***
كان جرح فهمان سطحيًا بحيث ضمد له الطبيب جراحه وزال الألم عنه على الفور.
ظل جاك يفكر كيف يقنع فهمان بصناعة قنابل الثقوب السوداء له، فلم يجد وسيلة أفضل من أن يؤكد له أن ذهابه لإبليس لا جدوى منه ما دامت حياته في خطر لأنه هو الوحيد القادر على الوصول إلى ثقب سحابة أورط.
لما أفاق فهمان -وهو في الفراش- فاتحه بذلك بالفعل، فقال فهمان: «أرسل إلى اليابان أنها بحوزتك.»
قال جاك: «إذن ستصنعها لي.»
قال فهمان بعد أن وارى وجهه ناحية الشمال وقال: «لا أستطيع أن أشارك في دمار العالم.»
تلبدت ملامح جاك، بينما عاد فهمان بوجهه إليه وقال كالمستدرك: «أخبرهم بأمر ثقب سحابة أورط وأنك الوحيد القادر على خلاص البشرية كلها من موت محقق.»
لقد أفحمه فهمان لذلك قرر أن ينتقل لتحفيز آخر يستحثه من خلاله على القبول بصنع القنابل، لذلك قال: «ما قلته لا يكفي، إن أمريكا معرضة للفناء في أي لحظة، أكثر من مليون جنديّ راحوا بسببك، ثم لا تنس يا دكتور فهمان أنها هي التي ربتك وعلمتك وأوصلتك لهذا العلم، حتى هذا المصادم لولا أمريكا ما كان ولن يكون، ألم يحن الوقت لتردّ لها الجميل؟»
لقد وطأ جاك على جرح انفتح في قلب فهمان وقد لا يندمل بسهولة، ولذلك تشنج جسده، وارتعش وجهه كارتعاش ورق الشجر في يوم عاصف،
وهو يصيح بكلمات لا تكاد تخرج من فيه: «لا، لا أستطيع.»
نظر إليه جاك نظرات ازدراء ولم يعبأ بوجيعته ثم انصرف وقال: «أنا أستطيع، سأصنعها بنفسي يا فهمان.»
فناداه بصوت متقطع كصوت الطفل الباكي: «لا تخشَ صديقي، خبر الثقب سيثني العالم عن مجرد التفكير في الحرب أو الثأر أو حتى السعي وراء الطعام والشراب، كلّ ما يشغلهم الآن التأكد من وجوده، فإن تأكدوا سيتّحدون للخلاص منه.»
***
مضى جاك وهو يقول لنفسه: لا بأس يجب أن أحاول رغم أن الفيزياء النظرية لم تكن تخصصي.
ونزل إلى المصادم ودعا بعض خبراء الفيزياء النووية للانضمام إليه، وأعلمهم أنه يريد صنْع قنابل الثقوب السوداء من أجل الحفاظ على وجود أمريكا كجنس بشري.
وشرعوا في التجارب بالفعل، ومضت أيام كان جاك لا ينام إلا غفوات، بينما ينسق الخبراء مواعيد العمل معه من أجل أن يرتاح البعض الآخر ولو ثلاث ساعات.
وأخيرا تمكن جاك من صنعها، وهي نفس الطرق التي اتبعها كاجيتا بالضبط إلا خطوة واحدة تبقى لجاك ولم يعلم بها.
قال جاك بعد تمكنه من صنعها وهو ينظر إليها وهي بحجم بيض البرغوت: «والآن معي خمس قنابل، علي بتجربتها لأتأكد أنها تعمل على أكمل وجه.»
فخرج بها مع الخبراء إلى صحراء الوادي الجديد، وحمل معه جهاز الليزر المعجزة الذي لديه القدرة على تخليق الطاقة المناسبة لفتح الثقب الدودي.
فلما نصب الجهاز ومرْكز إحدى قنابل الثقوب السوداء وهمّ بضربها ارتعش وسقط مغشيا عليه.
