منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - في ذكرى رحيل الشاعر "عمر أبو ريشة"...!!
عرض مشاركة واحدة
قديم 14-07-2006, 05:53 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نايف ذوابه
أقلامي
 
إحصائية العضو







نايف ذوابه غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى نايف ذوابه

افتراضي في ذكرى رحيل الشاعر "عمر أبو ريشة"...!!

في ذكرى رحيل الشاعر عمر أبي ريشة
الرابع عشر من تموز
شاعر الإباء والعنفوان


لم يكن يدري النسر الجريح الذي لم يُمِت السّفح شعوره، ولم يوهِن كبرياءَه، لم يكن يدري أنّ أُخريات أيامه سيقضيها في الرّياض بعد أنْ أتعبه التّطواف في عواصم العالم، وفاضت روحه في المستشفى العسكري في مدينة الرياض بعد غيبوبة طويلة، وصراع مرير مع جلطاتٍ قلبيّة وذبحاتٍ صدرية؛ ليتوقف القلب النابض بالعُنفوان في الرابع عشر من تموز 1990م.
وعمر أبو ريشة لم يكن حاضرًا – فقط- في مختلف الأحداث، ولم يكن حضوره قويًا وحسب، بل كان مُجلجِلا مزلزلا عنيفًا. كان حسّه المرهف معجونًا بهموم الأمة؛ لقد أفسدت عليه الأحداث التي شهدتها المِنطقة هدوءه، ونغّصت عليه عيشه.

هزيمة 1948 هزّت كيان الشاعر وكادت تطيح بتوازنه لولا رباطة جأش واستنارة بصيرة حافظ بهما على وَعْيه، وأضاء بهما الطريق الذي يريده للأمة أن تسلكه بعد أنْ كشف وعرّى وفضح أوكار الخِيانة والتآمر على قضية فلسطين. في قصيدته" بعد النكبة للشاعر"
_ هذه القصيدة نظمها الشاعر بعد نكبة 1948م ويرى الشاعر في هذه القصيدة أنّ أمته قد فقدت مجد السيف والقلم، ولا يحسب لها حساب عند الشعوب ، والشاعر يرى أنّ الأمم تتقدم بالفكر والبطولة، وليس لأمته شأن في ذلك. وإذا كانت خميرة الإبداع قد فسدت في الأمة، وشُلّ فيها ساعد البطولة؛ فقد فقدت مبرّر وجودها، والشاعر يحنق بل يشقى من المقارنة بين الماضي الزاهي ــ إذْ كان العرب هامة الأمم ــ والحاضر الأسود ــ إذ أصبحوا ذيلاً لها .

أمتي هــــل لـــــــــــك بـين الأمـــم
منبرٌ للسيــــــــــــــــــف أو للقلــــــم

أتلقــــــــــــــاك وطـرفي مطــــرقٌ
خجلاً من أمســــــــــــــك المنصـرم

ويكاد الدمــــــــــــــــــع يهمي عابثاً
ببقايا كبريـــاء الألــــــــــــــــــــــــم

أمتــــــــــــــــي كم غصـةٍ داميــــــةٍ
خنقت نجوى عُلاك في فمــــــــــــي

أيّ جــــــــــــرحٍ في إبائي راعـــفٍ
فاته الآســـــــــــــي فلم يلتئــــــــــــم


: كذا قصيدته التي أعقبت هزيمة عام 1967م
والتي رددتها الأصوات العربية من المحيط إلى الخليج هاجيا الرؤساء العرب بلا استثناء
إنْ خوطبوا كذبوا أو طولبوا غضبوا
أو حوربوا هربوا أو صوحبــوا غدروا

