث التي تثبت القدر السابق والأحاديث التي تثبت زيادة العمر والرزق زيادة كمية ، فزيادة العمر والرزق يرسخ قاعدة الثواب والعقاب الدنيوي بما يعني أننا نعيش في المقدور الجاري الذي يوافق المقدور السابق ، المهم هو الفهم الصحيح والوعي والتدبر وتوفيق الله هو الأهم ، ومعلوم أن الرزق لا يعني المال فقط وإنما الإيمان الحقيقي رزق والصحة رزق والذرية الصالحة رزق وهدوء النفس والطمأنينة النابعة من الإيمان رزق وغير ذلك الكثير .
فعمر الإنسان ورزقه مقدر أزلاً بما في ذلك حساب النقص والزيادة والتي ربطها الله سبحانه وتعالى بقاعدة الثواب والعقاب المترتبة على أعمال البر والإحسان ، ماذا كان جزاء أصحاب الحديقة التي أصروا على منع إخراج صدقتها وحرمان الفقراء والمساكين حقهم الذي شرعه الله لهم وكان قد عودهم على ذلك أبوهم في حياته ، أرسل الله عليها صاعقة من السماء فأحرقتها وحرموا ثمارها أليس في ذلك حرمان حسي ونقص حقيقي من رزقهم وليس هذا هو كل العذاب فهذا هو العذاب الأدنى ، فالإنسان إن كان بارأ ومحسناً بأهله ورحمه وكذلك بالمؤمنين ناله بقدر الله رزقه وعمره مع الزيادة ، وإن كان عاق وفاجر ناله ما قدره الله له مع النقصان ، إذن أشرك الله العبد في قدره ، فبدى الأمر وكأن الإنسان يخط قدره بيده ، حتى ينتفي الظلم فالله لا يظلم مثقال ذرة ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، فمن وجد سوءا في الدنيا والآخرة فلا يلوم إلا نفسه .
ولتوضح الأمر أكثر ، ما يحصل عليه الإنسان فعلياً في حياته هو ما قدره الله له بعد النقص والزيادة والتي هي بقدر الله ، فإن فهمنا أن المبلغ المقدر هو آت آت فهذا صحيح لكن بعد الحذف والإضافة ، وإلا لما ربط رسول الله بين زيادة العمر وكذلك الرزق والطاعات والآيات والأحاديث في ذلك صريحة الدلالة إذا فهمت فهماً صحيحاً .
فقد جعل الله سبحانه وتعالي من جملة أحكامه في عبده مد العمر ونقصه وبسط الرزق ونقصه أيضاً والإنسان ساع وبكل السبل إلى زيادة الرزق ومد العمر وهي في الحقيقة أمور بيد الله سبحانه وتعالى ودخلت ضمن قانون العقوبات الإلهي وارتبطت بالحسنات والسيئات في مقدور جاري ، فكيف الطريق إليها ؟

- عن أنس قال : قال رسول اللّه : ) صلى الله عليه وسلم من سره أن يبسط عليه في رزقه ، وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه( .
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ) من سره أن يبسط له في رزقه ، وأن ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه(

- وروى أبو موسي ألمديني في كتابه ( الترغيب والترهيب )من حديث الفرج بن فضالة ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد أبن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلمونحن في صفة بالمدينة فقام علينا فقال : )إني رأيت البارحة عجباً :--
- رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه .
- ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك .
- ورأيت رجلاً من أمتي قد إحتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فطرد الشياطين عنه .
- ورأيت رجلاً من أمتي يلهث قد إحتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم .
- ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه ورواه .
- ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوساً حلقاً حلقاً كلما دنا من حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده بجانبي .
- ورأيت رجلاً من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فيه فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور .
- ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته ستراً بينه وبين النار وظلت علي رأسه .
- ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته برحمه فقالت يا معشر المؤمنين إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم .
- ورأيت رجلاً من أمتي قد إحتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من بين أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة .
- ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله علي الله عز وجل .
- ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه .
- ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه .
- ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله عز وجل استنقذه من ذلك ومضي .
- ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك .
- ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن روعه ومضي .
- ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحياناً ويتعلق أحياناً فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته .
ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة (.
يقول أبن القيم في كتابه الروح : ( سمعت شيخ الإسلام ابن تيميه يعظم أمر هذا الحديث ويقول أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث ) .
وروي عن سعيد بن المسيب وعلي بن زيد جدعان نحو هذا الحديث ، وقد روي في رؤيته صلى الله عليه وسلم الطويلة من حديث سمرة في الصحيح ، ومن حديث علي وأبو أمامه وروايات هؤلاء الثلاثة قريبة من بعضها البعض مشتملة على ذكر عقوبات جماعة من المعذبين ، أما في هذه الرواية فذكر العقوبة وأتبعها بما ينجي صاحبها من العمل .
وراوي هذا الحديث عن ابن المسيب هلال أبو جبلة وهو مدني ولا يعرف بغير هذا الحديث ، وذكره ابن أبي حاتم عن أبيه هكذا وذكره الحاكم أبو احمد والحاكم أبو عبد الله أبو جبل ( بلا هاء ) وحكياه عن مسلم ورواه عن الفرج ابن فضالة وهو وسط في الرواية ليس بالقوي ولا المتروك ، ورواة عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بأبي الخطيب وكان حسن المذهب جميل الطريقة .

والشاهد من الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم -) رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه (. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلمقد رأى ذلك في رؤيا منام فرؤيا الأنبياء وحي وفيه دلاله على زيادة العمر زيادة فعليه كمية وليست نوعية فقط ، وإذا كان رسول اللهصلى الله عليه وسلمقد رأى ملك الموت يرد حقيقة نستطيع أن نلحظ ذلك في الواقع عندما نري نجاة إنسان من موت محقق وعندها يقول الناس أنه كتب له عمر جديد وهذه حقيقة ومن لطف الله به في قضائه ( اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه )
أراد رسول الله أن يقول أن من وصل رحمة و بر والديه كان في قدر الله له أن يكون طويل العمر وافر الرزق الحلال مبارك له فيهما ، ويسير قضاء الله فيه في الدنيا بما يوافق القدر السابق فتجد أن الله يجعل له من كل مصيبة مخرجاً ويبسط له في رزقه ويبارك له فيه لوصله لرحمه لأنه اتقى غضب الله بإحسانه لوالديه ورحمه ، وينجيه من مصائب تكاد تودي بحياته لبره بوالديه .
والبركة هي زيادة فعليه ولنذكر ما حدث في الخندق وكيف أن الأكل الذي دعي إليه رسول الله وهو لا يكفي ثلاثة أو أربع أفراد قد زاد في القدر وكفي الجيش كله وبقي منه فائض لأهل البيت ، وإن قيل أن هذه معجزة من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم فالإجابة نعم لكن تشير إلى زيادة كمية ، لكن لم يعطي كل واحد جرامات معدودة فتشبعه .
-وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفهمنا أن المقدور كان على أساس علم الله فينا وهو مترتب عليه ، عَلم البار والواصل لرحمة فقدر له ما قدر ، فهو تقدير دقيق يعتمد على نقاط ومؤشرات وأسس .
أما كونه قدراً سابق ومحدد سلفاً ولا يتغير ولا بد له من الحدوث فهذه حقيقة لا شك فيها ، لكن ما جاء ويوحي بالتغير فهو لنعلم أننا نعيش في المقدور الجاري ولنعلم أن الله مطلع علينا ومعنا في كل لحظة وحين ومراقب لنا وعالم بأحوالنا ، وحسابه وقضاؤه على كل صغيرة وكبيرة فينا في الدنيا قبل الآخرة .
وأكثر شيئ يشغل بال معظم الناس في الدنيا ويعتبر في مقدمة اهتمامهم وهو الرزق والعمر والصحة وهذه أمور دنيوية معاشيه ربط الله بينها وبين طاعته وعبادته بصلة الرحم وبر الوالدين ، وهذا هو الجزاء والمثوبة للمحسنين ، فجاءت الأحاديث توحي وكأن الإنسان يخط قدره بيده وهذه حقيقة أيضاً .
