منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - 12 لوحة زيتية لكل فلسطيني .. لإسماعيل شموط
عرض مشاركة واحدة
قديم 27-07-2006, 08:59 AM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
عبود سلمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبود سلمان غير متصل


شهادات اعتزاز لكل طفل عربي و فلسطيني .. حول الراحل ا سماعيل شموط


الاربعاء 26تموز 2006 العدد 3867 السنة الحادية عشرة


مقالات

دمعة الأربعاء - أحمد دحبور

اسماعيل شموط وكتابه الرائد: "الفن التشكيلي في فلسطين"..



ثقافة
فقدت فلسطين، خلال الاسبوع الفائت، واحدا من اعلام رموزها الثقافية التي أسست لمشروع ثقافي كبير، كان رائدا ورديفا للمشروع الوطني الذي قامت عليه الانطلاقة الفلسطينية المعاصرة. فقد رحل عن دنيانا، غريبا في المانيا، الفنان اسماعيل شموط الذي ظل سفيرا لقضيتنا باللون والضوء والظل ما يزيد على نصف قرن. وما لا يعرفه الكثيرون عن هذا المبدع الطليعي، انه كان يكتب اضافة الى ما يرسم. وقد ترك للاجيال كتابا فريدا في موضوعه وموضوعيته وشموله، بعنوان >الفن التشكيلي في فلسطين<، اصدره عام 1989، ويقع في زهاء ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير جدا، ويتضمن، بالألوان المفروزة جيدا، ستا وستين وثلاثمئة صورة لستة وعشرين ومئة فنان فلسطيني، مع ضبط تاريخي للرسم والنحت في فلسطين، وفهرس تفصيلي باسماء الرسامين واماكن وجودهم، لم يتجاهل صغيرا ولم تصرفه المنافسة عن كبير، حتى صح القول المثبت في الطية الداخلية الاولى لهذا الكتاب، انه >اذا قيض للمكتبة العربية ان تحظى بموسوعة عن الفنون في مستقبل الأيام، فان هذا الكتاب بشقيه الأدبي والفني، يشكل جزءا لا يتجزأ من ذلك العمل الكبير<.
وفي الطريق الى هذا الكتاب، ابادر الى التعريف ببطاقة فناننا الراحل الكبير، مصححا ما وقعت به ذاكرتي الخائبة فور سماع النبأ الحزين، من خطأ في تاريخ الميلاد ومسقط الرأس. فهو مولود يوم 2/3/1930، وليس عام 1936 كما ظننت خطأ وكتبت في اول ردة فعل على رحيله. كما أنه من أبناء اللد، لا الرملة كما كتبت خطأ ايضا، فاستغفر الله وأعتذر ملتمسا مقولة: الغلط مردود.
نشأ اسماعيل عبد القادر شموط في اسرة متدينة متوسطة، وبعد النكبة هاجروا الى خان يونس، حيث امتهن الوالد فن التصوير، وهو الفن الذي سيرسخ في وعي الفتى وينبهه الى اهمية التعبير بالألوان. والواقع ان هذه الهواية وجدت طريقها الى اسماعيل منذ ان كان لا يزال فتى في اللد. ولم تصرفه النكبة، حيث عمل بائعا جوالا ثم معلما في احدى مدارس اللاجئين، عن هوايته الأثيرة، فأقام اول معرض رسم فلسطيني في غزة، وذلك سنة 1953، وفي العام التالي كان هو اول رسام يتخرج من كلية الفنون الجميلة في القاهرة. وكان اول من حمل درع الثورة الفلسطينية للفنون والآداب عام 1978، كما انه نال وسام القدس عام 1990. وظل اسم اسماعيل شموط مقترنا باسم المبدعة تمام عارف الأكحل، رفيقة عمره وجهاده الفني حتى اللحظة الأخيرة.
ويذكر لهذا الفنان الكبير انه مؤسس دائرة الفنون ومديرها في منظمة التحرير الفلسطينية، كما انه كان اول امين عام لاتحاد الفنانين الفلسطينيين. وقد اشرف على الادارة الفنية لوفد فلسطين الى مؤتمر الشبيبة العالمي في برلين عام 1973، فلفت انظار العالم بأناقة الزي الفلسطيني الموحد الذي كانت تزينه الكوفية المرقطة باللون الاسود لأول مرة.
تنقل اسماعيل بين اللد وخان يونس وغزة والقاهرة وبيروت والكويت والمانيا التي ودع الدنيا فيها، وظلت فلسطين هي بوصلته الهادية حتى الرمق الأخير.
والآن الى السفر النفيس الذي تركه للأجيال العربية، والفلسطينية منها على وجه الخصوص، بعنوان >الفن التشكيلي في فلسطين<.

