﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1﴾
البسملة:
البسملة مستحبة عند ابتداء كل أمر مباح أو مأمور به لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع"*. إننا حين نبدأ أعمالنا باسم الله فإننا نقر بأن الأمر لله أولاً وأخيراً، هو المانح والمانع، وكل شيء عنده بمقدار، منه النجاح والتوفيق، فلا فضل لنا، ولا قدرة لنا إلا بما يقدر سبحانه وتعالى. لا مجال للغرور أو التعالي. وإذا بدأنا أعمالنا بذكر الله، منحنا ثواب الدنيا والآخرة. أما من لا يبدأ عمله باسم الله، فقد يحرم ثواب الآخرة، وقد يعطى ثواب الدنيا أو يحرم منه. وإن أوتي ثواب الدنيا، فهو عرضة للغرور والتعالي، كقارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾ القصص 78، أو صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا 34 وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا 35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا 36﴾ الكهف وقد تطور إعراضه عن مسبب الأسباب أولاً بتعاليه على صاحبه، ثم بتأكده من دوام النعمة دون إرجاع الفضل للمنعم. بل إنه لا يرى زوالاً لنعمته، فهو يشكك في الآخرة، ويسخر ممن يذكره بها، ويقرر أنه مثلما ساد في الدنيا ستكون له الحظوة عند الله بأفضل مما كان له في الدنيا.
* عن أبي هريرة: كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدَأُ بالحمد للَّهِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: بالحمدِ فَهوَ أقطعُ، وفي رواية: كل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمد للَّهِ فَهوَ أجذَمُ، وفي رواية: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ. (أذكار النووي).
أثر حسن أخرجه أبو داود، والنسائي في «السنن الكبرى»، وابن ماجه باختلاف يسير، وأحمد بنحوه.
وقد أجمع العلماء على أن البسملة بعض آية من سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ النمل 30، غير أنهم اختلفوا في البسملة في صدر كل سورة من القرآن الكريم، سوى براءة، وفي أنها آية من سورة الفاتحة أم لا. والأغلب أنها ليست آية في أوائل السور، بل وضعت للدلالة على ابتداء السورة، وللفصل بينها وبين غيرها من السور. أما في الفاتحة، فالأمر مختلف، لأن حكم البسملة مرتبط بكل ركعة من الصلاة. وقد انقسم العلماء إلى آراء، مجملها:
1) الوجوب فيجهر بها، لمن يرى أنها آية في أول سورة الفاتحة،
2) الاستحباب فيسر بها.
على أنه للقول الفصل في هذه المسألة يمكن لباحثي الإعجاز العددي للقرآن الكريم أن يضعوا الفرضيتين، فإذا وُجد خلل في إحداهما، كان الترجيح للأخرى.
هل البسملة خاصة بالرسالة الخاتمة؟:
اختلف العلماء في: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هل هي من خواص هذه الأمة أم لا؟ فقيل بلى، لأنها لو كانت في الكتب القديمة لأمر من أول الأمر بكتابتها ولكانت معاني القرآن في كل كتاب. لكن الرأي الذي نراه أنها عامـة للمؤمنين من كـل الرسـالات، ونســـتدل على ذلك بقولـه تعالـى في ســـورة النمـل فـي مطلـع رسـالة ســليمان (ع) لملكـة ســبأ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ 30﴾ سبأ، وكذلك ورود: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ على لسان نوح (ع) في: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ هود 41، والرحمن في: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ الإسراء 110. كذلك فإن ما بأيدينا من الكتب السابقة وقع عليه التحريف والإخفاء والتأليف، ولم يعد يوثق بنصه وحكمه.
من فضائل البسملة:
1) نحن إذ نبدأ تلاوة القرآن الكريم بـ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ نستحضر رحمة الله، ونستذكر أبوابها المشرعة لنا كأننا نرفع أكفنا بالضراعة إلى الله أن يرحمنا، ويتجاوز عن ذنوبنا، ويمحو سيئاتنا. هذه الأبواب التي لا تغلق طالما نلجأ إلى الله كل حين، ونستفتح أمورنا كلها بذكر اسمه.
2) إن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هي - كما يقول العلماء - بمثابة قَسَم من ربنا أنزله عن رأس كل سورة يُقسـم لعبـاده أن هـذا الذي وضعت لكـم في هذه السـورة حق، وأنى أفي لكـم بجميـع ما ضمنت في هذه السورة من وعدى ولطفي وبرى.
3) البسملة أمان ورحمة، لذا لم تبدأ بها سورة براءة.
