منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - قراءات في الكتاب: ســـورة الفاتحــة
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-09-2021, 12:14 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عوني القرمة
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل


افتراضي رد: قراءات في الكتاب: ســـورة الفاتحــة

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ




ما يستعاذ منه:

الأصل أن يستعاذ بالله من كل سوء. لكن ثمة أمور عامة يستحب أن يستعاذ منها، منها:

أولًا: من شر شياطين الإنس والجن:
أما شياطين الإنس، فربما تنفع مداراتهم، بمبادرتهم بالحسنى، لرد أذاهم، وكف شرهم. يقول تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ 199الأعراف. لكن شياطين الجن لا يجدي معهم هذا الصنيع، لطبيعة خلقتهم، لذا أمرنا بالاعتصام بالله، في قوله:
1) ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 200الأعراف،
2) ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ 97 وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ 98المؤمنون.
3) ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 36فصلت.
ونزغات الشيطان وهمزاته هي خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. ومما يخْنِس الشيطان مقابلة إساءة الناس بالعفو، وكظم الغضب بالحلم، وتربية النفس بالصبر. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34فصلت.
وقد أنزل الله المعوذتين لإعانة المسلم على مواجهة شرور شياطين الجن والإنس. وقيل إن سورة الفلق ناجعة كذلك في كل شر في الدنيا، بما فيها السباع والهوام والنار والهواء، وغيرها، لقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 1 مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ 2﴾.

ثانيًا: الجهل والسفه:
إن موسى (ع) لمـا نقل لقومه أمر الله بأن يذبحوا بقـرة، قالوا له: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ﴾ فما كان منه إلا أن رد عن نفسه تهمتهم، فقال: ﴿أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧البقرة، فنفى عن نفسه الجهل، بالاستعاذة بالله أن يجهل أوامره، أو ألا يعلم كيف يوصل لهم أمر ربه، أو يستخدم السخرية في تبليغ دين الله.

ثالثًا: تسـلط الجبابرة والمتكبرين:
والله سبحانه وتعالى أرسل نبيه موسى (ع) لهداية قومه، وكأن آل فرعون توعدوه بالقتل فلجأ إلى رب العالمين ووَكَّلَ إليه أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ 20الدخان، ثم لما أراد فرعون أن يتسلط عليه فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ غافر 26، لجأ نبي الله لرحاب ملك الملوك، فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ 27غافر، فاستجار بالله ممن يتجبر، ولا يخشى لقاء الله.
كذلك فإن الله أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الذي يجادل في آيات الله بغير علم، ويتكبر عن قبول الحق، فقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 56غافر، فيخبر تعالى رسوله أن هؤلاء الذين يريدون الاستعلاء عليه بما معهم من الباطل، لن يبلغوا قصدهم ومرادهم، وكل ما عليك فعله لصدهم هو الاعتصام به جل وعلا، واللجوء إلى جنابه.

رابعاً: شـر الناس، ومنه السحر والحسد:
دلت النصوص الشرعية على أن نفس الحاسد يؤذي المحسود، فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه، وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه؛ وقد تضمنت المعوذتان الاستعاذة من جميع الشرور التي تصيب الإنسان، أما سورة الفلق فاختصت بالاستعاذة من شر المصائب، ومنها السحر والحسد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 1 مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ 2 وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ 3 وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ 4 وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ 5﴾. وأما سورة الناس، فاختصت بالاستعاذة من المعائب، ومنها وساوس الشياطين من الجن والإنس، التي تلج إلى قلب المؤمن فتسعى لتدمير إيمانه، وتخريب سلامه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ 1 مَلِكِ النَّاسِ 2 إِلَهِ النَّاسِ 3 مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ 4 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ 5 مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ 6﴾.