التفوا حوله مسرعين، وحاولوا بشتى الطرق إفاقته بيد أن الصدمة كانت قاسية عليه فغيبته تماما.
حتى قال أحد الخبراء: «أخشى أن يكون أصيب بشيء.»
قال آخر:«انظروا جيدا لعل لدغه عقرب.»
فأجيب عليه: «إنه مصدوم من شيء ما.»
بعد مرور فترة استطاعوا إفاقته، وفور أن أفاق أسرع نحو السيارة ولم يكلم أحدا منهم وداس بنزين حتى وصل إلى المصادم.
دخل على فهمان في حجرته فلم يجده.
خرج مسرعا وهبط إلى النفق بأحد المصاعد، فوجده يجري بعض التجارب على المصادم كي لا يضيع أي وقت من أجل الحفاظ على أمن العالم، ولم يلحظ الإعياء الشديد عليه، فأمسكه من مجامع ثوبه ودفعه، فوقع على الأرض، قال جاك هو في قمة الغضب: «أخبرني كيف تعمل هذه القنابل وإلا قتلتك.»
كان فهمان مطروحا على الأرض آنذاك، فنظر في الأرض ولم يرد عليه.
انكب عليه جاك بعد أن خارت قواه النفسية، وقال له في رجاء: «أخبرني كيف.»
قال فهمان: «إن كنتَ بحاجة إليها من قبل فالآن لست بحاجة إليها، فلن يستطيع أحد قتلك بعد أن علم العالم كله بأمر ثقب سحابة أورط، وأنك الوحيد القادر على الوصول بهم إلى بر الأمان.»
قال جاك معنفا إياه: «فهمان، أخبرني كيف أضربها بالليزر وتصيب الهدف، لن أستطيع أن آمن على بلدي وفيها أولئك الأوغاد (يقصد اليابان).»
قال فهمان: «وأنا لن أستطيع أن آمن على العالم وتلك القنابل بين يدي مجموعة من الدول، وأنت تعرف أنها أخطر من الأسلحة النووية لأنها تصيب العدو ولم يعرف من أصابه.»
لم يمل جاك من طلبه حيث قال: «أعدك بأني لن أصنع منها سوى خمسة، ولن أعطي الإدارة الأمريكية سوى واحدة، فما رأيك؟»
- «وعد؟»
- «وعد.»
قال متبسما: «ماذا فعلت في الصحراء يا جاك؟»
- «فهمان، لقد وعدتك.»
- «سأخبرك بالحلقة المفقودة رغم أني لم أمارس التجارب، أنت طبعا لم تستطع أن تضربها بالليزر لأنها سوف تبلع المنطقة التي حولك فحسب، وأنت منهم، وضربات الليزر لابد أن تكون قريبة من القنابل.»
- «نعم، نعم.»
-«أين القنابل التي صنعتها؟»
بسط يده وأعطاها لها قائلا: «ها هي.»
-«ارمها، لا منفعة منها.»
فدهش جاك وقال: «اعتبرني رميتها.»
قال فهمان: «صديقي كلّ خطوات تجاربك سليمة إلّا أنّك تحتاج إلى خطوة تأليف قلوب ذرات الرابيديوم بحيث تكون في تناغم تام تام، حتى إذا اهتزّ إحداها اهتزتْ كلُّ العائلة معها.»
فردّ جاك: «فهمتك صديقي، تقصد عمل القنابل بالاحتفاظ بنصف ذرات الرابيديوم والتي تتصل بأخواتها الموجودة في القنابل وترتبط معها بحبل غير مرئيّ أشبه بالحبل السري، إنّها نظريّة شرودنجر اسمها التواصل الكموميّ، فإذا ما تمّ تسليط الليزر على النصف الذي معي تمّ نقل الفعل مباشرة إلى النصف الموجود في القنابل، شكرًا صديقي .»
