منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - المنهج الأركيولوجي و الرؤية الفنية
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-2005, 06:41 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
شرف الدين شكري
أقلامي
 
الصورة الرمزية شرف الدين شكري
 

 

 
إحصائية العضو







شرف الدين شكري غير متصل


افتراضي

. وهناك أعمال روائية كبيرة جدا ، هي بمثابة الدراسات التاريخية ، الإجتماعية ،التي تذهل الإنسان أمام عمق تصويرها للتفاعلات الإجتماعية التي تغفل عنها القراءة التاريخية ذاتها أو حتى التحليل السوسيولوجي. فالآثار الأدبية الضخمة التي خلفها كاتب ملتزم بقضايا أمته مثلا كـ” إميل زولا “EMIL ZOLA والتي تمت في شكل سلسلة من الروايات التي سطرت السيرورة التاريخية لعائلة Les Rougons Macquart : حيث أن” زولا” رسم لنا المناخ السياسي وتطوره عبر مرحلة خطيرة جدا من التاريخ الفرنسي ، كانت فيها فرنسا تبحث علن التفتح والخروج إلى العالم بشكل جديد، إنبثق من إفرازات الثورة الفرنسية التي ولدت مكانة جديدة مؤسسة على العقل الجديد وإفرازات التفكير التنويري و السياسات الإشتراكية وفصل الدين عن الدولة و التفاعل بين كل ذلك من أجل البحث عن مكانة مميزة للإنسان الفرنسي . هذه المكانة التي راحت فرنسا تبحث عنها من خلال المستعرات الكبيرة التي حصلت عليها و السياسة الداخلية الجد خاصة التي لا تقر بها أبدا التقارير السياسية التي تتسم دائما بالتبشير و الطيبة و إبداء ما هو جليل و حسن و مطابق لما تريده و تسطره عنوة . فسلسلة ( Les rougons Macquart ) ، تعري ذلك الوجه الطيب الذي تسطره الحياة السياسية ، و تبرزه إلى الوجود و إلى القراءات العديدة بشتي تخصصاتها . ذلك الوجه الخفي للحياة الإجتماعية ، وتحذرها في نفس الوقت من “ الإختصار المبتذل للفرد في المفهوم العلمي (7) “ .
و شخوص تلك الروايات : الأرض ، جيرمينال ، آنا ، سعادة الحياة، الحانة .....إلخ ،La joie de vivre.. La Terre, Germinal, L'assommoir etc., مزودة دائما بالرصيد المعرفي و بالفكرة التي يختزنها” إميل زول” في موروثه المعرفي و الثقافي بوجه عام ، و يعكسها بوجه فني تمليه ضرورة الكتابة الخلاقة الأساسية : اللآوعي و ما يشترطه من الإبتعاد عن إبتذال الفكرة ، و إقعاصها . و هذا ما يوازيه في العلوم: الحياد أو الموضوعية . فالقرن التاسع عشر ، و الذي فتحت فيه فرنسا مستعمراتها كان شعاره: المساواة، الأخوة ، العدالة ، و الرغبة في تحضير “ الشعوب المتخلفة،، كانت فيه الشعوب الفرنسية و بخاصة الطبقة العاملة البعيدة كل البعد عن الوعود المزهرة للخطب السياسية ، العسكرية ...كانت فيه تتخبط في الفقر المدقع ، و البطالة ، و الأمراض . كانت في القرى الفرنسية و في الأحياء الآهلة بالسكان ، في باريز ، عائلات تموت تحت الصقيع و البغاء، و سياط الجوع و بنادق رجال الشرطة .
إن تعريات كهذه ، دفعت “ بأميل زولا” في أحايين عديدة إلى خطر القتل. والإلتزامات العديدة التي زاوجت الكتابة بالحياة المعيشة ، عرضته إلى أعسرالمواقف التى غيرت المسار السياسي و الأدبي الفرنسي . أوكما يعرفه” بيرنارهنري ليفي” بمسار“تاريخ المثقفين Histoire des intellectuels “ . مما فتح في الأخير المناخ الثقافي على “ قيم “، ثقافية بعيدة عن مفهوم التدجيين للمثقف , قريبة من النقد الذي لا بد أن يسعى إلى التنقيب أبدا على ما لا يقوله أو يغض عنه الطرف أو يتعامى عنه الخطاب السياسي أو الديني أو العميل لكليهما.
