منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - المنهج الأركيولوجي و الرؤية الفنية
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-2005, 06:30 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
شرف الدين شكري
أقلامي
 
الصورة الرمزية شرف الدين شكري
 

 

 
إحصائية العضو







شرف الدين شكري غير متصل


افتراضي

الفصل الثاني

الأثـــــر الفـــــنـــي


(( ... L'oeuvre est oeuvre seulement quand elle devient l'intimite ouverte dequelqu’un qui l’écrit et de quelqu’un qui la lit, l’éspace violement déployé par la contestation mutuelle du pouvoir de dire et du pouvoir d’entendre )) (1).

إن فعل الكتابة هو فعل مقرون مباشرة بالعزلة والتوحد. هذه العزلة التي يشترطها الكاتب على ذاته حين يخلو بها ليصقلها من معين تجربته مع الوسط الذي يتفاعل معه. فمن جهة هناك الضمير الجماعي الذي يتجسد في شكل سيق تحكم الجماعة وفق ميكانيزمات خاصة ، فتفرض عليهم تبعا لذلك سلوكات معينة ، هذه السلوكات التي تخلف شكلا رمزيا يطلق عليه : مفهوم التفاعل الرمزي . فمن جهة إذا يكون لدينا الضمير الجمعي ، ومن جهة ثانية هناك الضمير الفردي ، ومن جهة أخرى رابطة ثالثة هناك الرمز ، هذا الرمز الذي يحرك تلك العلاقة الرابطة بين الضميرين ليفرز من هذا التفاعل خطابا ما : الخطاب الشعري ، الأدبي ، العلمي ...إلخ .
فالخطاب الأدبي مثلا ، هو نوع من القراءة الخاصة التي يقوم من خلالها الكاتب ببسط نوع العلاقة التي تربطه مع المحيط الذي يتفاعل معه ويتبادل التأثير وإياه . هذا التأثير الذي قد يكتسي صبغة التأثير الأحادي : أي التأثير من جانب واحد ، كأن يغدو الكاتب مثلا مجرد معيد لما تم تلقينه أو تعليمه إياه ، كما هو الحال مثلا في الخطاب الأدبي اللاهوتي . إذ أن الكاتب هنا يكون عاجزا - إثر إيمانه المطلق بتسيجه داخل الخطاب العقائدي المعلّم - ... يكون عاجزا على إيفاد قراءة مغايرة لما جاء في النصوص القديمة التي تربى على حفظها . ولذلك فإنه يكون محكوما هنا بدين رمزي لا يستطيع أبدا التملص من قبضته لأنه وبكل بساطة لا يستعمل عتاد الجدال والنقاش والنقد ( المخرج الوحيد من سيطرة الدين الرمزي) .(2)وقد يكتسي كذلك صبغة التأثير الأحادي الذي ينبع من الشخصية الكاريزمية ، كما هو الحال مثلا لدى بعض الشخصيات التي قادت شعوبها إلى فرض نوع من العلاقات الإجتماعية التي سطرتها هي لها : ستالين ، لينين ، الخميني ، القذافي ... إلخ .غير أن هذا النوع من التأثير من النادر جدا أن يشذ عن السياق الدكتاتوري ، والذي هو الوجه الأسمى لأغلب السياسات الشمولية . وأما فيما يخص الخطاب الأدبي فإن هذا التأثير عادة ما يحتل مكانه في كفتين إثنتين ، شديدتا التعارض :