4) جمعت الأسماء الثلاث الله والرحمن والرحيم لأن الأول هو الخالق المعبود، والثاني والثالث للتنبيه على سعة رحمته وديمومتها. والرحمة هي الحبل الواصل بين العبد وربه.
5) إرادة الله سبحانه وتعالى أن يكون البدء باسم الذات "الله" لا بأي أسماء الصفات، لأن "الله" اسم جامع لصفات الكمال، بخلاف أسماء الصفات التي يختص كل اسم منها بكمال فرعي يندرج تحت اسم الذات الذي لا يشاركه فيه أحد.
6) كثرت أقوال العلماء حول اسم الله الأعظم، وكثيرون منهم قالوا: هو لفظ الجلالة. وقد استندوا لأسباب عقلية، وأخرى نقلية.
والرأي عندنا أنه من الأشياء التي تُعُمد إخفاؤها ليجتهد الناس في الذكر والعبادة. فليلة القدر وساعة الإجابة من يوم الجمعة مثلان واضحان على هذه الحكمة.
مدلول البسملة:
أصل الاسم: سمو، حذفت الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات وسكن السين وحرك الميم واجتلبت ألف الوصل. واشتقاقه من السمو كالعلو. وقيل هو من السمة لأنه علامة على مسماه وأصله وسم فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل.
والبسملة مصدر "بسمل" إذ قال ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ نحو هلل وحوقل وحمدل*.
وقول: ﴿بسم الله﴾ الباء في بسم الله للاستعانة، نحو كتبت بالقلم، وموضعها نصب. وهو قول خبري تعلقت الباء فيه بتقدير محذوف: أبدأ أو أتلو، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله، كان المعنى بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، وكذلك كل فاعل يبدأ في فعله ﴿بسم الله﴾ كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. ومن العلماء من قدر المعنى: بسم الله ابتداء، والمعنى: أَبتديء هذا الفعل مصاحباً أو مستعيناً بـ "اسم الله" سائله المعونة والتوفيق.
* هلهل قال: لا إله إلا الله، وحوقل قال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وحمدل قال: الحمد لله، ...
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾:
الاسم هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان، إن كان محسوساً، وفي الأذهان، إن كان معقولاً من غير تعرض ببنيته للزمان، ومدلوله هو المسمى. والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلاً على ذلك المعنى. وقد يطلق الاسم ويراد المسمى، على أن العلماء توقفوا عند التفرقة بين الاسم والمسمى في مبحث مفصل.
هل الاسم هو عين المسمى؟:
مسألة المباينة بين الاسم والمسمى والتسمية عليها خلافات بين العلماء: هل الاسم هو عين المسمى أو غيره. وما سبب الشبهة عندهم أنّ الله تعالى أمرنا بذكره وتسبيحه في آيات وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى، من ذلك:
الاسم:
- ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً 8﴾ المزمل،
- ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً﴾ الحج 40،
- ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ 118﴾ الأنعام،
المسمى:
- ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ الأحزاب 41،
- ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 1﴾ الحديد،
- ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ﴾ المؤمنون 14.
وثمة من قال جمعاً بين هذه الآيات وأمثالها: الاسم عين المسمّى، وأنّ ذكر الله وذكر اسمه وتسبيحه وتسبيح اسمه واحد. والأرجح القول بأن الذكر عند العرب ضدّ النسيان، وله معنيان: ذكر القلب وهو عبادة قلبية، وذكر اللسان حين ينطق بما ينطوي عليه القلب. واللسان يذكر اسم الله تعالى كما يذكر من كلّ الأشياء أسماءها، دون ذوات مسمّياتها. أي أن الذكر والتسبيح باسم ربك باللسان متعلقاً باللفظ، بينما الذكر بالقلب متعلق بالمسمى. وفي قوله جل وعلا: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ يوسف 40، المراد أنكم تعبدون أسماء كاذبة لا وجود لمسمياتها في الحقيقة، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها، وهذا من بديع المجاز. ولو كنا نرى الموجودات كلها طول الوقت دون غياب لم نحتج إلى مسمياتها، ولكن لما أمكن غيابها عن أبصارنا وبصائرنا احتجنا إلى ما يدلنا عليها في التخاطب والاخبار عنها، فمنّ الله تعالى علينا بلطف وحكمة أن نتعرف على المسميات بأسماء لمنع الالتباس وسهولة التعبير والخطاب.