ثمرات الاستعاذة:

1) حفظ النفس والمال من تسلط الشياطين: يقول تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ 97 وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ 98المؤمنون. هذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله، فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر، فقد جنبه كل شر، ووفقه بالتالي إلى صنوف الخير. والله قد ضمن أن يعيذ من استعاذه من الشيطان، لأنه هو الذي أمر بالاستعاذة، ففي الحديث القدسي: "ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"*.
* أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة.
والاستعاذة من الشيطان وردت في المعوذتين: في الفلق ضمنياً في: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ 2﴾ وفي الناس تصريحاً في: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ 4﴾، ولا يخفى على كل مسلم فضيلة تكرار السورتين في كل حاجة أو ضرورة، حتى قيل: إن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى ضرورات الحياة.
2) الهداية إلى الحق: إن الاستعاذة بالله سبيل إلى هداية الإنسان إلى طريق الحق، يقول تعالى عن يوسف (ع): ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ 79يوسف، فاستعاذ بالله من أن يأخذ البريء بالمذنب. كذلك أُمر نبينا بالاستعاذة بالله من حال من يجادل في آيات الله، ويصد بالكبر عن قبول الحق، فقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 56غافر.
3) الوقاية من الوقوع في الفعل القبيح: إن الاستعاذة بالله كذلك سبيل إلى الوقاية من الوقوع في الفواحش، مثلما حدث مع يوسف (ع) لما دعي للفاحشة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 23يوسف، فرتب استعاذته ترتيباً في غاية الحسن؛ فبدأ بالاستعاذة، وثنى بخلقه الرباني الذي يأبى عليه السقوط في الفتنة، وثلث بذكر حال من يتعدى حدوده ظالماً. ولا شك أن الفعل القبيح الذي يستعاذ بالله منه يشمل التفريط في حق الله، وإساءة التعامل مع عباده، فإذا ضمن المرء الحماية من هذين المحذورين، نجا من السقوط في لذة عاجلة، أو منفعة زائلة، يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة.
4) حفظ الأجر والبركة في العمل: شرع الله للمسلم أن يستعيذ به قبيل أداء أي عمل مشروع، والعبادات على رأسها، حتى لا يصده الشيطان عن النشاط فيه، فيحفظ له بذلك الأجر، ويبارك الله له في العمل.

إن في المواظبة على الاستعاذة إقرار بالفقر في مقابل غنى الله الخالق المدبر، والغنى به، والحاجة إليه تعالى في كل شأن، وبأنه هو وحده جالب النفع ودافع الضر، وأن الشيطان عدو لابن آدم، وقد جند له من أعوان الجن والبشر، من يفسدون على المؤمن دينه، بتزيين المعاصي والفواحش، ولا مهرب منه، هو وجنده إلا بالاعتصام بالله والتمسك بدينه وشرعه.




حول الاستعاذة:

إن الشيطان هو ذلك الكائن الذي ابتدأت به صورة الشر مع بدء الخليقة. والشر أطل برأسه ربما قبل خلق البشر، فالجن جنس استعمر الأرض قبل الإنسان، ومنه ـ مثل البشر ـ صنفان ذكرهما أحدهم في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا 11﴾، وإبليس هو فرد من هذا الجنس، عصى الله فكتب رب العالمين عليه اللعنة إلى يوم الدين. وعالم الجن هو أحد العوالم الثلاث المخلوقة لله، الواقعة تحت حكمه وإرادته، خلقها لحكمة، ورسم لها وظائف حددها لها، فكانت مختلفة فيما بينها في الخلقة وفي الدور الذي كتب لها.
فالملائكة كائنات روحانية خلقت من نور، تمارس عبودية متواصلة لربها، وتتنوع أدوارها في تدبير الكون وفق أمر الله وقضائه، من أضخم الأدوار وأجلها، إلى أدق الوظائف وأخصها، فمنهم من يوكل بنقل رسائل الله لأنبيائه، ومنهم من يلتصق بالإنسان منذ نفخ الروح فيه، حتى وفاته. وهو عالم مثالي: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 6التحريم.

أما الإنسـان فهو كائن خلقه الله لمهمة تختلف عن الملائكة، هي الخلافـة في الأرض والعبادة المتناسـبة مع الخلافة، فلئن كانت عبادة الملائكة طبيعة في جبلتهم، فإن قيمة الإنسان في حسن قيامه بما خلق له، فخلق له الحكيم الخبير أداة الاختيار الحر، فصار بين طريقين: الهدى والضلال، الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، الجنة والنار. ولم يترك في خضم الحيرة والضياع، بل أهداه مفتاحين لباب التقوى: فطرة وضعها فيه منذ يولد، ورسلاً يحملون منهج الرشد، ودستور الهداية.

