المنهج الأركيولوجي و الرؤية الفنية
دراسة سوسيولوجية فنية للروائي الجزائري مالك حداد
1996-1997
تنشر في حلقات متسلسلة
مقدمة
لقد جرت العادة أن نؤمن في معظم الأحيان بتلك النظريات أو الأفكار التي تتفق حولها الجماعة. والتي تغدو مع مرور الزمن مسلمات و بديهيات يصعب الخروج عنها، أو حتى يستحيل أحيانا. إن تلك المسلمات أو البديهيات إذا هي الوجه الصارم و السديد الذي يحاول رسم مسالكنا إثر إتفاق بين الجماعة. فيحدد بذلك نوع العلاقة التي تربط الأفراد بالجماعات ويصور الحقيقة كما يتلاءم مع الشرائط التي(تضمن) البناء الاجتماعي بقاء و مواصلة. و بذلك يصبح النسق المسطر خاضعا لنوع من الصرامة التي تظهر في شكل ميكانزمات أو بنود تتحكم في ربقة ـ الواقع ـ !
و لكن العادة - إبادة - و الوضع الراهن الذي يعيشه الإنسان اليوم يختلف أيما إختلاف عن وضعية إنسان الأمس ـ فالزمكان ـ محكوم بوضعية فلسفية جد دقيقة وعميقة و سريعة التغير و تتطلب من الفرد و بخاصة الخلاق و المبدع بان يتجاوز حدود أسوار البيت و أن يفتح عينيه واسعا على الوجود بشكله العالمي ـ رؤية العالم ـ (1) هذا العالم الذي إبتدأ دورته الجديدة كلية في النصف الثاني من هذا القرن بفضل تلك المعاول الذكية جدا و المنتجة في جميع حقول المعرفة وبخاصة في الحقل الفلسفي أو الفكري وما يمارسه من نقد” حفري: تأويلي، تفكيكي يمارس منذ” نيتشه” على الأقل “ (2).
لقد جرى فعلا” تفكيك الفلسفة كمؤسسة للحقيقة أو كخطاب للكينونة أوكملكوت للعقل أو كسلم للقيم مما جعل الحقيقة تبدو أقل حقيقة و المعنى أقل قصدية و العقل أقل معقولية و الأنا أقل وعيا والكائن أقل حضورا “ (3).
أصبح الإنسان إذا فكرة و المجتمعات لم تعد جمع جماعة و إنما جمع فكرة و أفكار. بالفكرة يضمن الإنسان بقاءه الفزيولوجي أو يزول. بالفكرة تأخذ المجتمعات مسرى تواصلها أو فنائها. أصبح لزاما على المجتمعات المهددة بالزوال أو الإنقراض أن تبحث عن علاقة جديدة لها مع الوجود. فالخطاب القديم الموغل في الكليانية و المطلقية والرؤية الأحادية المغلقة التي تقف دائما موقف المدافع عن النفس و المترصد للخطر المحدق بها من الخارج هو خطاب ـ بريء ـ اليوم و طفولي في قدمه ومهدد لا محالة بأعتى المصائر الوجيعة، من بطالة و حروب أهلية و مجاعات و هروب الأدمغة و تآكل للبنى اللإقتصادية و المنجزات الفنية من مسارح و مكتبات و متاحف. إذ أن البنى الفوقية غير قرينة بمتطلبات العصرو مقاليد فهمها للواقع صدئة و لا يمكن لها أن تتبع الحركة السريعة التي تتنقل بها المركبة الكبيرة للعالم و التي يبدو في ساحتها هذا الأخير بمثابة القرية الصغيرة. إن البنى الفوقية إذا، في هذه المجتمعات تسير بمنطق ـ اللامنطق ـ إذ أنها تتصادم بشكل ملحوظ مع بناها التحتية التي أنتجها منطق أفرزته الضرورات و الحاجات المتغيرة و أملته بديهية البقاء للأقوى!. لم يعد محيطنا هو الذي يحدد أفكارنا بل إن أفكارنا هي التي تجهد بشكل يتنافى مع طبيعة الإنسان و بساطة المضي إلى الأمام مع الركب العالمي و التميز الخلاق و المبدع في آن. مما خلق إغترابا فضيعا بين الفكرة و الإنسان و بين الكلمة و الشيء .