***
فور أن علم جاك من فهمان الخطوة المفقودة قام وفريقه بعمل خمسة قنابل، أرسل منها ثلاثة طمرت في أماكن هامة من أرض اليابان، أمّا ذرات الرابيديوم المتصلة بذرات القنابل فقد أرسلها إلى ناسا وأعلمهم بطريقة تفعيل القنابل، كما أرسل إليهم القنبلتين الأخريين واحتفظ َ هو بذرات رابيديومهما لشيء في نفسه، تلك التي ترتبط ارتباطًا موجيًا مع الذرات الموجودة في الثقوب السوداء.
***
بمجرد دفن الثلاث قنابل أعلنت أمريكا حيازتها للقنابل وأنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة قامتْ بزرعها في جميع أنحاء اليابان، وأيّ عدوان يابانيّ عليها سيكون نتيجته فناء الجنس اليابانيّ كلّه من على وجه الأرض .
وقد قالوا فيما قالوا إنّ إعلاننا الأوّل قبل ستة عشر ساعة تقريبًا غير صحيح لأنّ القنابل لم تصل إلى المواقع اليابانيّة بالفعل، أمّا الإعلان الثاني فهو الصحيح، فقد وصلت القنابل إليها.
وقد ردت اليابان على إعلان أمريكا بغطرسة حيث أعلنت إنه لا يزال لديها الكثير، وإن قنابلها مدفونة في جميع ولايات أمريكا
وبذلك هدأ تمامًا الصراع اليابانيّ الأمريكيّ.
وما عادت تهتم أمريكا ولا اليابان ولا العالم بالنزاعات وتصفية الحسابات إلّا اليهود وبعض التيارات الإسلاميّة المتطرّفة، كلّ ما يعنيه أن ينجو من الموت منذ إعلان وكالة ناسا خبر الثقب الأسود، وبدأ العالم يتوحّد ضده على اختلاف دياناتهم وألوانهم ومذاهبهم.
***
ومذ أعلنت ناسا خبر الثقب توجّهتْ كلّ مراصد العالم نحوه وما عادوا يهتمون بأمر الحرب، لا المشتركين فيها ولا المتابعين لها، لا المنتصررين ولا المنهزمين، واتّجهتْ كلّ اهتمامات العالم نحو عزرائيل الذي يقف الآن على مقربة من الثقب تأهّبًا لخطف الأرواح.
ولقد عرف الأسيويون أخيرًا لِم كانت ناسا تصنع شراعًا ضوئيًا، ولِمَ ترسل روبوتات وخبراء بكثرة إلى القمر، ولِمَ ترسل ملايين المرايا الخاصة بعمل الليزر، والروس بصفة عامة عباقرة في الرحلات الفضائيّة ولذلك قالتْ وكالتهم الفضائيّة إنّ الأمريكان يريدون دفع الشراع الضوئيّ بمحطات ليزر من على القمر، وقالوا بأنه لابدّ أن يكون لهم دور في هذه الرحلة حتى لا تستأثر أمريكا بهذا المجد وحدها.
***
بعد أن انتهى جاك من المهمة الرئيسة اجتمع بفهمان لاستكمال تجارب العبور إلى الشيطان.
لم يشعر جاك بالخزي في قرارة نفسه إذ راوغ فهمان وأعطاه عهدا لم يوفّ به، لأنه يرى أن فهمان لم يقدر الأمور حق قدرها، فهو لا يعلم شيئا سوى العلم والخلق الرفيع الذي يتربع في زمرة قلبه، بعيدا عن دهاليز السياسة وحياة الأمم وتاريخها المليء بالحروب والغدر والخيانة.
بداية اقترحَ جاك على فهمان بتوليد هذه الثقوب الدائريّة التي تلتف على هيئة دائرة حول فقاعة الرابيديوم وإلقاء طعام لها غير الذي يحوطها من الطاقة السلبيّة التي لا تؤكل.
قال فهمان عندئذٍ: «هكذا الحياة يا جاك، لا تجد خيرا في كل ما هو سلبي.»