الموقع والتاريخ
منذ البداية، يحرص اسماعيل شموط على تحديد المصطلح ليكون القارئ علي بينة مما هو عازم على قراءته، فيوضح ان الفنون التشكيلية هي الرسم والتصوير والحفر والنحت وفروعها في الزخرفة والتصميم والاعلان وما يتصل بها في مجال الخلق والابداع. ويستدرك مشيرا الى ان التصوير هي الكلمة الصحيحة لمعنى الرسم بالألوان، ولا تعني التصوير الفوتوغرافي الا اذا اقترنت بكلمة الفوتوغرافي او الشمس.
ثم يذهب الى موضوعه مباشرة، مؤكدا أهمية موقع فلسطين الجغرافي بما هو حلقة اتصال بين المشرق العربي والمغرب، وما لعبه الاسلام من دور حاسم في تحديد الهوية العربية مؤسسا شخصية الفن الاسلامي الذي صار احد عوامل الوحدة القومية مدعما بالعقيدة التوحيدية التي هي بحد ذاتها عقيدة قديمة. ومن حسن الطالع ان هذا العامل التوحيدي لم يمسح الملامح الوطنية للشعب الفلسطيني بل عمقها.
فقد دلت المكتشفات الأثرية في فلسطين على أن الانسان عاش فيها منذ عشرة آلاف سنة وبنى في اريحا اول بيت من الحجر. وشهد الألف الثالث قبل الميلاد موجات من الهجرة اتجهت من شبه الجزيرة العربية الى سورية وفلسطين حيث استقر الكنعانيون الذين اسسوا حضارة قديمة منذ 2500 سنة قبل الميلاد. وفي حوالي 1200 قبل الميلاد جاءت قبيلة مهاجرة من وسط البحر المتوسط، فسكنت الساحل الجنوبي لمنطقة فلسطين، واقام هؤلاء الفلستز - او الفلسطينيون - علاقة طيبة مع الكنعانيين والاريحيين >نسبة الى اريحا< وقد اطلق الرومان إبان حكمهم للبلاد اسم فلسطين عليها للمرة الاولى في التاريخ، نسبة الى تلك القبيلة المتوسطية.
وجاء الفتح الاسلامي في القرن السابع الميلادي ليشكل الحدث الحاسم في المنطقة فيثبت عروبة فلسطين وباقي المناطق العربية، واعتنق السكان دين الاسلام الى جوار من بقي على دينه من المسيحيين، حيث عاشت الطائفتان في سلام ومودة واخاء يؤخذ مثلا في التاريخ.
وقد تعانق كل من الفن المسيحي مع الفن الاسلامي في فلسطين ليشكلا شخصية كمالية، قوامها الفن البيزنطي والايقونات الدينية والى جانبها الرقش والخط والتصوير، ويعتبر مسجد الصخرة المشرفة في القدس - بني في عهد الخليفة ا لأموي عبد الملك بن مروان سنة 196 للميلاد - الذي احتوى على فن العمارة في ابهى حالاته، احد ابرز معالم الابداع الفني العربي الاسلامي المبكر.
ويستطرد الكاتب في شرح الفنون الشعبية في فلسطين، ولا سيما فن النقش على الحجارة بفروعه الاسلامية والمسيحية والشعبية، معززا ما يذهب اليه بالصور والرسوم، من غير اغفال ان الفن الفلسطيني جزء من الفن العربي العريق.

