منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - رواية * زنيم مرة أخرى * على حلقات
عرض مشاركة واحدة
قديم 15-06-2006, 06:49 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
فوزي الديماسي
أقلامي
 
إحصائية العضو







فوزي الديماسي غير متصل


افتراضي

-3-
استبدّ الصمت ، وخيّم السكون على الوجوه المسافرة نحو الصندوق السرّ ، و توكأت الأرض المسبيّة على فحش الأفق ، و توسّدت السماء الذبيحة عفن العويل المنبعث من أفواه المغلولات ، تقلّب الغريب في نار فضوله و سعير الغليان ، أمّا نخلته فقد أسلمت أمنها إلى براثن الليل اللقيط تعبث به على مقربة من القبور المرتعدة ، و المبثوثة هنا و هناك على أديم القحط الجنوبي القاحل ، ومن حين إلى آخر يرفع الغريب جمجمته المثقلة بأسئلة شوكيّة معربدة ، فيسترق النظر و السمع معا ، و يبعث في الأثناء بعينيه المتيقّظتين رسلا يفتّشون في ثنايا القابعين على صمتهم ينتظرون خروج العبد من بطن السفينة الرابضة على باب البحر في تغنذج سافر . قافلة من الخرفان مسرّحة في شرايين الجبل المطلّ في انكسار على الجاثمين حول الضيف . فجأة أطلّ العبد محمّلا بالخنوع و الصندوق الأحجية ، فرك الغريب عينيه ليتتبّع المشهد بوضوح أكثر ، و سوّت نخلته فضولها ، كما رتّبت تفاصيل انتباهها .
أينع الفضول في العيون المنتشرة على الشاطئ و الرامقة للعبد القادم من السفينة مثقلا تحت مطر من الأسئلة الملتهمة لسرّ الصندوق المترنح بين يديه ، سيد السفينة الجالس على صهوة الشموخ مختالا يبادل أصفياءه التحايا و الابتسامات
تقدم العبد نحو سيده ، و المتحلقون حوله يغطّون في صمت محموم ، وضع العبد الصندوق الأحجية أمامهم ، ثمّ استقام في وقفته ، ثمّ تقهقر إلى الوراء خطوات . استقام الضيف في جلسته ثمّ فتح الصندوق بعناية فائقة ، و أخرج منه تاجا يضيء نوره ما بين المشرقين والمغربين ، و كذلك أخرج سياطا من ذهب وكيسا كبيرا محشوّا ذهبا و فضة ، و لمّا أتمّ إفراغ الصندوق ، وقف الضيف و من بعده كلّ الحاضرين إلاّ المغلولات لذن بالدمع و الحزن الكسير ، تقّدّم الضيف نحو الجالس على عرشه محفوفا بالجواري و وضع التاج على رأسه ، كما أهداه السياط ، فشاع في الجوّ التهليل و التكبير و خرّ الحاضرون سجّدا لولي أمرهم الجديد ، و بعد ذلك فتح الضيف كيس الذهب و الفضة و طفق ينثر الأموال و الضحكات المتبرجات هنا و هناك، و من ورائه النمل و الخنازير و القردة و العمائم و الجماجم يلتقطون النعم الجارية من بين أصابع يده الكريمة المبسوطة حدّ الفحش . و بينما هم كذلك إذ بكبير عروش الصحراء سنّا ينادي في الناثرين و الملتقطين أن وجبت ساعة إكرام الضيف و أزفت ، فامتثل الناس جميعا ، و عادوا سيرتهم الأولى يلفّهم الخشوع و تنادى أولياؤهم فيما بينهم أن فكّوا عن حريرات الصحراء المغلولات أغلالهنّ ، و فكّ كل ّ صاحب عرش عن المرأة المشدودة بالسلاسل إلى عرشه أغلالها و قدّمها بعد ذلك للمذبح المقدّس قربانا ، أما القادم من الأزرق فواقف بين جنده لا يريم يرقب بعين متغنّجة الحرائر المطروحات بين يدي المذبح المرصّع بالذئاب و الكلاب و العمائم و العروش .
