قال كاجيتا: «في مختبر لوس ألاموس بمنهاتن يا حمار.»
عاد الصمت مرة أخرى، ولقد قال ناكامورا في نفسه: يبدو أن كاجيتا قد ذهب عقله.
أما كاجيتا فأراد أن يبث فيهم روح الوطنية والشغف بالعلم، لذلك قال: «هيا إلى المصادم، لنجري الارتطام على المصادم لنستحضر روحي هذين الملعونين.»
جن جنونهم، بل أغشي على أحدهم.
في هذه اللحظة فاجأه ناكامورا بما لا يخطر على بال أحد، حتى كاجيتا نفسه، حيث قال: «ما رأيك سيدي كاجيتا أن نجري الارتطام ونتمكن من فتح الثقب الأسود المجهري بطريقة ما ثم نعبر جسر أينشتاين، وتلتقي هناك بأجدادك الذين راحوا ضحية قنبلتي هيروشيما وناجازاكي؟»
فور أن انتهى ناكامورا من كلامه حتى خر على الكرسي صعقا، وظل صامتا لحظات يفكر فيها في كلام ناكامورا، بعدها بدأت الدموع تفر من محجري عينيه وتخضل صدره، وقال: «مستحيل يا ناكامورا أن نراهم أحياء في بعد آخر بعبور ثقب أسود مجهري، لكن ما يبرأ سقمي ويشفي غليلي أني سأنتقم منهم وأقتّل أولئك الملاعين شر قتلة (يقصد أمريكا).»
***
نهض كاجيتا وتماسك، ثم قال مستاء: «للأسف سأضطر لأن أجري تجربة قائمة على معادلة آينشتاين التي تحدّد العلاقة بين الكتلة والطاقة وسرعة الضوء.»
قال ناكامورا: «المعادلة هي: الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، لكن المعادلة يراد بها تحويل الكتلة إلى طاقة كالقنبلة الذرية، فهل من الممكن تحويل الطاقة إلى كتلة؟»
أجاب كاجيتا: «الجرافيتونات عديمة الكتلة لكنّها تحمل طاقة، فلو استطعنا تحويل الطاقة إلى كتلة فقد أنجزنا عملا عجز عنه الفيزيائيّون على مرّ عقود طِوال، الفيزيائيّون استطاعوا منذ سنين تحويل فوتونات الضوء التي تحمل طاقة إلى مادة، فعندما حدث تصادم بين الفوتونات عن طريق الليزر تمّ إنتاج أزواج من الإلكترونات والبوزيترونات وهم عبارة عن مادة، أمّا مسألة تحويل الجرافيتونات التي تحمل طاقة إلى مادة فهذا هو التحدّي الأكبر لنا وعلينا بعمل التجارب لإتمام المهمة.»
قال ناكامورا همسا: والآن سيجري كاجيتا تصادما بين الجرافيتونات العالقة بالمغانط الأحادية، يا له من عبقري!
سلط كاجيتا بالفعل الليزر الخارق على الجرافيتونات العالقة في مجال المغناطيس الأحادي القطب، فلم تنفصل عن المغانط.
انتفض جسد كاجيتا، وكاد لا يتمالك نفسه من الهلع. أعاد تسليط الليزر وجسده يرتجف ويده اليسرى يمسك به قلبه بعدما أصابه ألم فيه، فلم تنفصل أيضا الجرافيتونات العالقة.
أعاد وكرر، وزاد جسده ارتجافا.
قال كاجيتا صارخا: «لازم تنفصل، لازم، أيتها المغانط الملعونة أتركي لي أصدقائي.»
وظل يهذي ويتمتم حتى خر على الكرسي منهدا.
نظر بعضهم إلى بعض وكاد الألم يعتصر قلوبهم. أما ناكامورا فهب منتفضا وهرول إلى الليزر وكرر ما فعله كاجيتا. لكن للأسف ما زالت
الجرافيتونات عالقة.
قال ناكامورا: «إن لم تنفصل الجرافيتونات فلن نتمكن من صناعة قنابل الثقوب السوداء.»
مرت لحظات، بعدها تصارعت دقات قلب كاجيتا، ثم أمسك بقلبه وصرخ ألما، ثم ما لبث أن أغشي عليه، دنوا منه وحملوه في أحد مصاعد المختبر قاصدين أحد أطباء المصادم القاطن في أحد المباني الكائنة فوق المصادم.
