***
إن الأثر الفني إذا يشكل منعرجا جديدا ،يغير مع الزمن المسار التاريخي للرؤى الفنية التي تنحصرفي مجال فني ما . و المنعرج لا يحدث إلا بخروج صعب وجزافي أحيانا أو وفق تربية عسيرة تتبلور وفق تكتل للموروث الثقافي، وفي نفس الوقت، وفق ا لبحث المضني الذي يـمليه هاجس التغير الذي ينهجه الفنان و الذي ينعكس في أعماله المتواصلة كمرآة مفتوحة على القراءات المختلفة التي تمنحه بدورها الديناميكا التي لا بد منها لإخراج العمل الفني من قوقعة أو قصر المعنى إلى أرض الحياة المعيشة . و بالتالي يتشكل تباعا لذلك شكل الإرتباط الخاص الذي يربط الفرد أو الجماعة أو النخبة بمحيطها . و الأثر عموما يشكل بالنسبة للقراءات التي تشتغل عليه، مشاريع عديدة : إقتصادية، سياسية، سوسيولوجية، فنية . . . الخ. مشاريع مفتوحة كذلك على الحدث الثقافي. و الحدث الثقافي لا يمكن فهمه بمنأى عن مختلف الأبنية الجزئية ـ التي يستحيل تحديدها كلية ـ
و التي تشكله كبناء نهائي يعكس الروح المسيرة لشتى مجالات الحياة المختلفة . و من بين هذه الأبنية الجزئية التي تشكل ركيزة لا بد منها للحدث الثقافي، هناك : البناء الإجتماعي، و ما يعكسه بدوره من إفرازات جد معقدة و جد متنوعة تعتبر بمثابة المحطات الإبتدائية التي لا بد منها لكل عمل يقوم به الإنسان.
لقد صاحبت مختلف التغيرات التي مست العديد من المجتمعات، تغطيات لها إتخذتها على عاتقها مختلف الأنشطة الثقافية المشكلة لثقافتها. فعصر الأنوار الذي مس أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر ـ مثلا إنعكست تغيراته الجديدة التي وضعت المجتمع المصنع الذي شهدته كبريات مدن أوروبا في أعمال “ ستاندال “ و “ بالزاك “ ، و بعد زمن في أعمال “ فلوبير “
و أشعار “ بودلير “ . . . الخ، و هذا هو ما يعرف بالنشاط الثقافي الأدبي و ما تعكسه تلك الأعمال من تغطيات متميزة للتغيرات ـ في شكل قراءات جديدة لها : أعمال “ إيميل زولا “ خاصة تعتبر فيصلا أساسا لمعرفة البنى الذهنية لذلك العصر.
و عليه فإننا نلمس من كل ذلك أن :
1ـ في كل أثر أدبي جانب فني يعالج الإجتماعي .Le social
2ـ الأثر الأدبي خروج عن الرؤية المتداولة الرتيبة و مشروع رؤية جديدة للعلاقة مع المحيط : رؤية جديدة تأخذ في الحسبان الجانب الإنساني و ما يتبطنه من تناقضات
و صراعات سيكولوجية تحد تلك الرؤية بقدر خدمتها لها.
3ـ الأثر الأدبي إنعكاس رئيس لكل حركة فنية
4ـ التأثير العميق لثنائية ( الفن- المجتمع ) على الوجه الثقافي للمجتمع.
5ـ الفن تربية للنفس أو الروح البشرية .
***
في دراسته المعنونة ( Le Roman Maghrébin ) التي أجراها سنة 1968 الباحث المغربي “ عبد الكبير الخطيبي” يشير إلى أن الرواية الجزائرية أو (المدرسة ـ الجزائرية ـ نسبة إلى الجزائر العاصمة ) هي منبع الرواية المغاربية بشكل خاص:
"Le roman maghrébin était le faite surtout de l’école Algérianiste ", 12)
L’algérianisme : culture fondée sur une typologie originale des passions méditerranéenne (13).