بدايات تشكيلية
يثبت اسماعيل شموط حقيقة تأخر نشوء الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية بالمقارنة مع مثيلاتها العربية، بسبب الكارثة الاستعمارية التي تعرضت لها فلسطين. واذا كانت الأقطار العربية تعرضت بدوره للانتداب والوصاية والاستعمار المباشر، فان مأساة فلسطين كانت استراتيجية، بمعنى أن المستعمر أتى ليمتص تركة الرجل العثماني المريض ويمضي، الا في فلسطين، فقد جاء بوعد بلفور ليضمن وطنا قوميا لليهود على حساب اصحاب الارض الحقيقيين، أهل فلسطين العرب.
الا أن تأخر ظهور الحركة التشكيلية، لم يمنع ظهور فنانين فلسطينيين، أخذ اسماعيل شموط شهاداتهم ووثقها. وكانت الشهادة الاولى من داود زلاطيمو الذي يذكر محاولاته الاولى بين 1910 و1915، عندما كان يرسم المناظر الطبيعية واحيانا يرمم بعض الايقونات. ويشير زلاطيمو الى فنان فلسطيني رائد لا يعرف اسمه الاول، لكنه من اسرة الصايغ، ويعلق اسماعيل شموط اننا لم نسمع ولم نقرأ عن غير زلاطيمو ذكرا لفنان اسمه الصايغ في بدايات القرن العشرين. الا ان زلاطيمو يشير الى فنان رائد آخر اسمه توفيق جوهرية درس الرسم على يد بعض فناني الكنيسة.
وينتقل الكاتب، اي اسماعيل شموط، الى حنا مسمار فيذكر اسمه كاملا مع تاريخ ميلاده: حنا سعيد حاج مسمار من مدينة الناصرة 1898، ويصفه بأنه اول فلسطيني درس الخزف، وكان قد دخل مدرسة المانية داخلية في الناصرة، والتحق عام 1920 بكلية الفنون الجميلة في المانيا وامضى فيها ثلاث سنوات يدرس الخزف. وانتج فيما بعد اعمالا على شكل النحت البارز وتماثيل مثلت التشرد والضياع ومذبحتي دير ياسين وكفر قاسم. وعندما توفي سنة 1988 كان بين يديه جدارية ضخمة من الخزف لم تكتمل.
اما فضول عودة، ابن الناصرة ايضا، المولود عام 1920، فقد درس في فلورنسا الايطالية فن الرسم والتصوير. وقد نزح بعد النكبة من فلسطين الى لبنان حيث استقر في صيدا.
وكان لا بد من وقفة مطولة مع الفنان جمال بدران الذي تخرج عام 1927 من مدرسة الفنون والزخارف في الحمزاوي - احد احياء القاهرة العريقة - وهو من مواليد حيفا 1909، ويشهد الكاتب الكبير جبرا ابراهيم جبرا انه تتلمذ في الرسم على يد جمال بدران الذي يصفه شموط بأنه استاذ جيل وقائد تيار فني.
ويوم تقلد جمال بدران وسام القدس للثقافة والفنون والآداب من يد الأخ ابي عمار في القاهرة عام 1990، اعاد الى الذاكرة انه هو الذي رمم منبر صلاح الدين الذي تعرض لمحاولة حرق من متطرف صهيوني، وان عملية الترميم قد استغرقت مئات الساعات.
ويشير الكاتب الى عبد الرزاق بدران، وهو شقيق جمال، وقد ولد في نابلس عام 1915 ودرس الزخرفة ايضا وقدم اعمالا جميلة مشهورة. كما رسم لبعض صحف فلسطين رسوما كاريكاتورية بين 1945 و1948.
ويواصل اسماعيل شموط عرض اسماء الرواد التشكيليين، فيشير الى خيري بدران، شقيق جمال وعبد الرزاق، ويتوقف عند محمد وفا الدجاني وشريف الخضرا، وأديب الزعيم، وعبد البديع صبح، وممدوح ونشأت الخياط، وفيصل الطاهر ونجاتي الحسيني وداود الجاعوني وخليل بدوية، ابن يافا، الذي التحق بثورة 631 واستشهد في احدى معاركها.