عندما نتطرق اليوم إلى الحديث عن مهام المثقف في هذه الساحة (4) أو الفضاء فإنه يبدو من العبث و بخاصة نتيجة للأوضاع التي تعيشها الجزائر مناقشة فكرة الإلتزام أو عدمه: الإكتفاء بالساحة السياسية و إهمال الساحة السوسيولوجية أو الاقتصادية ....الخ و ذلك لأن، الإهتمام بجانب واحد و إغفال أو تغافل الجوانب الأخرى التي تتعاضد في رسم البناء الكلي و الإكتفاء تباعا لذلك بالتخصص أو الإهتمام البارد الموسوعي (5) قد يؤول في النهاية إلى تضييع الكل الذي يجب أن يراعى بالإهتمام الأكبر و بخاصة في مجالات العلوم الإنسانية، حتى يؤسس للإنسان الجزائري أخيرا مكانة و لو تمهيدية في سلم الأفضلية .
وعليه فإننا كمثقفين يأخذون المسافة الكافية للتأمل في أوضاع مجتمعهم و ما يشكلها من مجالات تقنية و فكرية، يجب أن نتأمل ذواتنا أولا و قبل كل شيء، وأن ننطلق من نقد الذات المفكرة ( حسب تعبير إدغار مورين EDGARD. M ) أو من نقد للذات المفكرة حسب تعبير “ علي حرب “ وتحمل أعباء هذا الالتزام أو الكشف. هذه الأعباء التي عبر عنها عالم الإسلاميات الجزائري “محمد أركون “ في مقدمة الفكر الإسلامي (6). في حديثه عن مهام المثقف المسلم أو العربي : " من المؤكد أن المثقفين النقديين الأكثر إنتاجا أو وعيا برهانات العقلانية داخل كل المجالات و الممارسات الثقافية لمجتمعاتهم قد أصبحوا معزولين أكثر فأكثر. . . وهذه حقيقة تثبتها الإحصائيات أو الأرقام ذاتها. فكل الذين أتيح لي الإلتقاء بهم عن كثب عبروا لي عن رغبتهم إما في ترك أوطانهم و إما في الدخول في مرحلة الصمت المطلق.".
ونقد هذه الذات يتم بتوسيع الدائرة المعرفية وبسط الذاكرة المحلية على سرير التشريح الموغل في التجربة الإنسانية الكبرى وتوظيف مكتسباتها المعرفية و المنهجية (7) و البحث من خلالها على تساؤلات جديدة تقيم علاقة جادة و متجددة و مفتوحة مع المحيط. وقراءة النص لا يجب أن تنحصر في التعاليم الطوباوية التي يفرز بنودها السياج الدوغمائي المغلق.
من هنا تستوجب قراءة النص في أي خطاب- Discours -: الخطاب الشعري، الأدبي، الأنسي- Humaniste ، العلمي . . . الخ، قراءة جديدة ملتزمة Une lecture engagée ، و مؤسسة ترفل وراءها زخم التجربة الذاتية و التقلبات المحلية و تزاوجها بعلاقات جديدة مع الوجود و الحقيقة و العالم. مما يفرز تباعا لذلك الفكرة المشحوذة على حجر التجربة و المعنى المفتوح للقراءات و الخرق، و من ثمة المفهوم Le concept المختبر و النظرية المؤسسة أخيرا على صعيد التجربة الاجتماعية و السياسية . . . الخ .