لِمَ وردت ﴿بسۡمِ﴾ بدون ألف "اسم"؟:
فـي حـذف الألـف في: ﴿بسۡمِ﴾ وكذلك في: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ و ﴿مَٰلِكِ﴾ و ﴿ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ و ﴿ٱلصِّرَٰطَ﴾ و ﴿صِرَٰطَ﴾ لمحـات بلاغية لم يذكرها المفسرون، بل اكتفوا في تعليل هذه النكتة البلاغية بقولهم: حذفت لكثرة الاستعمال، وليس الأمـر كذلك. إن الرســم القرآني - عندنا – أو ما يسـمونه بالرسـم العثماني توقيفي، هكذا نقلـه جبريـل عليه السلام لرسولنا صلى الله عليه وسلم، وهكذا نقله الرسول لنا.
نذكر هنا ما يتعلق باسم الجلالة، ونلمح لباقي الألفاظ في حينها.
إن لفظة ﴿بسۡمِ﴾ وردت في القرآن الكريم بدون ألف الوصل ثلاث مرات:
1) ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ 1﴾ الفاتحة،
2) ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ هود 41،
3) ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ 30﴾ النمل.
ووردت بألف الوصل أربع مرات:
1) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ 74﴾ الواقعة،
2) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ 96﴾ الواقعة،
3) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ 52﴾ الحاقة،
4) ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1﴾ العلق.
وإذا تأملنا الآيات التي حذفت منها الألف، وجدنا أنها كلها:
- تأتي في ابتداء الكلام، فبسملة الفاتحة في أول الكتاب، وبسملة هود لبداية رحلة الفلك، وبسملة النمل في صدر رسالة سليمان (ع) لملكة سبأ لغرض افتتاح الرسالة. ومدلول البسملات الثلاثة هو: بسم الله أبدأ.
- في المواضع الثلاثة جاء اسم الله تالياً لـ ﴿بسۡمِ﴾.
لذلك جاء الحذف ليدل بتقصير الكلم على وجوب سرعة الوصول إلى الله بأقصر الطرق وأسرع الوسائل.
أما عدم حذف الألف في الآيات الأخرى وبقاؤها كجزء من أصل الكلمة فقد جاء في معرض التسبيح في ثلاثة منها، والقراءة في الرابعة، وكلاهما من الأمور التي تحتاج إلى التفكر والتدبر والتأمل، فأُثبتَ الألف لغياب ضرورة السرعة*.
* إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة تأليف محمد شملول: ص 70.
هل لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ مشتق أم جامد؟:
﴿اللَّهِ﴾ اسم علم يطلق على المعبود بحق وحده جل وعلا، وهو اسم مفرد لم يتسم به غيره. وهو اسم ذات جامع لأن المألوه إنما يؤله لما يتصف به من صفات الكمال. والألف واللام في أوله أصلية لازمة، وليست زائدة كسائر الأسماء المعرفة بالألف واللام. وقيل في اشتقاقه أقوال:
- مشتق من "لاه ، يليه" أي ارتفع .
- أو من "لاه ، يلوه ، لياها" أي احتجب، فدخلت الألف واللام للتعظيم. قال الشاعر:
لاَهِ ابنُ عَمَّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فى حَسَبٍ ..... عَنَّى ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُوني
- أو من "ولـه" إذا تحير، والوله ذهاب العقـل؛ يقال: رجـل والـه، وامرأة ولهى، وماء موله: إذا أرســل في الصحاري، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون أصله: ولاه، فأبدلت الواو همزة.
- أو من "أله"، وأله لفظ مشترك بين معان هي العبادة والسكون والتحير والفزع، أي أن خلقه يعبدونه، ويسكنون إليه، ويتحيرون فيه، ويفزعون إليه. ومنه بيت رؤبة بن العجاج:
لله درُّ الغانيات المُدَّهِ ..... سَّبحْنَ واسترجَعْنَ من تألُّهي
والمُدَّه: جمع ممدوهة، أي ممدوحة بجمالها وحسنها. والشاعر صرح بلفظ المصدر، وهو التأله من : ألِه ، يأله ، إلاهة ، وتألها.
- أو من "إلاه" مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾ الزخرف 84 أي: المعبود في السماوات والأرض.
- أو أن أصله: "الإله" حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ الكهف 38 ، أي: لكن أنا.
- أو من "ألهت" إلى فلان أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره.
- أو من "أله" الفصيل إذا ولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.
قيل: لفظ ﴿اللَّهِ﴾لم يعرف قبل الإسلام، فلا يعرف عند العرب اشتقاق له. لذلك من النحاة وأكثر الأصوليين
والفقهاء من ذهب إلى أنه اسم جامد، لا اشتقاق له، والدليل أنك تقول: يا الله، بينما تقول: يا رحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.