إن الإلتزام “ كشف “ كما يشير إلى ذلك “أدونيس” . و هذا الكشف ، لا يتأتى في الحقيقة إلا من خلال تربية نفسية جد عسيرة يلتزم بها الفنان تجاه ضميره - الفردي - في مواجهة - الضمير الجماعي - و الذي من شرائط بقائه المجابهة لكل ما من شانه أن يزعزع كيانه و بنيته التي تشكل الثقافة رصيدها الرمزي الذي تشرب منه من أجل الحياة الداخلية التي تنعكس للعيان في شكل سلوكات معينة وفق ما سُطِر لها . و الفنان بصفته قارئا مميِزا للعلاقات التي تربط الأفراد ، و التي تحيط بها التكرارية ، و الرتابة ، و الإستهلاك المكرور الذي يعد بالفناء دون تخليف أي أثر ، يميل إلى الرغبة في خلق عالمه الخاص، الذي عادة ما يحاول الملاص من آلام الحياة اليومية الروتنية . فيصاب بهوس الرغبة في الخروج من آلام الميكانزمات التي تعاقبه دائما خلال بحثه عن الجديد، و يسكن إلى إرهاقات السؤال و إلى المعانات السيكولوجية ، و إلى سوء الإرتباط مع الأخرين . إنه يبحث عن ظفر صلب يخدش به حجر الثبات الذي يميز أي خطاب سلطوي. . فيخلف بذلك أثرا “ oeuvre “ هو بمثابة القطيعة “ La rupture “ مع التدجين و هروب من الموت الذي يبصم الحياة الإجتماعية العاديـــــــة .
إن أهم هدف للثقافة هو ليس الحفاظ على روحها الرمزية بقدر ماهو الإستمرار و الملاص من الفناء ، و ذلك بالتأقلم مع الإفرازات المختلفة التي تخلفها الوضعية العالمية و يلدها الرمز الولود بامتياز.
لذلك فإن الملاص في حقيقة الأمر لا يحققه الخطاب الثباتي ، بقدر ما يحققه الخطاب الحركي “ mouvant “. هذا ا لخطاب الذي يبتدئي دائما في الخفاء و يجابَه بأعتى وسائل القمع - النفسية و التقنية - التي تخلف في حقيقة الأمر ، فنانا مكافحا بشتى الوسائل الدفاعية و الهجومية : الأغنية ، الرسم ، الموسقى ، الكتابة ....إلخ.
و عن هذه المعانات النفسية كتب” موريس بلانشو M / Blanchot “ كتابه الشهير : “L'espace littéraire “ ، و الذي جاء فيه الحديث عن بعض أعلام الأدب الغربي الذين و خطوا ثقافاتهم بآثارهم الأدبية المميزة التي عاركت الموت المتوعدة للإنسان المدجن في الحياة العادية ، و ذلك عن طريق البحث المضني دائما عن الأوجه العديدة التي تظل ترافق المبدع في السعي نحو تصور أقرب فأقرب إلى"الأثر الفني “ . فقام بتحليل النصوص الأدبية و بعض السير الذاتية لكل من : مالرميه، رايلكه، كافكا Mallarmé, Rilke , Kafka. و الخطوط العريضة التي ترتسم في هذا الكتاب يمكن إيجازها فــي :
ا- المحيط أساس كل إبــــــــداع :
“ نحن لا نذهب أبدا من العالم إلى “ الفن “ ، حتى و إن كان ذلك عن طريق الرفض أو الطعن الذي تحدثنا عنه سابقا ، لكننا نذهب دائما من الفن إلى ما يظهر في شكل المضاهر المسيطر عليها للعالـــــــــــــــم:
“On ne s'élève jamais du " monde" à l’art, fut ce par le mouvement de refus et de récusation que nous avons décrit, mais l'on va toujours de l'art vers ce qui apparaît être les apparences neutralisées du monde (9)”. .
إن في هذا تذكير واضح بكلمة دوركهايم: Durkheim العلم الحقيقي يمضي من الأشياء إلى الفكر و ليس من الفكر إلى الأشياء La vraie science va des choses aux idées ,et non pas des idées aux des choses” .
ب- الكتابة تأسيس لقيــــم خاصـــة :
حين تصبح الكتابة ذهاب نحو اللامنتهي .... فإن الكاتب لا يذهب نحو عالم مضمون جميل، مبرر .. إنه لا يكشف عن تلك اللغة التي تتكلم بشرف عن الجميع(10) ...إن ذهابا كهذا ، يقرن الكاتب بخطر " الضياع " و التوحد" و البحث الذي لا ينتهي، و يهدد بتفاعلات نفسية خطيرة ، كما أبرز ذلك كافكا مثلا في مذكراته (11). و هذا الضياع الذي يتأتى في شكل لذة و جيعة روحية أبـــــدا لا تحييد عن هدفها الأسمى كما هو الحال لدى الأنبياء و المتصوّفين و المتألهين.......إلخ. هذا الضياع الذي يرسم وجود الكاتب في شكل عمل فني مقيَّم تقييما خاصا يبرز تميز صاحبه في معالجته لواقعه و تفاعلاته العسيرة معه . هذه التفاعلات التي لا بد و أن تؤسس في الأخير للفكرة L'idée الفنية .
جـ- الفــكرة أساس الأثـــر :
نحن إذا ملزمون على القول بأن لغة الشعرية Le langage poétique هي بإمتياز لغة التفكير Le langage de la pensée ، و بأن المعنى، التصور المحض، و الفكرة، يجب أن يكون الهاجس الرئيس لكل شاعر .... “ الشعر قرين الفكرة “ كما يقول مالارميه La poésie proche l'idée” “ (11) “ الفن هو الروح التي لا تساوي شيئا إذا لم تكن أثرا” (13).