اضطربت القبور المتلبّسة بالصحراء الثكلى ، و حلّق في السماء المضرّجة في دموعها النحيب و الغربان ، و الشمس الذابلة سقطت مغشيّا عليها قرب الصبح المغلول حدّ الإنهيار ، زأر الغضب في شرايين الممدّد بجانب نخلته المضطربة ، و ارتفعت ألسنة الانتقام في دمه الضاجّ في مرجل القلق انتفض الغريب الممدّد على حزنه ، استأسدت رفيقته في تهدئته ، ترجّته بدموعها الغزار أن يلزم مكانه ، انتفض من مكانه كمن به مسّ من الجنون ، شدّته رفيقته إليها شدّا و استبسلت في إثنائه لكنه ترك توسلاتها وراء ظهره ، و فكّ بكل ما أوتي من قوة و إصرار من يديها بدنه المزبد ، و أطلق العنان لرجليه الملتهبتين غضبا و حقدا لينقذ من براثن السكين المنتصب في يمين كبير العروش الحرائر المطروحات قرب المذبح ، ركض نحو المذبح كحصان مخبول ، و ارتفعت السنة توعّده تسابق الريح ، لم تخفه صيحات الفزع ، و لم تثنه براثن الوعيد و النهش ، ركض كأنه لم يركض من ذي قبل ، نحو كبير العروش المدجّج بالليل و الشوك العنيد ، و قبل أن يبلغ مأربه استقبله الرصاص من كل مكان ، من الطائرات السابحات في السماء المنطوية على حسرتها ، و من الدبابات الرابضات على الشاطئ . دبّ الضجيج في الجماعة ، و طوّقت العيون و المخالب المكان ، و ذابت النخلة وراء الرمس في خوفها الوحشيّ ، تتابع خلسة تخبّط صاحبها في دمه .
أطلقت النسوة المغلولات الزغاريد ، و اختلط المكان بالرهبة و الحذر و الصياح و النباح و الفرح الدّفين ، و طوّق العسس الجثّة من كلّ مكان ، و انتشرت العيون في مناكب الأرض بين القبور المتراصّة بحثا عن خطر قد يهدّد أمن الضيف و مرافقيه .
ألقت الكلاب بجثة الغريب الممزّقة على باب البحر بعدما قطّعتها عيون الخائفين و الحاقدين. وبعدما أنزل الحرس بها عقابه و لملم الناس في أفئدتهم أشلاءها المتناثرة وأحلامها المبعثرة و استعاد المكان صفاءه ، حينها تقدّم سادة الصحراء نحو الضيف المبجّل و ركعوا بين يديه تبجيلا و اعتذرا ، ثمّ توجّهوا جميعا نحو المذبح محروسين بالكلاب و الذئاب و الأفاعي و الضفادع و القردة ليشهدوا عيد النحر السنوي .
رفع كبير العروش السكين المتأهّبة في وجوه المطروحات أرضا ، ثمّ نحرهنّ الواحدة تلو الأخرى ، فانفجرت الحناجر بالزغاريد و النحيب و التهليل و الصياح و البخور و الغثيان ، و سقت فرحا القيان الحاضرين خمرا معتّقة ، و رقصت العروش و الغربان ، و ملأ الغلمان من دم المنحورات الدّنان و بعدما ختموها قدّمها كبير العروش عربون وفاء للقادم من الأزرق و هدية سنوية ، هكذا جرت العادة من كل سنة بين قبائل الصحراء ، ثم أهداه كبير العمائم مفتاح المدينة ، و لمّا أتمّوا مراسم النحر توجّه الضيف في جنده إلى سفينته بعدما ودّعه أحلام الصحراء و أعيانها ، وتفرّق الجمعان ، فريق ابتلعته السفينة ، و فريق التهمته الصحراء ، و خلا بذلك المكان إلا من النخلة الجالسة على أشواك حزنها و خوفها من أن يتفطّن لها الذئاب و النسور فتلقى ما لقيه صاحبها فتسقط من يمين حلمها الشمس الموعودة







 
رد مع اقتباس