وأما الجن فقد خلق من نار. يقول الحكيم الخبير: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ 27الحجر. وعالم الجن عالم غيبي بالنسبة للإنسان، يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف 27. والجن (بالكسر) اسم جنس جمعي واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان وهم الجِنة. والمِجَن هو الترس، لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به فهو جنة. وفي الحديث الشريف: "والصِّيَامُ جُنَّةٌ"* أي وقاية، لأنه يقي صاحبه من المعاصي. وجن الرجل جنوناً وأجنه الله فهو مجنون: إذا خفي عقله واستتر، وجن الرجل كذلك: أعجب بنفسه حتى يصير كالمجنون من شدة إعجابه. قال الشنفري:
فَدَقَّتْ، وَجَلَّتْ، واسْبَكَرَّتْ، وأُكْمِلَتْ ..... فَلَوْ جُنَّ إنْسَانٌ من الحُسْنِ جُنَّتِ
ومعنى اسبكر: طال وامتد.
* من حديث أبي هريرة في البخاري (1904)، ومسلم (1151) واللفظ له.
والجن كالأنس لديه الحاجة للضرورات الطبيعية البشرية كالأكل والشرب والتناسل، ويمتلك الإرادة الحرة على فعل الخير أو الشر. ويماثل البشر في وصف الله له: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ النساء 76، كما وصف الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء 28. لذلك أرسل إليهم رسل منهم، كما حدث مع البشر، ومنهم من آمن بهم، ومنهم من كفر. وإن كان بين العلماء خلاف حول: هل كان من الجن رسل؟ وجواب أكثرهم بالنفي، وأدلتهم:
1) ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ الأنعام 130، والمعنى: ألم يأتكم رسل من أحد جنسيكم، بتغليب الإنس، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ 22 الرحمن، وقالوا: من المعلوم أنهما يخرجان من الماء المالح دون العذب.
لكن هذه المعلومة خاطئة، فاللؤلؤ والمرجان موجودان في الماء العذب كذلك كما أثبتت البحوث العلمية، فتوجَد اللآلئ في المياه العذبة في إنجلترا واسكتلندا وويلز وتشيكوسلوفاكيا واليابان، بالإضافة إلى مصايد اللؤلؤ البحرية المشهورة. أما المرجان فقد تم اكتشاف مساحات واسعة من الشعب المرجانية بقاع نهر الأمازون. وهذا يسقط الاستدلال القديم.
2) قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يوسف 109، أي: أرسلنا رجالاً ليس فيهم امرأة، ولا جني، ولا ملك. وهذا رد على القائلين: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الأنعام 8، ومن شرط الرسول أن يكون رجلاً آدميا مدنياً، لا امرأة ولا جنياً ولا بدوياً. أما قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا 6الجن، فهي تسمية مقيدة، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه.
ورد هذا الدليل، منه: تقولون: ﴿رِجَالاً﴾ في آية يوسف تعني: بشراً، و "رجال" في آية الجن تسمية مقيدة، فمن يحدد المدلول، وهنا رجال، وهناك رجال ؟ وما يمنع أن يكون مدلول رجال واحد في الآيتين؟ إن معنى: ﴿مِّنَ﴾ في: ﴿بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ يدل على بعض من الكل، فالجن هم المجموع، بعض منهم هم رجال يتعوذ به رجال من الإنس. ثم انظر إلى المقابلة بين ﴿رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ﴾ و ﴿بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾. هل يقال أن الأوائل هم رجال بالمعنى المألوف، بينما من يقابلهم في الآية نفسها هم رجال بمعنى مخالف مقيد كرجال الحجارة والخشب؟!
3) قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا 163النساء، وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ 27العنكبوت، قالوا: فهذه الآيات قد أخبرت أن الله قد جعل النبوة في الرجال من البشر، ولو كان في الجن رسل وأنبياء لأخبر القرآن بذلك، والآيات السالفة إخبار من الله عن إبراهيم عليه السلام أن الله قد جعل النبوة في ذريته من بعده.
لكن ليس فيما نعلم في الآيات قصر للنبوة فيهم، فالله تعالى قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا 15الإسراء، وقال: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ 24فاطر، والأرض على اتساعها، وتعدد مستعمريها من البشر، وجدت فيها أمم كثيرة، أكثر من تلك الأمم التي تقطن بقعة جزيرة العرب وما حولها، حيث وجد نوح (ع) ومن تلاه من رسل. ونحن نجهل من وجد من الأمم بين آدم ونوح، وبين نوح وإبراهيم إلا ما ذكر من عاد وثمود وأهل مدين، وهؤلاء مجموعون في بقعة النبوات المذكورة في سلسلة النبوة من بعد نوح. وهذا يدلنا على أن الله أخبرنا بما يخصنا، وأبهم عنا ما لا نحتاج إليه من علم، ومنه إنذار أمم بعيدة عنا كأمم الشرق الأقصى، وأفريقيا، والعالم الذي يسمونه بالعالم الجديد. فإذا كان ذلك كذلك، فقد يكون أخفى عنا رسله لعالم الجن.
4) قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ الفرقان 20، قالوا: فقد أخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن الرسل الذين بعثهم قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، والمقصود بذلك أنهم بشر، وليس في الآية ما يدل على بعث الرسل من خلاف الإنس.
وهذا الدليل ليس بشيء، فما يمنع أن تكون هذه الصفات لرسل من الجن أرسلوا لقومهم؟
5) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران 33، قيل: وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط، فلا يدخل فيه الجن أو غيرهم من البشر.
وهذا كذلك مردود، للاختلاف حول مدلول الاصطفاء، ففي العربية هو: الاختيار، ومعنى اصْطَفاهُم: أي: جعلهم صفوةَ خلقه تمثيلاً بما يُشَاهَد من الشيء الذي يُصَفَّى من الكدورة، ويقال: صفَّاهم صَفْوَةً، وصِفْوَةً، وصُفْوَةً. وفي الآية قولان:
.....1. المعنى - على حذف مضاف - تقديرُهُ: إن الله اصطفى دين آدم ....
.....2. أن الله اصطفاهم؛ أي: صفَّاهم من الصفاتِ الذميمة، وزينهم بالصفات الحميدة، ولموافقة قوله: ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام 124،
هذا عن الاصطفاء، أما العالمون، فجمع عالم، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان، ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج:
فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ
فجعلهم عالمَ زمانه.
وقيل: إن للعالمين معان متعددة، يخصصها السياق:
.....1. وحدة الخلق الذي يكون لهم صفات واحدة، فالبشر عالم والملائكة عالم، والجن عالم، والسموات عالم، والأرض عالم، أي: كل موجود سوى الله تعالى.
.....2. قد تطلق اللفظة على الإنس فقط، كقول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الحجر 70،
لكن ما هو أرجح أن لفظة "العالمين" في البيان القرآني تصف المجتمعات البشرية المختلفة فحسب،
وليس للفظة أي علاقة بالملائكة ولا الجن ولا الحيوانات ولا الجمادات ولا أي شيء ما عدا الإنسان.
إن اللفظة ذُكرت في القرآن 61 مرة، جاءت في بعضها عامة، وفي بعضها الآخر مخصصة بأوصاف لا تتجاوزها. والآيات كثيرة، منها:

.....1. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 47البقرة، وهو خطاب لنسل يعقوب (ع)، وفسر العالمون بأنهم الناس على الأرض في زمانهم.
.....2. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران 42، أي: فضلت على نساء زمانها.
.....3. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ 96 فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ 97آل عمران، وفيه دليل على أن البيت وضع لهداية الناس، فيخرج من مدلول العالمين هنا كل ما سوى العاقلين.
.....4. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ 20المائدة، وأحد لا تستعمل إلا مع العاقلين.
ونخلص من هذا إلى القول بأن العالمين لفظة مخصصة للجماعات البشرية فقط، لأن:
.....1. جُمِعَ عالم على "عالمين" لا "عوالم"، و "عالمون" جمع مذكر سالم خاص بالعاقلين، وعليه: يحذف من معنى العالمين كل غير العاقلين. أما لو جمع على "عوالم" لصح أن يدخل فيها كل ما عدا البشر.
.....2. قالوا: العالم مشتق من العلم وهو ترك الأثر، ومن المعلوم أننا لا نرى لا الملائكة ولا الجن، ولا أثر مباشر لهم، لذا لا يُسمون عالم، فلا يدخلون في مصطلح العالمين.
وإذا كان الاصطفاء على العالمين من صنف البشر فقط، فلا يمنع أن يصطفي الله من الجن أنبياء عليهم.
6) قالوا: مجموع الأدلة التي دلت على أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى الجن، وهي كثيرة جداً، تفيد أن الرسل المبعوثين إلى الجن هم من البشر، كما هو الشأن في رسالة نبينا إلى الثقلين، حيث كانت دعوته عليه السلام شاملة للإنس والجن جميعاً. والأدلة على إرسال نبينا عليه الصلاة والسلام إلى الجن إنما تفيد أن الرسل من البشر، ولو كان رسل الجن منهم لما كلف نبيه بقراءة القرآن عليهم وتبليغهم وإنذارهم، ولكانت هذه من مهمة رسول الجن إليهم.
وهذه مغالطة، فلا يشك أحد أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى الثقلين، لكن هذه خصوصية له، كما ورد في السنة، ولا تعني أن الرسل المبعوثين إلى الجن هم من البشر. كما أن هذا لا ينفي أن كان للجن أنبياء منهم قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما بعث كان هو آخر أنبياء الله للثقلين.
7) قوله تعالى إخباراً عن النفر من الجن الذين ولوا إلى قومهم منذرين بعد سماعهم القرآن من الرسول عليه السلام :﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ 30الأحقاف. قالوا: والذي نفهمه من هذه الآية أن هذا النفر من الجن كان منهم من آمن بموسى عليه السلام، مما يدل على أنه مرسل إليهم.
غير أن منطوق الآية لا يثبت أنهم آمنوا بموسى (ع). قد يكونون علموا بالتوراة كما علموا بالقرآن، ولا يلزم أن يكونوا تهودوا.
8) ويدعم هذا التوجه قول من قالوا: بأن في الجن نذراً، وليس منهم رسل، وهم الذين قال فيهم المولى جل وعلا: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ 29الأحقاف. فهم رسل عن الرسل، لا رسل عن الله تعالى، ويسمون نذراً، ويجوز تسميتهم رسلاً، لتسمية رسل سورة يس رسلاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ 14﴾.
وهذا إنما هو تخريج لآية الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ 130، في إيراد معنى آخر للرسل، غير مدلول "رسل الله" لا يختلف عن أدلة الفريق الأول.