**

إن الثقافة هي الروح الكبيرة للمجتع ، و الذي يتكون بدوره من مجموعات جزئية تكوّن الكل. و الروح التي تكون فاغرة المضمون هي روح منذورة للإندثار و الفناء ، كما حدث ذلك مع المجتمعات البدائية القديمة التي لم تترك أي أثر حضاري ، أو حتى المجتمعات الآنية التي تعيش على هوس ماضي تليد لم يبق منه غير الهيكل . و لذلك فإن الروح الحديثة التي تعكسها الثقافة اليوم ، هي روح أملتها ضرورة الزمن أكثر من ضرورة المكان ، فغدت الإيديولوجيا إلى نهايتها : “ نهاية الإيديولوجيا “ أو حسب مفهوم فوكوياما “ نهاية التاريخ “ و أصبح الإنسان يعيش إنتهاءه كجسد و يحيا خلوده كفكرة “ موت الإنسان” كما عبر عن ذلك ميشال فوكو في “ الكلمات و الأشياء “. لذلك فإن البقاء لن يكون إلاّ للفكرة المتميزة التي تجترح شرائط الفناء التي تمليها القراءة المستهلكة و التعفن في الحياة العادية ، و الإنسياق نحو الثبات ، و تخلّف في ذاكرة الأمة حدثا Evénement ملحوظا ، وتخلق تبعا لذلك مسارا معتبرا بروح جديدة تضيف إلى الروح الكبيرة المزيد من الحياة و لا تثقل كاهلها بأشباه الأرواح التي لن تستحيل أبدا إلى أثر فني Oeuvre artistique .

{ هــوامش الفصـل الثــانــي }

Maurice blanchot , L'éspace littéraire : -(1)
-(2)محمد أركون الفكر الإسلامي ، تر. هاشم صالح، ص 28 “ الدين الرمزي ، هو ترجمة ل للمصطلح الذي بلوره مارسيل غوشيLa dette du sens/ Marcel . G " فالطالب المعجب بأستاذه يشعرنحوه بنوع من الدين او المديونية المعنوية ، و يكون متقبلا لطاعته بسبب هذا الإحساس بالجميل و الفضل “ .
-(3) و نقصد بالكاريزمية هنا ، الشخصية القيادية التي تكون مهووسة بالقيادة : كرؤساء الأحزاب ، رؤساء الجمعيات الثقافية ، ممثلي إيديولوجيا ما - شعريا او أدبيا - .....إلخ. مستعملة من أجل ذلك كل الطرق - الشرعية وغير الشرعية - في حق الإنسانية ، متلفعة تارة بهندام النبوة ، و تارة أخرى بالتبشير ، و ثالثة بالألوهية و الموضوعية .إلخ .
(4) - علي حرب الممنوع و الممتنع ، نقد الذات المفكرة ، ص12) ، "و هكذا فإن الكتابة لا تبقي الوجود العيني على ما هو عليه ، بل تمرره في مخرطة اللغة و الخطابات ن أو تسجنه داخل أسوار القضايا و التصورات"...... ص (20) ، "هكذا تتغير النضرة إلى النص و تنقلب طريقة التعامل معه ، فلا يعود مجرد راوية للحقيقة بل يصبح منتجا لها ، و لا يعود مجرد خبر عن الوقائع ، بل يغدو هو نفسه واقعة تفرض نفسها على القارئ. هذه العلاقة الجديدة مع النص هي ما سميته الوقائعية ."

Maurice blanchot, L'espace litteraire,p 12. -(5)
Emile zola , La série des “ rougon Macquart”. -(6)
L'histoire Naturelle et sociale d'une famille sous le second empire- ED , Le livre de poche , fasquelle - Paris -.
Jean Duvigneau , La sociologie de l'art, P.U.F 1967,P5. -(7)
Bernard Henri Levy , Les aventures de la liberté , grasset 1991 ,PP, 9,10 -(8)
-(9) Maurice . B, L’éspace littéraire, p 45. IBID, p 22. -(10
A Voir : Max Brod, Franz Kafka, Ed NRF Gallimard 1963 -(11)
Maurice . B, L’éspace littéraire, p 34. -(12)
IBID, p 103. -(13






التوقيع

ريح تعصف بين ضلوع الحرف،لا ينالها إلا من بداخله ريح... ! !
ريح تتنهد الضجر،لا ينالها إلا من كانت بداخله حياة.
الريح قلب الحياة... و الضجر عقلها.. ! !.
 
آخر تعديل شرف الدين شكري يوم 06-11-2005 في 06:56 PM.
رد مع اقتباس