عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 19-10-2005, 02:43 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الرواف
ضيف زائر
 
إحصائية العضو






افتراضي الإجابة المطلقة .. قصة قصيرة ..

بريق عينيه المشع من خلال نظراته المخيفة، يوقع في نفس كل من ينظر إليه ، شعوراً بضرورة تجنبه بكل وسيلة ممكنة، ومع هذا لم يترك هذا الشعورأثراً في نفسي، وبالتالي لم أسارع إلى تجنبها.
في عمق تلك العينين ، وفي تفاعل تلك النظرات، اكتشفت إنساناً غير هذا المهلهل الثياب، الممزق النفس، لقد وصلت من خلالهما إلى ذلك الإنسان المدفون ، في غياهب هاتين العينين ، والساكن في عمق نظراتهما الباردة الممتزجة ببلاهة ، أجزم بأنها لم تكن من طبيعتها ، تبحث رغماً عن كل شيء في المجهول ، مقهورة من شيء ما ، من خلالها أدركت ذلك الإنسان المطموس ، في أعماق اللامعقول داخل هذه الشخصية المتوحشة والمتشحة بكل غريب.
عرفته يافعاً، يحمل قلباً وعقلاً طموحين ، يجتازان كل حد معروف للطموح، صامتاً حين يكون الصمت ملاذاً ، متحدثاً ينساب عذب الكلام من شفتيه حين يكون الكلام لزاماً.
كنت أسكن ذلك الشارع الموغل في تاريخ البلدة، المرتكز في أكثر أحيائها عبقاً برائحة القديم ، جاء من قريته النائية لمتابعة دراسته في المدينة ، كان منزل أقاربه الذين نزحوا قبله هو صلة معرفتي به التي بدأت بالتحايا والمجاملة ، لتوطدها لقاءات الجيران المعتادة ، التي تفرضها مناسبات تجمعهم في مختلف الأحوال والأماكن .
فاجأني بتقدم تفكيره عن عمره الذي لم يتجاوز العقدين مهتماً بأمر دراسته ، كانت عشقه الوحيد ، لا يشاركها شيء ، سوى الكتاب ، يفزع إليه حين ينتهي منها بنهم غريب.
بدأ قناع الخجل القروي الذي يميزه ، ينزاح مع تكرار لقاءاتنا ، خصوصاً بعد تعرفه على مكتبتي العامرة بصنوف الكتب ، أدركت إنه حين يكون معها ينطلق لسانه من كل عُقله ، وإذا صمت فإن صمته يحاط بهالة من قداسة غريبة ، وحينها تلتهم عيناه كل محتويات الكتب التهاماً.
كان يعيش بإدراك محنك،خبر تجارب الحياة، ويحوي عقله ، مكانا ، غير المكان الذي يحتويه ، ويشعر بشعور زمن غير الذي يعيشه ، وكعادة الحياة ثبات الأمور فيها من المحال ، تضطرنا إلي مفارقة من نحب ، ومغادرة كل الأمكنة التي تسكننا، قبل أن نسكنها، وتفرض علينا وجوها ، وأماكن مختلفة ، ها أنا أضطر إلي ترك ذلك الشارع ، الحامل لكل ذكرياتي وأغادر ذلك الحي، الساكن أعماقي، منذ أن تنفست عيناي ضوء النهار .
رأيت في عينيه ذلك اليوم نظرة ، يطفيء وهجها حزن ساكن في أعماقه ، وترنو منها توسلات يكبت خجله الأبدي رغبة عميقة من التصريح بها ، تراءت لي فكرة ، مع أخر حمولة أثاث تخرج من ذلك الشارع ، فتركت له قسماً مما أملك من كتب، شاهدت بعدها ألقاً في عينيه يحمل فرحاً راقصاً.
أخرج تباريح الذكريات ، من انسدالها في تجاويف الذاكرة صوتاً أجشاً غريباً، انتفظت بإلتفاته ناحية مصدر الصوت ، كان هو ، وقد اقترب مني طالباً، ( سيجارة ) ، لم يكن يدخن حين تركته ، وماذا افعل الآن ؟ فأنا لا املك سيجارة لأنه ببساطة ، لم أدخن ولو واحدة في حياتي ، كرر طلبه ، زادت حيرتي ، أنقذني احد المارة ، هذه سيجارة لك يا ، (.....) ! اسم غريب ،لا يتوافق وإسمه الذي عرفته به ، قهقه ذلك الشخص الذي أعطاه سيجارة ، ومضى في حال سبيله .
عدت لتأمله ، شعره المصفف بعناية أوان لقائي الأول به ، أراه الآن أشعثاً مغبراً ، تقف كل مجموعة منه لوحدها ، لم يتخلله ماءٌ ، ولم يدخله مشط ، منذ زمن طويل ، ملابسه التي كانت تنم عن ذوق رفيع في اختيار الشكل واللون ، أصبحت عبارة عن خرق بالية ، تحمل أطيافاً من الأوساخ ، ويظهر لحم جسده من فتحاتها العديدة.
فتحة فمه تميل إلي اتجاه أكثر من الأخر، لسانه يتدلى خارج فمه ، لعابه يسيل حتى أغرق صدره ، ماذا حل به ، وأين ذهبت صورته المميزة ، التي عرفته عليها.
هيه :أستاذ ، دعك منه ، لن يتركك بطلباته الكثيرة والغريبة ، وكلامه الذي لن تفهم منه شيئا ، ًإنهم جيل مارق ، ما أن يشعر احدهم بأنه أصبح خارج دائرة المراقبة ، حتى يجر على نفسه الهلاك ، ويتبع الأهواء التي توصله إلى هذا الحال ..!.
هل يعقل أن يكون هو ، صاحب ذلك العقل المتزن، والفكر السابق لعمره ، المتلفع بذلك الخجل الأبدي الذي ترعرع عليه ، كيف وصل إلى هذا الارتداد، تساؤلات وظنون ، ظل صداها يعتمل في صدري دون إجابة مطلقة .







 
رد مع اقتباس