إلا أننا مع القائلين بإرسال رسل إلى الجن من جنسهم، استناداً لقوله تعالى:
1) ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ الأنعام 130، وظاهره أن الله بعث في الدنيا إلى الجن رسلاً منهم، كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم،
وهذا الدليل رد عليه النافون بأن ﴿مِّنكُمْ﴾ تشمل المجموع، المراد : من أحد الجنسين، فيكون الله قد أرسل رسلاً من البشر للثقلين.
2) ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر 24،
3) ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ الأنعام 9، وقيل: السبب في استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس، إذا ثبت هذا المعنى فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن.
4) من حديث جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي": "وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً"*، فتبين أن هذه خصوصية لمحمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل قاطبة، فجاء خاتم لكل الأنبياء، ولذلك تحتم على الجن اتباعه.
* البخاري (438) واللفظ له، ومسلم (521).

الجن إذاً صنف مشابه للإنس في التكليف والاختيار، ومختلف عنهم في الخلقة والطبيعة. وقد ذكر الله تعالى أن منهم الصالحين الأخيار ومنهم الفاسقين الفجار والكفار. وكان إبليس كبيرهم، يراقب خلق البشر، فلما أمر بالسجود لمن ميزه الله بالخلافة، غلبت عليه مشاعر الحسد، ورفض أمر الله تكبراً وفسوقاً، فحكم عليه باللعنة. ولما توعد لبني آدم بالإضلال، وباشر في تنفيذ وعيده، صار شيطاناً. منذئذ بدأ الصراع بين الشيطان والإنسان. هو قد تحدد مصيره الأبدي بالشقاء، ووظف كل جهد ليسوق معه هذا الإنسان الذي فضل عليه، ووضع منذ بدايته رحلة الإغواء خطته: ﴿فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰ⁠طَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ 16 ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤىِٕلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ 17الأعراف. وقد تكفل الله بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ الاسراء 65. وأول أبواب الوقاية من شره لعنه الله هو الاستعاذة بالله تبارك وتعالى منه.








 
رد مع اقتباس