من هنا أيضا، أي من باب الثقافة التي تنتقد ذاتها للمرور إلى الآخر، كان إختيارنا لكاتب متجذر في عناءات الإنسان ومكابدته العسيرة جسمانيا لكي يضمن البقاء ككائن لغوي مليء بالدلالات التي تغدوا و تجيء في كنف التناقض و الصقل و الإلتزام الكاشف و المعري لخبايا الضمير الفردي، لا المعتوه بالتزيي المفتعل للحقيقة النرجسية و الرسم الذي لا ينزاح. لذلك فإن علاقتنا مع هذا المحيط الأدبي ستكون علاقة تجمع النار بالماء تارة و العقل بالقلب و ذاكرة أمة مسكوت عن الكثير من الجوانب الحميمة التي تنبض في حناياها تارة أخرى. ستكون علاقتنا مع من كان يصرح أمام الملإ بأنه يحمل حيث ولى وجهه “ لغة المنفى” الذي تبنيه الكلمات في لذة نص يندر العثور على مثيلها. سنتعامل مع “ مخيالنا أو متخيلنا” الناتج عن تلك الكلمات التي سعى من خلالها الكاتب إلى أن يروي الحقيقة بقدر ما يصنع حقيقته. فيمارس عبر كتاباته حضوره و تأثيره. و قد يخيم بأطيافه على الذين يتوجه إليهم بنصوصه من القراء” فيقيم بذلك علاقة معهم على قدر ما تمثل الكتابة ضربا من التخيل يبقى معه العالم على حافة المعاني و الدلالات” (9). هذه الدلالات التي تضع مشروع " أحلام جميلة، حيوية و منعشة” (10) تواجه أحلام” الدعاة و العقائديين و السياسيين الطوباوية المحبطة و الفاشلة في معظم الحالات و التجارب” (11).
إن التعامل مع الكلمات و دلالاتها و معانيها تعامل معرفي مؤسس وفق منطق صارم يقرأ بين الأسطر و يبحث عن ذلك المسكوت عنه و الامفكر فيه، أو ما لم نره في الفكرة المصورة لعلاقة الذات مع الوجود في علاقة إبداعية جد خاصة، تراقب الآخر من أجل مراقبة الذات، و إقامة علاقة ملئى بالهواجس الوجودية في كنف تراكمات تاريخية يبدو فيها العمل الفردي النازع نحو قلق التغير و التحول شبه مستحيل. و لذلك فهو يتحرك وسط إمكانية ما، ويسعى جاهدا لكي يتشبث بأهداب الحياة الكريمة و النبيلة ... حتى و لو كانت خاتمة ذلك السعي هو إختيار الموت كملاذ أخير من أجل تحقيق ذلك! وهذا ما نلمسه في كل أعمال “مالك حداد” الروائية. إن الإنسان في هذه الأعمال يبدو كضمير فردي يصارع البحر المائج للضمير الجماعي، الذي من طبيعته ـ تدجين ـ الفرد في خم الحياة الروتينية، و التصدي لكل ما من شأنه تحريك البناء الإجتماعي الذي قد يؤمن بالنظرية القائلة بالتغير و ما يتبعها من نظريات الحرية و حرية التعبير و تنقل الأشخاص و الحق في ضمان حياة أفضل، و لكن في اللحظة الحاسمة التي يرفع فيها الغطاء على تلك الإستعدادات النظرية ـ غير المنطقية ! ـ يستحيل حماة ذلك ا لبناء إلى أفعى سامة تنذر بفحيحها العمل المؤثر المتميز ، ولا تتوانى تباعا لذلك على أن ـ تلسعه ـ و تحد من مغامرته و حلمه ، و ربما تدحضه كلية !. لذلك فإن العمل الأثر Oeuvre المرصود للخطر يشكل طفرة متميزة ومنعرجا يخلق القطيعة و ينحاد إلى حيث لم تخول الفرصة للمدجنين الإنحياد... لذلك يحق إنعات عمل كهذا ، يخرج عن المألوف ويبصم السيرورة التاريخية لمجتمعاتنا بخاتم إبداعي يستحق الوقوف عنده ....يحق إنعاته بالأثر الفني - Oeuvre artistique -