أديبان وجنرالان
في معرض بحثه عن دور التشكيليين الرواد في فلسطين، يتوقف اسماعيل شموط عند اثنين من ادباء فلسطين البارزين، ويجمع بينهما انهما اهتما بالفن التشكيلي ومارساه، اما الاول، وهو جبرا ابراهيم جبرا، فقد اصبح علما في هذا المجال حتى تكاد شهرته التشكيلية في العراق تنافس شهرته الروائية والنقدية. وكانت هناك مراسلات بين جبرا وشموط، يشرح فيها الاول مراحل اهتمامه وتطور ممارسته للرسم والتصوير، فيما يؤكد الثاني ان جبرا، منذ ما قبل 8491، كان فنانا يستشف من اعماله انه يسعى الى رسوم معاصرة واعية متتبعة للحركة التشكيلية العالمية منذ ذلك الحين. واما الثاني فهو الشاعر حنا أمين ابو حنا الذي حصل على الجائزة الاولى في معرض تشكيلي اقيم عام 7491. والطريف اننا اذا كنا نتابع هذا الجانب الفني في مسيرة جبرا، فاننا لا نحيط بشيء من عالم ابي حنا التشكيلي، ولعله صرف النظر عن الرسم بعد ذلك، او انه ابقاه في دائرة الاهتمام الشخصي الصرف.
لكن ما يستوقفنا حقا هو اكتشاف اسماعيل شموط لاثنين من المع الضباط الفلسطينيين، حتى أن كلا منهما وصل الى مرتبة اللواء الركن، وهما عبد الرزاق اليحيى ومحمد الشاعر، وانهما كانا يزاولان الرسم بحرفية ومهارة ومتابعة. وانا - اي كاتب هذه الكلمات - الذي اتيح لي ان اعرف المرحوم الشاعر عن كثب، اشهد انه مشغوف بالكتابة والموسيقى وله زهاء عشرين كتابا في العلوم العسكرية والسياسية، ولكنه لم يقل يوما انه يرسم.. اما اللواء اليحيى، القائد العام الأسبق لجيش التحرير الفلسطيني، فيحمل في اهابه مثقفا موسوعيا يفاجئك بحجم ما يعرف، وفاجأني انه حصل على الجائزة الثانية في المعرض الذي حصد ابو الامين حنا ابو حنا جائزته الاولى. وان دل وجود اديبين وجنرالين في الحركة التشكيلية الفلسطينية على شيء، فهو يدل على نزعة موسوعية لدى جيل الرواد، حيث كان بعضهم ينتج في مختلف اشكال الابداع، ولا بد في هذا المجال من الاشارة الى الشهيد غسان كنفاني الذي سيوسع له اسماعيل شموط مكانا في هذا الكتاب وينشر عمله التشكيلي الجميل >فلسطين< وهو مؤلف من كلمة فلسطين بتزيينات حققت شهرة واسعة حتى ان الشباب كانوا يرتدونها مطبوعة على قمصانهم الصيفية.
ومن المصورين والرسامين الرواد، يورد الكاتب اسماء فنانين حققوا نجاحات مشهودة مثل فاطمة محب المولودة في اريحا 1920، وهي اول فتاة فلسطينية تسافر لدراسة الفن خارج فلسطين، وهناك جورج فاخوري وروبير ملكي وصوفيا حلبي وغيرهم.
وباستثناء اعمال متواضعة لعرض بعض الرسوم في نادي الشبيبة المسيحية في القدس خلال السنوات الثلاث التي سبقت النكبة، فاننا نلاحظ ان هذه الاعمال لم تقتحم عالم المعارض. وكان معظم الرسامين يومذاك بعيدين عن تناول الحدث الفلسطيني المباشر مع ان الأحداث كانت ساخنة.

