منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - القضاء والقدر
الموضوع: القضاء والقدر
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-01-2012, 10:27 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
الدكتور سيد نافع
أقلامي
 
إحصائية العضو







الدكتور سيد نافع غير متصل


افتراضي رد: القضاء والقدر

المرتبة الرابعة
قال تعالى : ) وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( النحل81 أكناناً أي بيوتاً فأخبر سبحانه أنه هو الذي جعل الأكنان والسرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمي سرابيل إلا بعد أن تحيلها صنعة البشر وعملهم فإذا كانت من صنع البشر فالله خالق مادتها وملهم صانعها العلوم التي مكنته من صنعها وبالتالي ما توصل إليه البشر من صناعات كالطائرات والغواصات فما هي إلا محاكاة للطيور والأسماك ومحاكاة للكون الذي هو من خلق الله وشتان بين خلق الله وصناعة البشر فأسند الله تبارك وتعالى لذاته العلية خلقه لأفعال البشر وأعمالهم على سبيل الإذن والمشيئة وأسند إلى البشر الفعل والتنفيذ قال تعالي: )وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِين َ( الحجر82
) وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ(النحل80 فأخبر سبحانه أنه خالق البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة وموجدها وهي ما صارت بيوتاً إلا بالصنعة البشرية ونظير ذلك قوله تعالي : ) وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ( يس42 فأخبر سبحانه أنه هو الخالق للفلك وهي السفن المصنوع للعباد ، وقال تعالي ) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(الواقعة64 فإن كانت الزراعة بأيدي البشر وهذا هو الظاهر لكن الحقيقة أن الزارع الحقيقي هو الله فقد وكل بالإنبات ملائكة فمن ينبت ويزرع الصحاري والغابات ومن يتولاها بالري ، فالله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت وهو الهادي وهو الزارع وهو الشافي وهو الممرض وكل شئ بيده .
وخلق الله الإنسان وأعطاه الإرادة والقدرة على الاختيار وجعل في ذلك الحساب والعقاب .

--وقالت طائفة من الناس (وهم الجبريون ) : إن الإنسان مجبور على أفعاله مقهور عليها لا دخل له في وجودها مطلقاً ( أي أنه مسير ) ، وغالت طائفة منهم فقالوا بل هي عين أفعال الله ولا تنسب إلى الإنسان إلا علي سبيل المجاز والله سبحانه وتعالي يلوم الإنسان ويعاقبه ويخلده في النار علي ما لم يكن له فيه دخل ولا هو من صنعه ولا هو فعله بل هو محض فعل الله ( وهذا مذهب الجبرية) والحقيقة أنها واقعة بإرادته واختياره فهذا الكلام باطل ، فلا يعاقب الإنسان إلا على الفعل الإرادي الذي يتم باختياره وإرادته ، أما في حال الإكراه والجبر فلا حساب عليه ولا لوم كذلك
) مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( النحل106
وكذلك رفع الحرج عن المجنون والنائم والصبي حتى يبلغ ويميز ويعقل وكل هؤلاء ليس القدرة على التمييز والاختيار وأفعالهم لا إرادية تصدر عن الجهاز العصبي أللا إرادي ، والحساب والمؤاخذة إنما علي الأعمال التي تصدر عن الإنسان وهو في كامل قواه العقلية من الوعي والإدراك واليقظة ، إلا أن السكران يحاسب على فعله لأنه غيب عقله بإرادته ،
وكون أفعال الإنسان مقدرة ومعلومة ومكتوبة سلفاً في علم الله في اللوح المحفوظ فلأن الله سبق في علمه اختيار الإنسان فكتب عليه اختياره وهو لابد فاعله لأنه برغبته واختياره ولا يعني ذلك أنه مقهور من الله على فعله فعلم الله هو علم إحاطة وليس علم قهر وجبر ، وإنما هو مقهور علي فعله من نفسه التي بين أضلعه .
وهذا يجعل صاحب القلب السليم أشد خوفاً وخشية ومراقبة لله فهو يعلم أن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء ، ومشيئة الله وقدره في عبده هو قمة العدل فيعطي الهداية والتوفيق لأهلها ويعطي الضلال والغي لأهله .
-وقوله تعالي ) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( الشورى52 ،وهذه هدااية البيان والإرشاد والدعوة وهي للناس جميعاً ،)إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( القصص56
وهذه هداية التوفيق والعون والتي هي من الله لمن علم فيه خيراً ، فلو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم كلمة الهدي ووفقهم لها ، ففي الآية الأولي أثبت الله لرسوله الهداية وهي هداية الدلالة ، ونفى عنه في الآية الثانية هداية التوفيق والعون .
وهناك طائفة من الناس أنكروا القدر وتدخل الله في أعمال العباد وقالوا أن الأمر إنف ، وأول من قال ذلك معبد الجهمي وجاءت تسمية هذه الطائفة بالجهمية وهم منكري القدر وعلاقة الله بأفعال الإنسان ، وروي الإمام مسلم في صحيحة قصة معبد الجهمي هذا من طريق كهمس عن بن بريده عن يحيى بن يعمر قال :
كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهمي ( أي أنكر القدر السابق وعلاقة الله بأعمال البشر ) ، قال فانطلقت أنا وحميد الحميري وذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر رضي الله عنه وأنه سأله عن ذلك فأخبره بأنه برئ ممن يقول ذلك وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا .
وقد كتب العلماء المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالماً بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها ، قال القرطبي وغيره انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحداً ينسب إليه من المتأخرين ، وقال القدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال ، وهو مع كونه مذهبا باطلاً إلا أنه أخف من المذهب الأول وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة الإلهية بأفعال العباد فراراً من تعلق القديم بالمحدث .
- ولما رأى القاضي عياض وغيره بطلان قول هذه الطوائف من القدرية والجبرية وتناقضه للشرع قالوا :
قدرة الإنسان وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي مؤثره في صفة من صفاته وهذه الصفة تسمي كسباً وهي متعلقة بالثواب والعقاب والأمر والنهي ، فالحركة التي فيها طاعة والحركة التي فيها معصية قد اشتركتا في نفس الحركة وامتازت إحداها عن الأخري بالطاعة والمعصية ، فالحركة ووجودها واقع بقدرة الله وكونها طاعة أو معصية واقع بقدرة العبد ومشيئته .
- وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد هو دليل علي القدر ولهذا كان اثبات القدر أساس التوحيد .
- قال ابن عباس : الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده
و حقيقة القدر أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد ، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته ، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة .
وتأتي قصة موسى والخضر للتعليم والتدريب العملي للقضاء والقدر فقد جسد تبارك وتعالي القدر وأظهر لنا منفذ قدره في شكل انسان لنفهم الحقيقة وكيف تسير الأمور في الكون ومن مسير الأسباب.
تم بحمد الله..دعائي أن يجعل الله فيه نفعا لقارئي الكريم..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته







 
رد مع اقتباس