الفصل الأول
الثقافة المعقلنة و الثقافة المعيوشة
"الثقافة هي دائما قيمة مضافة للطبيعة" (1)
إننا سوف لن ندخل في تلك المجابهات العسيرة و العقيمة في أغلب الأحيان التي تجمع جلّ التعاريف أو كثيرها التي عرفت الثقافة، لأننا سوف ننبثق في عملنا هذا من مجال جدّ محدود، تشكل اللغة الكتابية أسواره. و عليه فإننا سوف نحاول البحث في بعض المرايا الثقافية التي تعكس بعض الدلالات الغنية جدّا و اللامحدودة في مجال البحث، لأن المرآة الثقافية هي مرآة "غنية بالدلالات و الرموز Signes " كما أشار إلى ذلك وادي بوزار: عالم الإجتماع الجزائري(2) . هذه الرموز التي تكتنز الكثير من المعاني التي تأخذ ماهيتها و لو جزئيا مما يجري من تفاعلات -محكومة بالزمان والمكان - بين الإنسان و الطبيعة.
هذا الإنسان -الباحث - الذي يغدو في البحث داخل مجتمع يتداخل فيه الخيال بالحقيقي و الحقيقي بالمخيال أو المتخيل )4 (Imaginaire ، يكون كمن يبحث عن فكرة تحرك الشيء، أو عن أشياء تدافع عن ثباتها و ترفض الإنزياح والتطورو التغيير و يكون دوره الأسمى هو البحث عن ربقة يسحب بها ذلك الثابت و يضعه أمام طبيعة الحقيقة.. أي أمام الحركية لا الثبات. و هذه هي حقيقة كل إنسان يريد أن يتغير نحو الأصلح، وحقيقة كل مجتمع يفرز واقعه المتطور المواكب لضرورة الزمان.
إن الثقافة كما أشار إلى ذلك” تايلور “Taylor E.B. في" الثقافة البدائية "Primitive culture" " : " هي ذلك الكل المعقد -أو المركب - الذي يحوي المعارف، المعتقدات، الفن، الحقوق، الأخلاق، العادات وكل السلوكات التي ينتهجها الفرد كعضو في مجتمع "(5). و( المركب) يعني التداخل . و التفرع في المعارف، و هذا ما نلاحظه في المجتمعات المفتوحة على التوسع اللانها ئي للتطور الضروري لحياة الإنسان، الذي لا يكف عن المضيّ قُدما نحو الآفاق المفتوحة على المزيد من الصور، الرؤى، الصواب و الخطأ، الحقيقي و اللاحقيقي، العقلي و اللاعقلي:"
تاريخ الحقيقة هو تاريخ الخطأ: نيتشـــه " "
تربية الإنسان قامت على أخطائه: نيتشــه " (6). لأن هذا التراكب لا يعني فقط تلك القيم المتعارف عليها بين الجماعة على أنها تمثل الخير دائما و الجمال -بل يعني كذلك تلك المغامرة التي تكون في الأغلب عند بدايتها محمولة محمل الشاذ و مجابهة وفقا لذلك بالعادات و التقاليد،علىإعتبار أنها ميكانزمات صارمة لا تلين. لذلك فإن الثقافة في انتقالها من شكلها البدائي إلى الشكل المتطور و المركب، كان عليها أن تحيد عمّا هو مألوف من ثبات ليس من شأنه إلاّ الدفاع عن خطاب discours سلطوي، يخدم الفئة الحاكمة أو المسيّرة للشؤون الداخلية و الخارجية للمجتمع الرابض تحت سلطتها. و هذا ما نلمسه من خلال تتبع بعض التطورات التي مست تطور الذهنية الأوربية من خلال عمل” ميشال فوكو”: " الكلمات و الأشياء" في حديثه عن " التمثيل(7) Représenter " ، حيث يؤكد أن تلك المرحلة الها مّة في تاريخ التفكير الأوربي التي انتقلت فيها المعارف إلى مرحلة العلوم التطبيقية Les sciences appliquées تمهيدا لميلاد العلوم الإنسانية بشكلها الحالي الذي فصل نهائيا في نوع العلاقة بين الكلمات و الأشياء ... يؤكد بأن تلك المرحلة قامت على المغامرة أولا -في دراسته لعمل” سرفـنـتـس: دون كيشوت ديلامانشا” - بداية القرن السابع عشر: العهد الباروكي -..
المغامرة التي أخرجت الكتابة من كونها نثرا للعالم(8) Prose du monde تُسقِط الأشياء على الكلمات. فتخرج الكلمات من كتب الفرسان و تُطرح على محك الواقع المغاير تماما للأفكار الحبيسة داخل الصفحات أو داخل نرجسية السلطة اللاهوتية أو الميتافيزقية.