والاستدلال على ذلك بوجوه منها:
- أنه لو كان مشتقا لاشترك في معناه كثيرون .
- أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل أنه ليس بمشتق.
- قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مريم 65 يدل على أنه لم يسم به غيره.
والصحيح أنه عرف قبل الإسلام، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الزخرف 87، ولعل الاشتقاق كان من لفظه، وليس العكس، فمنه اشتقت الإلوهية والتأله ويتأله، وغيرها.
وخلاصة القول في هذه المسألة:
- أن لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾هو اسم عربي قديم، وهو اسم علم جنسي، أطلقه الله جل وعلا على ذاته المقدسة، وخصَّها به دون غيرها من الذوات المخلوقة. وقوله تعالى : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مريم 65 يدل على أنه قد سبق الأسماء كلها، ولم يتقدَّم عليه لفظ، أو عبارة، وأنه لم يسمَّ به أحد غير الله جل وعلا، بخلاف غيره من أسماء الله الحسنى التي تدل على صفاته جل وعلا، على سبيل التمام والكمال.
- لأن ﴿اللَّهِ﴾ لسانياً اسم: لا تطرح الألف منه، وليس من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل، وهمزته - في الأصل- هي همزة قطع لا وصل، ولكنها وصِلَت لكثرة الاستعمال، وهو لا يتصرَّف تصرُّف غيره من الأسماء، فهو بهذا الاعتبار يكون جامدًا، أي: غير متصرف.
- ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ ولفظ: (إله) وإن سمِّي أحدهما مشتقًّا والآخر مشتقًّا منه، فمن باب التجوز؛ لأن ما بينهما هو اشتقاق تلازمي، لا اشتقاق مادي. وبمعنى آخر: لفظ (إله) ليس أصلاً للفظ الجلالة، ولا مشتقًّا منه لأمور:
1) لفظ (إله) هو أحد أسماء الله الحسنى، بدليل قوله: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ البقرة 163.
2) إن القرآن الكريم فرَّق بينهما في الاستعمال، فأتى بلفظ (إله) وصفًا للفظ الجلالة في كثير من الآيات؛ منها قوله تعالى: ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولاَ نَوْمٌ﴾ البقرة 255. وقد جاءت هذه التفرقة صريحة بين اللفظين في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء 22، وآلهة جمع إله، فبانت التفرقة في اللفظين هنا، إذ جاء في الآية لفظة ﴿اللَّهِ﴾ وجمع لفظة (إله) سوياً مما يثبت المغايرة. ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ﴾ آل عمران 62 ، ص 65.
3) إن كلا اللفظين قد وردا كثيرًا في الشعر الجاهلي قبل نزول القرآن، كقول النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر:
ولا أرى فاعلاً في الناسِ يُشْبِهُهُ ..... ولا أُحَاشِي مِن الأَقوامِ مِن أَحَدِ
إلاّ ســـليمانَ إذْ قــالَ الإلــهُ لـهُ ..... قُمْ في البَرِيَّةِ فَاحْدُدْها عنِ الفَنَدِ
وقول امريء القيس :
فاليَوْمَ أَشْرَبْ غيرَ مُستَحْقبٍ ..... إثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ
وهذا يؤكِّد أن لفظ (إله) يختلف عن لفظ الجلالة (الله) في الاستعمال الجاهلي، كما يدل على أن لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ كان مألوفًا عند العرب يجري على ألسنتهم جريانًا طبيعيًّا، وأنه قديم في استعمالهم اللساني، وأنهم كانوا يفرقون بينه وبين لفظ (الإله). ولهذا سمُّوا أصنامهم: (آلهة)، ولم يطلق أحد منهم على أي منها اسم ﴿اللَّهِ﴾ تعالى. وهذا دليل واضح على فهمهم لتميز المولى جل وعلا عندهم، فاستبعدوا اسمه تعالى من مسميات آلهتهم، فهي اللات والعزى ومناة وغيرها من مئات الأصنام، ولم يجرؤ من المشركين أحد على أن يسمي صنمه باسم الله.
4) إن كلًا من اللفظين يشبه في لفظه وبنائه اللساني نظائره في الألسنة السامية الأخرى، والدراسات الحديثة أثبتت تفرع كل هذه الألسنة من لسان أصيل واحد هو اللسان العربي القديم. والأصل الواحد لها هو في اللسان العربي الجنوبي: (إلّ) وتعني الربوبية، والإلهيَّة، والتعالي، والهيمنة، والقدرة.