خافوا على العار أنْ يُمحى فكان لهم
على الرباط لدعــم العـــــار مؤتـــــمر

على أرائكـــــــهم سبحـان خالقـــهم
عاشوا وما شَعَروا، ماتوا وما قُــــبِِروا
كان عمر أبو ريشة مضرب المثل في كبرياء الشاعر في زمن التصاغر، وإراقة ماء الوجوه على أعتاب البلاطات؛ "فالشاعر أبو ريشة لم يركن لغير صوت الشاعر في داخله، وصوت ضميره وقيمه العليا التي استنزفت وجوده،وعمّقت غربته ومأساويّته؛ فقد عاش مأساته شاعرًا وإنسانًا في آن ،والأمّة التي غنّاها أجمل الشعر ، واستعذب من أجل عينيها سنوات السّجن والنّفي أمّة ممزّقة مغلوبة على أمرها ، أكلت أسواق النّخاسة وسِياط التخلّف من لحمها الكثير الكثير"!!
وما أشبه اليوم بالأمس! إذ إنّ عمر يكاد يصف حاضرنا المخجل، و الذي تحوّلت فيه أمتنا إلى حملان بيد الجزّار الآثم، ولا تجد من يردّ عنها أو يأخذ بثأرها. فيقول في قصيدة أخرى:
المــــــجد يخــجل أنْ يُجيل الطّرف
فــــــيما هدّم الجبنــــــاءُ من أسواره

فـــــــــــــكأنه من نيلــــه لـِـــــفُراته
حَمَل تجاذبـــــه يــــدا جــــــــــزاره

كم حــــــــرّةٍ لم تدر عين الشمس ما
في خدرها، أغضت بِطَرْفٍ كاره!!

وبناتها وجـْـــــــلى ، تضج أمامـــها

والـــرجس يدفعـــــــها إلى أوكـــاره

بمن استجـــــارت هذه الزمر التــي
مدّ الزمـــــــان لها يد استهـــتاره ؟!

حسبـــت بناء العرب مسموك الذّرا
تتحطّم الأحــــداث دون جـــــــــداره

فإذا البناة على ذليـــــــــل وســــادها
تغفو عن الشرف الذبيـــــــح وثاره!

أما الموت في فلسفة شاعرنا فهو سَفَر، وكان يتذمّر ممن يقول: إنّ شخصا ما قد مات، وهو يستعمل تعبير "سافر" بدليل أنّه وضع في يد رفيقة دربه السّيدة "منيرة مراد" رسالة مختومة قبل أنْ يُجري الأطباء العمليّة الجراحيّة في قلبه، وكان في الرّسالة الأبيات التالية:

بينــــــــــي وبين الــــــــــــموت ميـ
ـعادٌ أحـــــــــــثُّ له ركـــابـــــــــــي

هذي الربــــــــــــــــــــــــوعُ ربوعُ آ
بائي وأجــــــــــــــــــدادي الغِضـابِ

عــطّرْ فِــــــــــــــــــــــــداك العمرُ يا
ميعادُ من جُرحـــــــــــــــــي ترابــي

في السنوات الأخيرة انعجن صوت الشاعر برنّة حزن مكابر، ونبرة تسليم مقاوم بقدر الأمة، واصطبغ بريق عينيه بتحدٍّ عنيد، فلا هو يقدر على العودة إلى السفح عودة النسر، ولا جناحاه تقويان على حمله وبقائه في الأعالي هذه المدّة .
لما تقاعد – رحمه الله – أقام في بيروت وكان عازمًا على وضع ملحمة مطوّلة جعل عنوانها "عودة المغترب" لكن يقدّر الإنسان في نفسه أمرًا، ويأباه عليه القضاء . وفيما هو يهمّ بصياغة تلك الملحمة، أُصيب بتجلط في دماغه واضطرّ إلى دخول المستشفى .
مساء السبت الواقع في 14 تموز 1990م وبعد معاناة مرضية شديدة استمرت ستة أشهر شهدها المستشفى الحكومي في الرياض توقف قلب الشاعر الكبير "عمر أبو ريشة" وطُوِيت صفحة أيامه المضيئة .






التوقيع

اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
وأصلح لي شأني كله
لا إله إلا أنت
 
رد مع اقتباس