***
وصل جاك أخيرا، على مدار الرحلة وهو يفكر في أمرين اثنين لا ثالث لهما، الأول هو رجاؤه بالشفاء العاجل لفهمان، أما الآخر فإدراك كاجيتا قبل أن يتمكن من صنع قنابل الثقوب السوداء فيركع العالم كله تحت أقدام اليابان، وتطرق بفكره بعيدا حيث قال: وما المانع أن ينتقم كاجيتا من دولتي لو امتلك هذه القنابل؟ ما المانع أن يُعاد التاريخ القديم كله عندما يحدث تغيير في موازين القوى العالمية؟
وقال مستدركا: فالدولة عندما تضعف وتزول حضارتها تظهر جميع مثالبها التاريخية وتطفو على السطح بعد أن كانت غريقة في بحر لجي، بل وتهبط محاسنها إلى القاع وبذلك يظهر فيها كل سوء، ويحدث العكس مع الدولة التي تزدهر حضارتها بعد تخلفها.
صادف لحظة دخوله نفس اللحظة التي كان فريق كاجيتا يحملونه إلى الطبيب.
فسأل ناكامورا: «ماذا حدث لعالمنا الجليل يا ناكامورا؟»
أجابه بوجه أصفر وبأنفس متلاحقة: «لقد كاد الثقب الأسود أن يلتهمه لولا أن أمسكنا بيده وجذبناه حتى تلاشى الثقب.»
وكذب عليه ناكامورا، فهو يعلم أن جاك لو علم بنجاحهم في القبض على الجرافيتونات ربما حدث ما لا يحمد عقباه لهم.
ظل ينظر جاك إلى كاجيتا المحمول على الأكتاف بعد أن اجتازوه وولوا. قال: أنت تكذب يا ناكامورا، ولقد أصيب أستاذكم الملعون لأنه أخفق في شيء كبير وهو يمارس التجارب على المصادم، على كل حال أحمد الرب أنه لم ينجح في صناعة القنابل.
انتبه جاك لنفسه، وقال: فهمان، فهمان.
وهرول مسرعا نحو غرفة العناية المركزة بمباني المصادم. فلما وصل سأل في الاستقبال عن فهمان فقيل له أنه في غيبوبة منذ ثلاثة أيام.
انتظر ودمعه لا ينقطع من الانهمار. وقع نظره على صحيفة بيد الممرضة التي بالخارج، فخطفها منها في غرابة شديدة، لأنه لمح خبرا عن فهمان.
الخبر: جاك الولايات المتحدة الأمريكية بمصر.
أسفل الخبر يتساءل المحرر: هل يا ترى زيارة لصديقه أم أنه اتخذ زيارة صديقه حجة لكي يجري تجارب على مصادم الوادي الجديد فيحصل لدولته على سلاح يقضي به على أسطورتي القنابل النووية والهيدروجينية؟
امتعض جاك وقال غاضبا بصوت مسموع: السلام هو مرادي أيها السفلة.
قلب الصحيفة فقرأ خبرا آخر: هل تزول الحضارة المصرية بموت الفتى فهمان المصري؟
انهمرت دموعه ثانية على إثر هذا الخبر بعدما قاومها غضبه منذ لحظات. قرأ من ضمن تفاصيل الخبر: الفتى في العناية المركزة منذ ثلاثة أيام، فهل مات والإدارة المصرية لا تريد إعلان خبر وفاته؟
حق لمصر أن تصدم وألا تمتلك الشجاعة لإعلان خبر وفاته، حق لمصر أن تحزن وتقيم حدادا أبديا إذا مات هذا الفتى.
وفجأة وهو يقرأ إذ خرج أحد الأطباء مسرعا وهو يطلب أكسجين. فأسرع إليه جاك وهو متفجع.
قال جاك: «طمأني يا دكتور على فهمان.»
قال الطبيب: «أخشى أن يموت، حالة صديقك هذه عجيبة، توقف القلب منا بضع مرات ثم يعود وينبض من جديد.»
قالها الطبيب وأخذ الأكسجين ودخل سريعا. انتفض جسد جاك وفي لحظة انهار فيها تمام الانهيار وهو يقول: أنا الوحيد الذي أعرف سبب هذه المعجزة، تموت وتحيى تموت وتحيى، رباه كيف له أن يمتلك كل هذه العزيمة في حب البقاء؟ أرغبتك في إنقاذ العالم من الشياطين استطاعت أن تحييك بعد موتك؟ أيها الرب ألطف به.