لِمَ قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ دون غيره من الأسماء الحسنى؟:
لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ هو علم على الذات الإلهية، فهو الدال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا. ولهذا يضيف الله سبحانه وتعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الأعراف 180 وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ طه 8. وتميزه أن سائر الأسماء الحسنى تنطوي تحته، فيقال إنها من أسماء الله لأنه العلم الدال عليها جميعاً.
وللفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ خصائص كثيرة منها:
- أنه سبحانه وتعالى متفرد به، وقد صرف عنه جبابرة الأرض عن أن يطلق على أحدهم اسمه.
- وهو أساس الشهادة، فلا تصح شهادة من قال: لا إله إلاّ الرّحمن أو الرحيم أو الملك أو القدوس، ولا ينعقد إسلام من لا ينطق بها على وجهها: لا إله إلا الله، فكان الاسم الجليل ﴿اللَّهِ﴾ هو بوابة الدخول في الإسلام.
- ولا تنعقد صلاة من ابتدأ بالتكبير بقوله: الرحمن أكبر، أو غيره من الأسماء الحسنى، إلا أن يقول: الله أكبر.
- كثيرون قالـوا إنه هو اسـم الله الأعظـم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سـئل به أعطى. وقد قال بهـذا علمـاء كبار، وإن كان ما نعتقده أن اسم الله الأعظم:
- إما أنه اسم مخفي بين أسماء الله تعالى،
- أو أنه متعدد، أي: هو (الله) عند متعبد، و(الرحمن) عند آخر، و(اللطيف) عند ثالث، و (الشافي) عند المريض، و (المغني) عند الفقير، وهكذا ... لكل وفق تعلق قلبه به وحاله ومجاهدته.
- وللمتصوفة كـلام كثيـر حول خصوصية اللفظ من حيث التركيب، فاسـم ﴿اللَّهِ﴾ فيه المعنى الجليـل، فإذا حذفت ألفه صار "لله" ثم إذا حذفت لامه الأولى صار "له" تشير إليه سبحانه، فإذا حذفت اللام الثانية بقيت الهاء تصير "هـُ" أي: هو. ومنهم من يجعلون "هو" ورداً.
- اللفظة ﴿اللَّهِ﴾ لا تسقط عنها الألف واللام عند النداء كما أشرنا من قبل. ولا نعرف لمعرف آخر هذه المزية.
- هو اسم علم مفرد لا يمكن جمعه، وهي خاصية أخرى للاسم الكريم الجليل: ﴿اللَّهِ﴾.
- كلّ أسمائه تعالى يمكن ترجمتها إلاّ لفظ الجلالة: ﴿اللَّهِ﴾.
- ومن عظمة اسم ﴿اللَّهِ﴾ أن مكوّنات أحرفه، دون الأسماء جميعها، تخرج من خالص الجوف لا من الشفتين.
- إنفراد آخر بإضافة الميم لنهاية اسم الجلالة، لتكون نداءاً: ﴿اللَّهُمَّ﴾ نحو: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الزمر 46.
- هـو علـم الأعـلام، فكل الأسـماء تُضاف إليه، ولا يُضـاف إليها. تقـول: الرّحمـن الرّحيـم من أسـماء الله،
ولا يقال: الله من أسماء الرّحمن الرّحيم. يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف 180 ويقول: ﴿هُو اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ 23﴾ الحشر.
- هذا الاسم الفرد تقترن به جل الأذكار، مثل: سبحان الله، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، ...
- لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ هو أكثر الأسماء وروداً في القرآن الكريم.
- وهو أكثرها في افتتاحيات السور.
- كل الأنبياء جاءوا بتوحيده، فما من رسول إلا وقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف 59 فله اقتضت العبادة، وباسمه نزلت الكتب. ولقد كان أهل الجاهلية يعتقدون بوجود الله ويؤمنون بأنه الخالق، ولكنهم لا يصرفون العبادة له وحده، بل قالوا :﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ 5﴾ ص، ويبررون شركهم بقولهم عن أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ الزمر 3.
ومن أعظم ثمرات فقه لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ أنه:
- يورث المحبة، فهو الّذي يألَه العبادَ حبًّا، وذلاًّ، وخوفا، ورجاءً، وتعظيما، وطاعة له، وهو الّذي تألَهه القلوب حباً وتذللاً له.
- يحقق ذكره الطمأنينة القلبية مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد 28.
- به وحـده الاسـتغناء عن غيره، للأثر الذي رواه ابن عباس عن الرسـول صلى الله عليه وسلم: "يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ. واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ. رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ"*.
* صحيح الترمذي (2516).