قال وفؤاده انصدع من الحسرة: «كمْ أنت حكيم يا فهمان، كمْ أنت عليمٌ يا ولدي.»
اختلى فطين بنفسه ليفكر في شأن مستقبل فهمان العلميّ.
أمعن النظرَ فيما كان يفكر فيه من قبل، وزادتْ عزيمته نحوه بعد موقف ابنه الأخير. وهو تسفيره إلى أمريكا لتعلم العلم السليم وتفعيله على أرض الواقع، وظلّتْ الآمال العِراض تستفزّه وتحرّكه، بينما فراق ابنه وخوفه عليه يكبحان جماحه ويثبّطانه.
لمْ يفكرْ مطلقًا في المنح الدراسيّة لأنّ المحسن سيد لمن أحسن إليه، فكيف يطلب من أمريكا تسعفه وهو سيصارعها من خلال ولده، فأبتْ نفسه العزيزة فعل ذلك ورفع رأسه لأعلى الشرق من حيث تشرق الشمس، بينما نظر إلى مغربها وأشار إليها بأنّ تأتي بركبها هنا؛ هنا في مصر وتستقرّ ثمّ قال: «ويا ليتها لو كانت أرض الوادي الجديد.»
ثم تابع حديث النفس فقال عازمًا: «لابدَّ مِن توفير كآفّة النفقات لإرساله إلى إحدى جامعات أمريكا أو سويسرا فالعلم لديهم كالماء والهواء، بينما لدى مصر والبلاد العربية كالقمامة، وحتى مَنْ فلحَ مِن أبناء جلدتنا إمّا ارتموا بعد ذلك في أحضان أمريكا فعاشوا أثرياء، وإمّا أرادوا أحضان أوطانهم وثراه فتعرضوا للتصفيّة مِن قِبل الكيدون الإسرائيليِّ. فهل يا تُرى أين موقع ابني إذا تعلّم وفقِه؟ في بلده يدخلها آمنًا ويحمل في كيانه نجاة هذه الأمّة أمْ يؤثر السلامة ويرتمي في أحضان أمريكا؟ أغامر بِه؟ لا أغامر، أقدّمُ رأس ابني تحت سيوف الموساد أمْ أقدّمه فداءً لوطني ، مصر. لعلّ مصر يأتيها مَنْ يصلّح مِن حالها ويأخذ ابني وغيره مِن مئات النوابغ المصريّة لبناء حضارتنا على بُسطٍ من العلم. بنفسي ومالي أجاهد حتى تتعلم يا فهمان.»
حكمة: إذا أردتُ أنْ تُخرس ألسنة الغوغاء فأحسنْ إليهم.
والمدهش أنّ فهمان كان يفكرُ فيما يفكر فيه أبوه، لكنّه كان يطرده حتى لا تفتك به مشاعرُه فتدفعه إلى مصارحته، كان يقول لنفسه: «كفى ما حدث لأبي مِن جراء حادثة الفندق المستلب، لا أودُّ مضاعفة غربته بحرمانه منّي على إثر سفري للخارج، لعلّ سفري يوقظ بداخله الغربة الأولى التي اندملتْ جراحها ونامتْ ولا أودُّ إيقاظها.»
فأضمر الأبُّ لحين تأتي اللحظة المناسبة، وأضمر الابن حتى لا يتسبّب في غربة جديدة لأبيه.
وظلّا على ذلك عدة أشهر، فهمان دائب الجلوس أمام الحاسوب وقراءة الكتب الإلكترونيّة ولا يهتم كثيرًا بدراسة الكتب المدرسيّة، فكلُّ اهتماماته منصبّة على دراسة الطبيعة مثل: تجارب مصادم الهادرونات المستقبلي fcc-1 بسيرن، نظريّة آينشتاين، النظريّة الكموميّة، نظريّة الأوتار الفائقة.
