شتاءات
إلى الأطفال الذين كانوا والأطفال الذين سيكونون ..إلى تلك القرى التي منذ أن كانت وهي تومئ من على
أكتاف الجبال إلى رجالها.. وهم يغيبون خلف الشمس..
وبعد غيابٍ طويل... يعود ليجد الصف الرابع خاليا من الأطفال ..مقاعدٌ يجثو عليها غبار السنين ...
وجدران تصدعت عليها الأيام وتموجت منها خيالات طفولة مهجورة تسأل باستغراب لمن هذا الأب؟! ...
وبابٌ مكسورٌ يتلوى من وجع الريح إذ تخبره بأنها في الطريق إلى الأبد ... ليدرك كم أنهُ سيظل مكسوراً ..
وكم أنهُ سيظل لا ينسى ذالك الفؤاد الذي كان . .
.
.
.
.
.
كان " فؤاد"..
أستاذا للنحو يعلمهم لغة الأكباد ...
كم قص حكايتهُ..
كم ظل يعذب أحزانه
كم أصغى سمعاً للريح..
كم عاد يذكرُ نسيانه
كم أشجى قلبَ المَوّالْ..
"للصف الرابع بابٌ مكْسورْ
لمن الأطفال..؟!
لمن الأطفال..؟!"
فتعودُ حكايتهُ تحكي ..
لكأن فؤاداً إذ كان..
في ذات شتاء...
والريحُ تعلمُ سطوتُها لغةَ الإصْغَاء..
والبردُ يتيم ..
إذ دخلَ الفصلَ وأقرأهم في البدءِ سلامه ..
أخذ الطبشورَ وقال ..
من منكم يعربُ جُمْلةَ "عــادَ أبي" ..أعطيهِ علامة
وأعادَ كلامه...
ومشى بين الأطفالِ يذكرُ..
أنسيتم؟!
من منكم يذكرُ ما قلنا ..
من منكم ؟!
من منكم يذكرُ ما كان ..
أنسيتم ..؟!
أنسيتم ..؟!
هل أنتم من وطن النسيان ..؟!
...
...
الريحُ تناستْ سطْوتَها ..
و"فؤادُ" يرددُ نسْيانَه
والصف الرابع لا ينسى
من أقصى الحلم إلى الذكرى
ترنو عيناه..
والذكرى تنأى تبتعدُ
وفؤاد يردد نسيانه..
والريح وجومٌ إذ شردوا
الريح وجوم..
..
..
الجالس في زاوية الصف يقوم ..
ينتفض الحزن على وجهٍ مضموم..
أستاذي ..
الماضيَ فعلٌ لا يأْتي
لا يخبر عن شيءٍ آت..
شيءٌ فات ..
فالماضيَ سافرَ..
هاجرَ
غادرَ
ماتْ..
الماضيَ فعلٌ منسيٌ
لا تدري عنهُ اللحظاتْ ..
أستاذي..
أستاذي..
وتناءتْ عنهُ الكلماتْ..
وبقايا في الوجهِ إجابة..
في الركنِ الآخر طفلٌ يلتثمُ كتابَهْ .
أستاذي..
"عاد أبي"
الفعلُ مضى
والفاعلُ ما عاد ..
سقط الطبشور..
وتولى آخر وجهٍ عنهم ..
لتظلَ الأعينَ تَرْقَبُهُ
وتحدّقُ في الباب المكسور ..
وتعييد الريح الموال..
"للصف الرابع بابٌ مكسور..
لمن الأطفال ..؟!
لمن الأطفال..؟!"