شهادة للتاريخ
ينعطف الكاتب فجأة، بعد عرضه الشيق للبدايات، في اتجاه مركب يجمع الذاتي الى الموضوعي. فهو من جهة أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، تشاركه في ذلك تمام الأكحل شموط رفيقة دربه وعمره. وهو من جهة ثانية لاجىء فلسطيني من حقه ان يرى في تجربته الشخصية انموذجا لتجارب الموهوبين من ابناء اللاجئين .ولن ننسى انه عمل رساما في مقر رئاسة وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، منذ اواخر 6591 الى اواخر 1958. وأتاحت له هذه التجربة ان يطل على فقر المناهج الدراسية عندما يتعلق الأمر بالرسم في الاردن وسورية ولبنان وقطاع غزة. فتقدم بمشروع لانعاش التجربة الفنية في تلك المدارس، ووافقت عليه وكالة الغوث. وسمحت له باستخدام المواد المحلية المتوفرة بأسعار زهيدة للغاية.
ومثل هذه التجربة عاشها الفنان توفيق عبد العال، ابن عكا، اللاجىء الى لبنان، وقد تضافرت جهود اسماعيل وتمام وتوفيق ونجحوا في اقامة معرضين للرسم في لبنان، معرض الربيع ومعرض الخريف، وقد افاد من هذه التجربة الفنان الفطري ابراهيم غنام الذي كان من ذوي الاحتياجات الخاصة. اما في القطاع - غزة، فقد نشط عدد من الموهوبين الذين تعلموا الرسم على انفسهم وعلى اساتذة التربية الفنية المصريين. وبرز من هؤلاء الفنانيين الفلسطينيين محمود ابو عسكر وعبد العزيز العقيلي. ولأن تجارب الفنانين الفلسطينيين كانت متشابهة في البدايات، فيمكن القول ان سامية طقطق وفلاديمير تماري قد اكدا حضورهما في ظروف قريبة ولكن خلال انتقالهما من فلسطين الى الاردن الى بيروت.
اما سورية فقد احتضنت واحدا من أهم الفنانين الفلسطينيين، هو ابراهيم هزيمة الذي لجأ به اهله يوم النكبة الى اللاذقية، واستقر أخيرا في المانيا ليكون اول فلسطيني يدرس فيها الرسم والتصوير.
وكان من حق الفنان مصطفى الحلاج، ابن سلمة، قضاء يافا، ان يشير اليه اسماعيل شموط بوصفه رساما ونحاتا لامعا، وبوصفه ايضا من جيل الرواد الذين برزوا بعد النكبة. ولكن الكاتب قد استدرك ذلك بعض الشيء في معرض تعريفه بالتجربة الشخصية للحلاج. ومع ذلك ظلت هناك اسماء غائبة، مثل المقدسية جوليانا ساروفيم والارمني الفلسطينين بول غيرا غوسيان ولكن الكمال غاية لا تدرك.

في كل مكان
لا نستطيع الا ان ننحني للجهد الجبار الذي بذله اسماعيل شموط، وهو يتابع أخبار التشكيليين الفلسطينيين في كل مكان. واذا كانت ظروف الشتات قد سهلت له الاتصال والمراسلة وجمع المعلومات، فقد كان عليه ان يركب الصعب للحصول على اي شيء يخص الفنانين في الضفة والقطاع والجليل والمثلث. فقد اعد هذا الكتاب عام 9891، اي قبل ان يفتح امامنا الجزء المتاح لنا من الوطن، ومع ذلك تمكن هذا الفنان المثابر الصبور من جمع أخبار الفنانين كامل المغني من غزة، وكذلك ابراهيم سابا وتيسير بركات وتيسير شرف وفتحي غبن وصقر القتيل وغيرهم. وحصل من الضفة على معلومات عن الفنانين سليمان منصور وعصام بدر وفيرا تماري وكريم دباح ونبيل عناني وغيرهم.
وكان طبيعيا الا يتيح له المجال المحدود ان يتوقف عند المدارس الفنية التي ينتمي اليها هؤلاء الفنانون، فاكتفى بالاشارات الأولية عن محال سكناهم وعن الخطوط العامة لملامحهم الابداعية. والواقع ان أهمية هذا النوع من الكتب، تكمن في تحديد ملامح الخريطة الفنية على أن يأتي فنانون آخرون ليكملوا المهمة. وقد فعل ذلك مثلا، الفنان كمال بلاطة الذي وضع كتابا نفيسا بعنوان >الفن التشكيلي الفلسطيني: استحضار المكان< وقد اصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في طبعة فاخرة عام 0002.
وذا عدنا الى كتاب اسماعيل شموط، نراه يتوغل في المنطقة البعيدة سياسيا. بحكم واقع الاحتلال، وذلك في الضفة والجليل والمثلث والاراضي المحتلة منذ 8491، فيجمع خبار الفنانين محمد حمودة ورحاب النمري وصلاح الأطرش وجلال ضبيط وفاتن طوباسي وخضر ابو احمد وداود الحايك وجواد ابراهيم وعوض ابو عرمانة وخليل الددح وطالب الدويك وشبلي عطا الله وغيرهم. ويبدو من المستحيل احصاء اسماء الفنانين جميعا، مع التأكيد ان سقوط بعض الاسماء لا يعني انتقاصا من مواهب اصحابها، ولكنها ظروف الفنان الكاتب الذي لم يستطع، ولا يفكر أحد في انه كان يستطيع وحده ان يعثر وحده على معلومات عن الفنانين الفلسطينيين المتناثرين في الوطن والشتات.
ولكننا نذكر له انه وضع ثبتا في المعارض الجميلة التي اقيمت على ارض فلسطين وكذلك ما استطاع ان يجمعه من اخبار المعارض الفردية في الضفة والقطاع.
ولم يفته ان يتوقف عند الانتفاضة الاولى وأثرها في الفن التشكيلي الفلسطيني، وأخبار الفنانين الذين تعرضوا للاعتقال من امثال فتحي غبن، فضلا عن المواهب التي تفتحت خلف القضبان من امثال محمد الرسموعي وزهدي والعدوي ومحمود عفانة ومحمد ابي كرش وعيسى عبيدو.
ومن حق الحركة التشكيلية الفلسطينية ان ننوه بكوكبة من شهدائها الذين ضحوا بأرواحهم على مذبح الحرية، من امثال خليل بدوية الذي سبقت الاشارة الى استشهاده في ثورة 6391، وعبد العزيز ابراهيم الذي استشهد في حمام الشط بتونس، وناجي العلي الذي استشهد في لندن.