بينما فطين يفكّر في عمل يدرُّ ربْحًا وفيرًا إذْ إنّ عمله المعتاد في أيّ سيرك لن يكفي نفقة سفره إلى أمريكا.
يرمقه أبوه ويتأسف في نفسه على هذه العبقرية المكبلة بقيود الفقر، ثمّ يخرج متوجعًا متحسرًا ألا يجد ما ينفقه عليه.
ووصل الحال به إلى حدٍّ أن صارعته الكوابيس والأشباح في نومه.
وتتوالى الأيام على هذه الحالة حتى أتى الله بأمره، وقتها خرج فهمان يومًا إلى محل البقالة الذي أمام العمارة ليحضر بعض طلبات المنزل مِن زجاجات مياه جوفيّة وخبز مكيّس وبعض القوت، وكان المحل متموضع في السوق الرئيس للحيِّ، وبجانب المحل مقهىً كبير أحد محتوياته شاشة تيلفزيونيّة ضخمة، وقف فهمان قليلاً عندها فسمع أهل الحيّ يلعنون أمريكا وخاصة أصحاب اللحى منهم، فقد كانوا يلعنون قائلين: «ألَا لعنة الله على الظالمين، ربنا يخسف بهم الأرض هؤلاء الكفرة الملاعين.»
سمعهم فهمان ولم يلقِ لهم بالاً، إذ إنّه يعلم أنّ العبوديّة لن تقدّم ولن تؤخّر شيئًا إلّا إذا صاحبها العلم، ونظر إلى الشاشة فوجد الإعلاميّ يتكلم عن بركان عظيم من المحتمل أن ينفجر في ولاية كاليفورنيا خلال بضعة أشهر، وسمع جملة هامة جدًا تقول: «إنّ هيئة المساحة الجيولوجيّة ووكالة ناسا الفضائيّة يتعاونان معًا مِن أجل وضع خطة للسيطرة على البركان أو التقليل مِن مخاطره.» واستأنفوا: «في هذا الشأن أنّهم دفعوا بمواسير ضخمة ذات أقطار كبيرة في باطن الأرض وخارجها لضخِّ المياه إلى قلب البركان للسيطرة عليه وتقليل درجة حرارته حال انفجاره.»
سمع فهمان ذلك ووقع في روعه أنّ المواسيرَ لن تفعل شيئًا مع بركان كهذا، همس لنفسه بأنّ هناك طرقًا أخرى مِن الممكن تجربتها غير طريقة المواسير. وفطين جالس في شرفة الشقة تضربه الهموم والحسرات من ناحية، ومن ناحية أخرى تستفزّه قوّته بأن يتوكأ على أوتادها لفعل شيء لهذا المسكين. ثُمّ انتقلَ الإعلاميّ بعد ذلك إلى خبرٍ آخر، حيث عرض صورًا لمجموعة قليلة مِن الروبوتات وبعض التقنيين الفنيين من الأجناس المختلفة وهُم على سطح القمر للتنقيب عن هيليوم -3 واستخلاصه وحمله إلى الأرض.
وفي انتظار انتقال المزيد والمزيد مِن هذه الروبوتات حالما ينتهي خبراء هذه الدول ومهندسوها مِن وضْع المصفوفات الشمسيّة النانويّة على جانبي المصعد الفضائيّ.
سمع هذه الأخبار بروفيسور في العلوم السياسيّة وكان منزويًا في المقهى فتوجّس شرّاً وقال: «يبدو أنّ العالم سيفنى بهيليوم-3 عنصر الاندماج النووي لصنع القنابل الهيدروجينيّة، يبدو أنّنا على أعتاب عراك الفناء بين أوروبا وآسيا.»
انتبه أهل الحيِّ لفهمان الواقف منذ لحظات، وكان فهمان يغمغمُ مِن لغط وكالة ناسا، كما أخذه الإعجاب مِن جانبٍ آخر بنجاح العالم في صنع هذه المصاعد الفضائيّة.