ففي الواقع قد ينجي الله الإنسان من موت محقق لا محالة فأحياناً يرى الإنسان الموت بعينيه وتتدخل العناية الإلهية فيكتب له عمر جديداً ، وكثيراً ما يقرر الأطباء موتاً محققاً لا محالة لشخص وقد رأيت من ذلك بعض الحالات ويكتب لها الحياة من جديد ، وهذا من تخفيف قدر الله ولطفه بعباده لأنه مطلع عليهم .
-فزيادة العمر زيادة فعلية أمر غير متعذر على الله ولا يناقض القدر السابق بل يوافقه ، واذكر حادثة رأيتها في محطة للسكة الحديد ، رأيت سيدة عجوز ومعها سبت فلاحي مصنوع من البوص ومملوء بالخضروات تقف على الرصيف ولم تستطيع ركوب القطار فسقط السبت بين القطار والرصيف وأخذ يدور حلزونياً إلى أن سقط على الأرض وكذلك سقطت المرأة العجوز بين القطار المتحرك والرصيف والمسافة بينهما من أسفل كما هو معروف لا تتجاوز نصف المتر وغادر القطار الرصيف ونزلنا لنرفع السيدة العجوز من على الأرض ولم يكن هناك أدنى شك في أننا سنخرجها قطعاً وكانت المفاجأة السيدة تتمدد موازية للرصيف ولم يصيبها أي أذى سبحان الله .
-وأبو البشر آدم عليه السلام عندما رأى داوود يوم أن نثر الله ذريته بين يديه وأراهم له وأعجبه وبيص ما بين عينيه وسأل عنه فقال له الله تبارك وتعالى هذا ابنك داوود يكون في آخر الأمم ، فقال آدم وكم جعلت له من العمر يارب ؟ فقال تبارك وتعالى ستون عاماً ، فقال رب زده من عمري أربعون عاماً فقال تبارك وتعالى إذن يكتب ويختم .
فزيادة العمر ونقصانه هي بإرادة الله ومشيئته وهي في الكتاب السابق الذي دون فيه القدر بالأعمار والآجال ولا تناقضه كما يتبادر إلى فهم البعض ، وهي زيادة حقيقية لكن عند التقدير الأول كل ما في الأمر أن رسول الله أراد أن يعلمنا حيثيات الله فيما قدره الله علينا وأن هذا القدر السابق مبني علي علم الله فينا وعلى ذنوب ومعاصي نرتكبها بإرادتنا لجهلنا بالله تبارك وتعالي .
وعلينا بر والدينا وصلة أرحامنا إذا أردنا سعة العيش وبسط الرزق وطول العمر .
ومن شأن الله تبارك وتعالى قيامه على ملكه وتنفيذ قضائه وحكمه في العباد ، فعندما سئل الإمام الغزالي رحمه الله ما شأن ربك اليوم ولم يعلم بما يجيب السائل قال له أجيبك غداً بإذن الله ، ومر أربعة أيام وهو متحير في الإجابة وفي اليوم الرابع صام يومه وصلى ودعا الله أن يلهمه الجواب وفي نومه جاءه رسول الله في المنام وقال له يا أبا حامد إذا جاءك السائل فقل له ( إن لله تبارك وتعالى أموراً يبديها ولا يبتديها ، يرفع أقواماً ويضع آخرين يعز ويذل يرفع ويخفض ويسقم ويشفي ويحي ويميت . وعندما وصل إلى المجلس سأل عن السائل وأخبره ، فقال له السائل يا أبا حامد صل عل من علمك ذلك في المنام .
فالله يبدي لنا حيثيات قضائه وحكمه ولا يبتدي هذه الأحكام فهي في سابق قدره ، ولنفهم من ذلك أيضاً أننا نعيش في المقدور الجاري ، وأنه سبحانه قائم على شؤون خلقه ويتولى حسابهم بالثواب والعقاب الدنيوي فليس الحساب والجزاء في الآخرة فحسب ومن ظن هذا فهو واهم ، إنما يحكم الله بما شاء وينفذ حكمه أيضاً بالطريقة التي يشاءها وفي الوقت الذي يحدده .







 
رد مع اقتباس