الكفـــة الأولـــــــــــــــــــى:
وفيها الخطاب الأدبي الذي يتمتع صاحبه بنوع من الكاريزمية الطائفية(3) التي يكون فيها مبتعدا كلية عن الهدف النبيل للأدب : الإبداع. لذلك يغلب على الأدباء الذين يحصرون رؤاهم في إيديولوجية مغلقة ، مسطر هدفها بصرامة لا تحيد أبدا أو أنها تدعي عدم الحياد ... يغلب عليهم الطابع الرتيب في التفكير ، والإعادة ، والتذكير والتشديد على الفكرة التي تحاول أبدا الظهور بشكل جديد.. غير أنها عبثا ما تحقق ذلك ، إلا في أذهان الرعية التي تستهلك وكفى .
الكفــــــــة الثانيــــــــــــــــة :
وفيها الخطاب الأدبي يمارس نوعا من الجاذبية الغير مباشرة ، والمتروكة لقناعات الإنسان المفتوحة . هذه القناعات التي أبدا لا تهدأ على بر . إن الشخصية الكاريزمية هنا هي ذلك المحرك الداخلي لحرية الإنسان والذي يكون مليئا بالتناقض كما هو الحال في أعمال" مالك حداد" شديدة التناقض ، على إعتبار أن التناقض هو الدينامو المحرك للسالب والموجب في آن حين يجتمعان .
إن التأثير هنا يكون مرهونا بإستعدادات سيكولوجية ذكية ، يتم تشغيلها على محك التناقضات الخطيرة التي تمس المحيط ، والتي عادة مايتم إسكاتها أو السعي نحو تغطيتها بطرق عديدة : كالمقص الذي تمارسه العادات والتقاليد مثلا . والقوانين الصارمة التي تنصها النصوص القانونية ... إلخ .
إن المنهج الحفري(الأركيولوجي) التفكيكي ، حين يقرأ ما يخفيه النص أو ما يسكت عنه ، يولد نصا ثانيا يمكن إعتباره بمثابة الصنو المعادي للنص الأول وبذلك فإنه يخلق قراءة ثانية تخترق النص الأول تكشفت عن بعض إمكاناته التي لا تقولها الكلمات القاموسية ، وإنما ينطق بها المعنى الإيجابي الدلالي في النص. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأثر الأدبي الفني فهو يقوم بتقفي آثار العالم الذي ينبض حركة ولا يراد له الأ فول وهو يستنهض النص المبتور من دفتر الحياة اليومية والذي تم إسكاته ، صانعا بذلك وقائعيته في شكل عراء فاضح لتلك الميكانيزمات الإجتماعيةالتي تدعي الإنسانية ومعرضا بذلك شخصه وبنيته الخطابية ذاتها إلى خطر الخطاب المجابه الذي يمارس سلطته القمعية كحدث .
ومن هذه التكشفات التي يتم إبرازها في العمل أو الأثر الفني. وعن تلك الأقرارات النفسية التي يتسلح بها كاتب ذلك في تفاعله مع المحيط ، وتلك الحادثة أو الحادث accident الذي يبرز كوجه جديد لذلك التفاعل- له أثره وميزته- سوف يتم إسترسالنا في العمل كما يلي ....... :
((L’écrivain appartient a l’oeuvre, mais ce qui lui appartient c'est seulement un livre, un amas muet de mots stériles, ce qu'il y'a de plus insignifiant au monde. (6) M .BLANCHOT
.
لقد أصبح من المتجاوز زمنيا اليوم إماطة الغطاء أو إستذكار تلك النظريات العديدة للوجودية التي وخطت طيلة المنتصف الأول من القرن العشرين المسار الفلسفي الأدبي La philosophie - littéraire إذ أن هذا الموروث أصبح يتحرك في تفكيرنا دون أن نجهد أنفسنا كثيرا كما كان الحال إبان تلك المرحلة التي تضرب بجذورها ليس فقط إلى" سارتر” وإنما إلى” كيرغارد” في بداية القرن التاسع عشر. فجدلية – التفكير- الوجود ، تم الفصل فيها ، وأصبح من العبث اليوم إعادة التشريح في علاقة التفكير بالوجود ، وهل أنه سيتم إستنباط التفكير من الوجود أو العكس ... إلخ. إن هذه المماحكات الكلامية التي صاحبت الإنسان منذ القديم لم يعد مجديا نفعا فيها ذلك الحديث الشاق والنقاش الحاد الذي يجعل المتناقشين في جدال وخصام وإنفصال بين مؤيد لأسبقية الوجود عن الفكرة ومعارض لذلك أو بين محيد عن ذلك وذاك ومختارٍ للعدم . وفي هذا السياق يبدو فعلا من العبث إعادة الكلام عن تلك الإجتهادات المفرطة للسوسيولوجيين في السبعينات من هذا القرن، التي تبحث عن تأسيس لعلم فرعي تابع لعلم الإجتماع ، يختص بالتحليل والتفكيك أو التفسير للظواهر الفنية التي تشارك في البنية الثقافية للمجتمع مشاركة مرموقة وفعالة تؤثر وتتأثر إذ أنهم كانوا يجهدون أنفسهم من أجل تأسيس ذلك باالسعي نحو إثبات التواجد الواقعي للفن ، وإنبثاقه العميق من الحياة الإجتماعية وضرورة دراسته بمفاهيم خاصة به وفق ذلك، معيدين كل تلك النظريات الوجودية Théories existentielles إلى سطح الساحة الفكرية .
غير أن سوسيولوجية الفن مازالت حتى هذه الساعة محدودة الإستعمال عدا في بعض الجامعات الكبرى الأمريكية والأوروبية ، وأما في العالم العربي فإنها تنعدم كلية!. وحتى مسألة الفصل في قضية علاقة - الوجود بالفكرة - مازالت حديث الساعة اليوم ،إلى مسألة الإلتزام أوعدمه ومسألة قراءة المجتمع ، والمكان الضائع للفن بين العيش والحياة المؤدلجة ..... إلخ ...
.لذلك فإننا وفي إنعدام وجود دراسة عربية في سوسيولوجيا الفن - أو بإنتظار توفرها - سوف نعتمد في تعريفنا لسوسيولوجيا الفن ـ عن طريق مدخل إلى ذلك ـ على التفاعل الهام الذي يتم بين الفنان والمجتمع وما يتولد عن ذلك من عمل مميز وهو بمثابة القراءة (الجديدة) للواقع و التي تلفت الإنتباه فعلا وتطرح بدائل وحلول أو حتى .... نظرة مغايرة لا تراها العين العادية : الأثر الأدبي.
سوف نعتمد على الدراسات الغربية التي تناولت الموضوع وأسسته كفرع مستقل .