و ما كان مغامرة ناجعة، يصير مع مرور الزمن وإفرازات الحالة جزءًا لا يتجزأمن ثقافة ذلك المجتمع، ويدخل مباشرة في رسم سلوكات الأفراد و بالتالي في هوية الأمة و قابلية تشكلها المستمر بوجوه عديدة متأقلمة مع الظروف الجديدة. هذه الظروف التي تلزم على الفرد الباحث في مجالها و بخاصة في المجال الخاص بالعلوم الإنسانية، وضعية جدّ مؤثرة و خطيرة وهامة. وضعية تستلزم الحياد الذي لابد منه، و الموضوعية المتعقلة لا المغالى فيها. و هذه الوضعية تكون مُسيَّجة بالتفكير.. أي بالعقل. لذلك سوف ننعت الثقافة التي تكون خاضعة للعقل بالثقافة المعقلنة(9) La culture pensée كما جاء على لسان” محمد أركون” في "الفكر الإسلامي"، وأما الثقافة التي يحياها الإنسان بمنأى عن الفكر النقدي -أي أنها لا تعترف بالمعارضة الفكرية، وتتزمت وتنغلق على بعضها و تتوهم التوحد والشمولية..سوف ننعتها بالثقافة المعيوشة، و كفى:
***
ا- الثقافة المعقلنة La culture pensée
"الثقافة ليست في الطبيعة. الثقافة ليست في الزهرة "
"الثقافة متواجدة في حركتنا على الطبيعة و رؤيتنا للزهرة "(10)
كل المجتمعات تعيش الثقافة بمنظورها الخاص الذي يعكس علاقتها مع الطبيعة. فالمجتمعات البدائية التي أُخضعت للدراسات الأنتروبولوجية [دراسة دوركايم Emile Durkheim : الأشكال الأولى للحياة الدينية. ليفي ستراوس: Triste tropique ،أظهرت بأنها مجتمعات تعيش ثقافتها الخاصة هي الأخرى وفق منهاج جدّ متميز يفرز نوعا من البُـنى الفوقية الثابتة التي يبدو مستحيلا الخروج عنها. مما يجعل البنى التحتية محكومة بالتشابه و المطالة في التغييرالذي يتطلب الكثير من الأجيال المتعاقبة لكي يحدث ولو جزئيا. و الباحث حينها، و بخاصة في المجال الثقافي يكون محكوما في تفسيره للظواهر الثقافية تلك بربطها بأسسها الإقتصادية والسياسية و الفنية .. الخ، على إعتبار أن الفعل الثقافي هو نتاج تراكمي يمد بفروعه إلى العديد من الأسس المكونة لبنيته. و على الباحث تباعا لذلك أن يلتزم الحياد قدر المستطاع.
و قد يسأل سائل، لماذا يا ترى، بما أن الثقافة موجودة في كل المجتمعات، و بما أن لكل المجتمعات (البدائية و الحديثة) إنتاجها الثقافي، لم تنشأ سوسيولوجيا الفن إلاّ في المدن الحديثة (في المدينة الصناعية)؟ و جواب ذلك يكون كالآتي: (11)
إن الثقافة إذن فعل تراكمي. و أما الفن فإنه فعل إنتقائي. لذلك فإننا نجد في المجتمعات الحديثة -التكنولوجية - تمازجا و تداخلا -قد يخفى عن العين غير العلمية - بين ما هو علمي و ما هو فـنّي. و هذا ما أشار إليه” و ادي بوزار” حين خلص إلى أن الثقافة هي " فن و هي علم كذلك، و هذا ما يجعل معالجتها جدّ معقدة "(12).
و الدراسات الحديثة مثلا التي أماطت الغطاء عن الكثير من الإنتاجات الفنية التي كانت موجودة في المجتمعات القديمة، أشارت إلى أن الأعمال الفنية تلك، لم يكن ليكتب لها صفة إنعاتها بأنها فنية لو لم تكن متمايزة عن غيرها من الإنتاجات الثقافية التي عاصرتها. و هذه (الفنيّــة)، كانت تقيم علاقتها مع المحيط الذي يحضنها بشكل جديد لم يسبقها من قبل و كانت تمارس ذلك في أحيان كثيرة منـبـثـقة من إفرازات اللاوعي "وعينا يكمن في لاوعينا: سيجمون فرويد ". لذلك فإنها لم تكن مشغولة بالإبداع الواعي الذي قد يكبح لذة الإبداع مثلا. لأن اللذة وحدها كانت الدافع إلى ذلك الإختراع: لذة الرسم داخل المغارة، من أجل رفع بعض السّأم الذي يحمله رجل تمّ سجنُه داخل مغارة أو كهف مثلا! .و مع مرور الزمن تتحول اللذة إلى هواية يتم صقلها شيئا فشيئا على محك التجربة. وهنا يبتدئ الوحي في الإشتعال. وتبتدئ مسؤولية الفكرة -الجميلة - تسعى نحو لذة أسمى و أكثر عبرة و شمولية و ذات رسالة ما. هذه الرسالة التي تعكس مثلا القهر الإجتماعي: عبر صور أو كتابات معبّرة عن ذلك، أو تعكس علاقة ذلك الإنسان المتمايز مع نخبة ما تمارس خطابا لا يـبيح له اختراقه، أو مع قوة ميتافيزقية خارقة يؤمن بها هو أو مجموعة من الأفراد (طائفة Secte .)