- فإذا كان الأثر الأدبي, إنعكاس معين لوضعية إجتماعية ما، لماذا يا ترى، هو إنعكاس مليئء بالمعنى المرتج و المشروع الذي لا تحد أبعاده نهائيا ؟
- هل الرؤيا -الأدبية - المميزة المتسمة بالفنية , قدرها أن ترسم دائما تناقضات المجتمع،و تعالجه أيضا بطريقة
متناقضة في أحايين عديدة، كما هو الحال في أعمال “ مالك حداد “ ؟
- وهل هي فعلا معالجات متناقضة ؟
***
أما المنهج الذي سوف يغلب على هذه الدراسة ، فهو المنهج الحفري ـ الاركيولوجي ـ La méthodologie Archéologique ـ الذي وضع أسسه “ ميشال فوكو “ MICHEL FOUCAULT بدءا من عمله الأول الذي نال به شهادة الدكتوراه سنة 1959 : تاريخ الجنون Histoire de la folie و الذي إستنير بشكل أوضح بكتابه : الكلمات و الأشياء Les mots et les choses سنة 1966 . ثم تلته عدة أعمال مارست ( الحفر ) في أصناف معرفية عديدة مست الخطاب الذي يولد من خلاله الإنسان في علاقته مع الكلمات عبر مختلف أصناف السلط Les pouvoirs : السلطة القضائية ـ المراقبة و العقاب Surveiller et punir ـ إلى غاية آخر عمل له ـ تاريخ الجنس Histoire de la ***ualité1984 إضافة إلى كتابه المنهجي L’Archéologie du savoir . . ..
فالعمل إذا ينقع من معين ـ اللغة ـ الملئى بهاجس المعاني و الدلالات المترصدة دائما للفعل الثقافي الذي يسير الإنسان في علاقته مع المحيط ، فيظهر تباعا لذلك مكانة المجتمع و الإنسان تجاه شتى أصناف الخطاب. وهنا سوف نأخذ في الحفر ـ تحليلا و نقدا ـ لمضمون النص الأدبي الذي يقول عنه “ جاك دريدا “ في ( الكتابة و الإختلاف) بأنه يشكل " موضوعا بالغ الغرابة " (14) . وعمل كهذا يضعنا أمام زخم معرفي. عريض جدا : تاريخي ، ألسني، فلسفي، سوسيولوجي، أدبي . . الخ، يتعامل مع الأثر الفني L'oeuvre artistique، تعاملا جد حذر يبتدئ من الكتابة كفعل خلاق أو كخطاب مطبق، ينعكس في العديد من مجالات الحياة : في العلاقة العائلية، العاطفية، التدريسية، السياسية . . الخ. فالكتابة إذا هي ميزة راقية تسم المجتمعات الحديثة، و فعل الحفر فيها هو تأكيد على ذلك ’ من أجل إنهاض الفكرة - التى لم تقل - من السبات المفروض عليها، أو فك قيدها المصفّد لحريتها، وبعث ديناميكا جديدة تنطلق من الدلالات العميقة أو من القواميس غير المكتوبة . ومنهج الأركيولوجيا أخذ على عاتقه هذه - الإمكانية possibilité - كإمتداد للأعمال البنيوية، ثم كإنشطار عنها - لابد منه - نظرا للمكانة الجديدة التي أوصلتنا إليها عملية الحفر في (الخطاب Le discours). العمل سوف يكون إذا تفكيكيا ثم تأويليا:
ومن أجل فهم المنهج الاركيولوجي سوف نلخص اهم نقاط كتاب- L’archéologie du savoir -
*في الفصل الثاني-الجزء الثالث ا لمعنون La formation des objets :
1- “ ... “ Les mots et les choses “ c’est le titre sérieux d’un problème; c’est le titre ironique du travail qui en modifie la forme, en déplace les données, et révèle, au bout du temps, une toute autre tâche. Tâche qui consiste a ne pas, a ne plus - traiter les autres discours - comme des ensembles de signes (d’éléments signifiants renvoyant a des contenus ou a des représentations) mais comme des pratiques qui forment les objets dont ils parlent.... cèrtes les discours sont fait de signes, mais ce qu’ils font c’est plus que d’utiliser ces signes pour désigner des choses. C’est ce plus qui les rend irréductible à la langue et à la parole. C’est ce (plus) qu’il faut faire apparaître et qu’il faut décrire “. (15)