نحو متحف وطني
كما قلنا سابقا، انجز المرحوم اسماعيل شموط كتابه النادر هذا، عام 9891، اي قبل سبعة عشر عاما. وخلال هذه الفترة عاد من عاد الى الجزء المتاح لنا من الوطن، وأمكن للكثير من الفنانين ان يجددوا التعارف فيما بينهم، كما تحرر بعض الفنانين الاسرى، كذلك رحل عن دنيانا بعض الفنانين مثل مصطفى الحلاج واسماعيل شموط نفسه. وهذه التطورات الطبيعية والدراماتيكية كان من شأنها ان يشار اليها لولا أن الكتاب كان قد صدر، واصبح من غير المنطقي ان يضاف اليه شيء بعد غياب المؤلف.
ولكن الطبيعي والواجب ألا تكون مبادرة اسماعيل شموط مجرد بيضة ديك او خطوة غير متبوعة. فالشتات الفلسطيني غير المعقول يستوجب العمل على متحف فلسطيني تزداد الحاجة اليه بادراكنا الفاجع ان ظروف النكبة جعلت الكثيرين من الفلسطينيين يحملون جنسيات مختلفة. وهو امر يجب الا يتعامل معه الاشقاء العرب بحساسية. فجبرا ابراهيم جبرا، مثلا، يظنه الكثيرون عراقيا. والواقع انه على المستوى الفن التشكيلي عراقي المشاركة والتجرب، بل انه في طليعة مؤسسي جماعة بغداد للفن الحديث. ومعظم الفنانين الفلسطينيين في الاردن يحملون الجنسية الاردنية، وليس التنويه بجنسيتهم الفلسطينية نوعا من التنكر لعروبتهم وللجانب الاردني الذي يشاطرون فيه اشقاءهم ذلك النوع من المواطنة الاخوية والادارية. اما اذا كان هناك فنان مثل بيار صادق، ابن قرية البصلة الجليلية، الذي يعتبر نفسه لبنانيا، فلا احد يفرض على احد جنسيته او الهوية التي يريد.
لقد كنت، خلال الربيع الفائت، في سورية، وفوجئت في مدينة حمص، ان عددا غير قليل من الفلسطينيين قد تنادى الى معرض جمعي للفنانين التشكيليين المقيمين في سورية، ومعظمهم اسماء جديدة..
ان هذه الملاحظات من شأنها ان تجتمع وتتجمع لتؤسس على كتاب المرحوم اسماعيل شموط والمحاولات الرائدة الشبيهة مشروع متحف فلسطيني يضم اعمال الفنانين الفلسطينيين منذ مطلع القرن العشرين. يشجعنا على ذلك ان هذا الكتاب يضم في ثناياه - وكذلك كتاب الفنان كمال بلاطة المشار اليه - رسوما مشهورة مطبوعة بفرز الوان جيد. ويأتي بعد ذلك دورالدارسين والمحللين. الا ان جهدا كهذا يحتاج الى وجود المؤسسة المتخصصة مثل وزارة الثقافة او اتحاد الفنانين التشكيليين.
ورحم الله فناننا الكبير فقد كان مؤسسة في اهاب فرد. الا ان هذا لا يعفينا من مواصلة مشروعه الكبير.



--------------------------------------------------------------------------------
© 2005 حقوق الطبع محفوظة (جريدة الحياة الجديدة )

http://alhayat-j.com/details.php?opt=1&id=28333






 
رد مع اقتباس