أ) ـ الوجـه الخفـي للحيـاة الإجتماعيــــــــة :
ما الذي يميز يا ترى بين القراءات العديدة التي تمس الحياة الإجتماعية ؟ ...
إن الإنسان منذ طفولته وسط الجماعة البشرية وهو يبحث عن أفضل وسيلة تضمن له العيش وتقيه خطورة الإندثار والتشتت والدحض. لذلك فإنه كلما كان موغلا في الإعتماد من أجل تجنب ذلك الخطر، على الآخرين كان تحت رحمتهم بدرجات مختلفة . فالطفل مثلا ـ وهو يحس الأشياء ولا يعرفها ـ يكون أكثر عرضة للخطر وأقل إستقلالية وحياته الإستهلاكية تعتمد أشد ما تعتمد على ما يحصل عليه من الطاقة الإجتماعية المنتجة: الوالدين ، الإخوة ، الراشدين الذين يزاولون حياة عملية إنتاجية ... إلخ ... وهكذا فإنه يستمر في تلك الحياة - الشعورية - إلى أن يبلغ مرحلة معينة ، يكبر فيها تساؤله حول نوع العلاقة التي تربطه بمحيطه ، وبنوعية تلك العلاقة مقارنة مع أنداده من الأصدقاء أو المعارف. فيبدأ شيئا فشيئا بتحليل الحياة اليومية ( اليوميLe quotidien ) معتمدا في ذلك على مكتسباته الثقافية التي تزَود بها في حياته الماضية ، فتراه إذا ما قمت بغوص في حياته الداخلية، يحيا حياة مرهقة مليئة بالتساؤلات والبحث عن مكانة مرموقة - إنتاجية - تتلاءم مع التغيرات الفيزيقية الآنية ومع بنيته الجديدة الجسمانية وتماما كما المقاومة الجسدية التي تختلف من إنسان إلى آخر فإن ذلك التساؤل وتلك المقاومة المجابهة في أغلب الأحيان بالثوابت الإجتماعية ، فإنها تختلف من إنسان لآخر .فهناك من يستمر في تساؤله وفي المقاومة المرهقة، إلى أن يؤسس إلى نفسه مكانة خلاقة مبدعة مميزة، وهناك من يجهد ويخفق في الأخير ويستكين إلى الحياة الإستهلاكية كغيره من الأناس - العاديين - الذين يحيون حياة بعيدة كل البعد عن القراءة النقدية - المؤسِسَة -.
ومن خلال إطلالة متمعنة في السير الذاتية للكتاب الذين أسسوا لأنفسهم مكانة خاصة وسط الحياة الفكرية، نجد بأن طفولتهم كانت معينا يكاد لا ينضب من الغرابة والتساؤل والقراءات الشيقة للمحيط الذي أمضوا فيه صباهم .هذه القراءة التي تم صقلها وغربلتها في مرحلة ناضجة من حياتهم والتي كشفت عن عوامل خفية غفلت عنها العلوم ، وزودتها في ذات الوقت بإمكانيات جديدة للبحث و التنقيب عن علاقة الإنسان بالوجود : علم الإجتماع ، علم النفس ، الآداب ...إلخ. فقراءات” مارسيل بروست M . Proust “ مثلا للحياة الداخلية التي ترسم التفاعل النفسي العميق للفنان مع الوسط الأسري - Du coté de chez Soine في عمله الضخم A la recherche du temps perdu فتحت مجالا واسعا لعلم النفس - الأدبي وكذلك قراءات “فلوبير -FLAUBERT -” التربية العاطفية L'éducation sentimentale-- التي رسمت معاناة الشباب العاطفية الحادة للطبقة البرجوازية الفرنسية في منتصف القرن التاسع عشر أو أعمال” بودلير” التي زعزعت المناخ الثقافي الفرنسي بوصفها مهدمة ومؤثرة بشكل خطير على العادات والتقاليد للموروث الثقافي الفرنسي الذي رمت به كلية إلى مزبلة الفوران الداخلي الملئ بالتساؤل والمعاناة والمعرفة المحلات بالثورة على القيود التي تحد من خيال السؤال ومن الحلم المجنح للفنان الذي لا بد له أن يطير - وكيفما شاء -. لذلك نجد بأن أعمال عديدة قد صودرت وتم محاكمة أصحابها وحتى الزج بهم في السجن ، أو قتلهم ، كما هو الحال في أزهار الشر Les fleurs du mal أو مادام دو بوفاري Madame de Bovari






التوقيع

ريح تعصف بين ضلوع الحرف،لا ينالها إلا من بداخله ريح... ! !
ريح تتنهد الضجر،لا ينالها إلا من كانت بداخله حياة.
الريح قلب الحياة... و الضجر عقلها.. ! !.
 
آخر تعديل شرف الدين شكري يوم 06-11-2005 في 06:40 PM.
رد مع اقتباس