في الإنصاف والعدل في الأقوال والأحكام :
علينا أن ننظرَ بالعينينِ.. ونَزِنَ بالكَّفتينِ.. ولا نكون كالمنافقِ الذي إذا خاصمَ فجرَ.. وجحدَ ما كانَ من المعروفِ وأنكرَ.. بل علينا أن نَمتثلَ قولَه تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).. فلا تنسَ أيُّها الزَّوجُ فضلَ زوجتِكَ وصبرَها معك.. ولا تُنكرْ أيُّها الصَّديقُ صديقاً بذلَ الكثيرَ لك.. ولا تجعلْ غضبةً تُنسينا إحسانَ أهلِ الإحسانِ.. ولا زلةً تمحي فضلَ أهلِ الخيرِ والإيمانِ.. يقولُ سعيدُ بنُ المُسيَّبِ -رحمَه اللهُ-: "ليسَ من شريفٍ ولا عالِمٍ ولا ذي سُلطانٍ إلا وفيه عيبٌ، ولكن من النَّاسِ من لا ينبغي أن تُذكرَ عيوبُه؛ فمن كان فضلُه أكثرَ من نقصِه وُهِبَ نقصُه لفضلِه".
عندما نحكمُ على النَّاسِ.. ينبغي لنا أن نراعيَ الصِّدقَ والعدلَ.. كما قالَ تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا).. ولا يليقُ بالمسلمِ أن يكتمَ المحاسنَ ويُظهرَ السَّيئاتِ.. ويتناسى الجميلَ ويَذكرَ القَبيحاتِ.. وهذا منهجٌ ربَّانيٌّ عظيمٌ.. اسمع إلى قولِ اللهِ تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ) وهو المالُ الكثيرُ (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) [آل عمران: 75].. مع أن هذه الآيةَ جاءت في سياقِ آياتِ الذَّمِّ لأهلِ الكتابِ.. ولكنَّ اللهَ -سبحانَه وتعالى- ذكرَ ما في بعضِهم من الأمانةِ.. لنتعلَّمَ الصِّدقَ والعدلَ والأمانةَ.
وكانَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا ينتقصُ ما عندَ النَّاسِ من جميلِ الأخلاقِ.. ولو كانوا كفَّاراً ليسَ لهم في الآخرةِ من خَلاقٍ.. فها هو يقولُ لأصحابِه عن النَّجاشي قبل إسلامِه: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجَا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ".. فلم يمنعه كفرُ النَّجاشي عن ذكرِ ما فيه من العدلِ والإحسانِ.. بل يبعثُ إليه الصَّحابةَ ليتخلَّصوا من أذى أهلِ الأوثانِ.
ولم يكن ينسى لأهلِ الفضلِ فضلَهم.. فلمَّا كاتبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ أَهْلَ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بأمر فتحِ مكةَ، فسألَه رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأخبرَه عُذرَه، وقالَ له: وَمَا فَعَلْته كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَقَدْ صَدَقَكُمْ، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ مُذَّكراً له بمحاسنِه السَّابقةِ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
وَإِذا الحبيبُ أَتَى بذنبٍ واحدٍ *** جَاءَتْ محاسنُه بِأَلفِ شَفِيعٍ..
ولمَّا قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ"، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: "أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا، إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ".
وهكذا إذا حكموا على أحدٍ.. فإنهم يضعونَ الحسناتِ في كِفَّةٍ والسيِّئاتِ في كفَّةٍ.. ولا يُبخسونَ النَّاسَ أشياءَهم.. ولو كانَ بينهم أشدَّ العدواةِ..
اللهم نسألكَ العدلَ في الأقوالِ والأفعالِ.. ونسألُكَ أن تجنِّبنا الفِتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وأن تَرزقَ المسلمينَ صلاحاً في أنفسِهم وفي ولاتِهم، وأن تدلَّهم على الرَّشادِ، وأن تباعدَ بينهم وبينَ أهلِ الزَّيغِ والفسادِ، يا ربَّ العالمينَ..
مقتطف من خطبة للشيخ / هلال الهاجري