قال جاك: «صدقت يا فهمان.»
ثم قال مستدركا: «الشيطان من الطاقة، وهو يحب الطاقة لا المادة، لأنه لا يستطيع أن يحوّل المادة إلى طاقة، لنرصده من خلال إمداد يدنا له بالطاقة، لتكن هي القرابين، قرابين الثقوب السوداء.»
قال فهمان: «لا بأس، كل شيء نريده من الحياة يحتاج إلى قربان نتزلف به من مالكه، سترصده المراصد عندما يمد يده إلى الطاقة، علينا بتقديم قربان آخر، أريد إهداء النور أيضا.»
قال جاك: «تأمل في أن ترى الملائكة يا فهمان من خلف الثقوب، سبحان الله! كل عالم له خصائصه، فقد يكون الشيء البالغ الثمن لدينا ليس له قيمة في عوالم أخرى.»
قال فهمان: «لنبدأ.»
وضعت البروتونات، ووقف فهمان داخل الفقاعة بالتلسكوب ليرى أيّ قربان يُقبل وأيّهما يُرفض، وسُلطتْ الكواشف على مواضع تموضع الثقوب السوداء، وتمّ حساب طاقة البروتونات المستخدمة في التجربة.
وُضِع الطعام من المادة كما وُضِع طعام من الطاقة أمام الثقوب واستعد الحاسوب للعمل.
بعد ثلث ساعة من دوران البروتونات في الأنبوبين وصلتْ إلى سرعة الضوء تقريبًا وحدث الارتطام وتشكّلتْ الثقوب السوداء في هالة دائريّة حول فقاعة فهمان الرابيديوميّة، وظلّتْ تدور حول نفسها وفهمان يرصد بالتلسكوب في وجل وشغف وجاك يدفع بحزم الليزر الخارقة حول الفقاعة وفي مركز الثقوب -بكل قوة وحذر- كي يتحكم في سبيانتها ليتحاشى بلعه أو سحقه من أحد الثقوب.
بدأت الثقوب تقوم بعملها الأساسيّ وهو أكل المواد التي حولها، كل الثقوب التهمت الطعام الذي حولها فيما عدا واحدا أنِفَ من الطين (المادة) واحتقره وأقبل على الطاقة والتهمها في لذاذة مبتسم الثغر، وبذلك تُقبل قربان فهمان ولم يُتقبل لأي أحد آخر غيره، فعلمه وخلقه مكناه من المكر بأخبث الخلائق ليجهز عليه وتحيا البشرية في سلام بحسب معتقده.
أما النور فظل كما هو، فتعجب جاك وسأله عن ذلك.
قال فهمان: «أرادت الملائكة الحضور لكن الشيطان كان أسبق منها، وهي لا تجتمع مع الشيطان في مكان واحد أبدا.»
رصد فهمانُ الشيطان وهو يتقبل القربان، فعلم أنّ خلف هذا الثقب يسكن الجنّ ويعيش على أرضه حيث إنّ هذا ثقبهم الممتدّ من بُعدهم إلى بُعدنا، ثقب مصنوع فقط من الطاقة ولا تدخله المادة كما أنّ الجنّ ليست مواد بل مخلوقة من نار والنار طاقة، النار لا تتحوّل إلى مادة لأنّ هذا مستحيل.
يتحوّل الفوتون، يتحوّل الجرافيتون، لكن النار لا تتحوّل إلى مادة.
وتقبّل الله قُربانَهما لأنهما صالحان، تقبّله من المسلم والمسيحيّ عندما صدقت القلوب.
خرج فهمان من الفقاعة، قال: «عرفنا الآن بعده، علينا بإجراء آخر خطوة للعبور.»
قال جاك: «ليس النجاح في العبور فحسب، بل أثبتنا صحة نظرية الأوتار الفائقة التي لطالما حيرت العلماء على مدار قرون طوال.»
قال فهمان:«ما وصلنا إليه هو الوتر الناري المهتز، أحد الأوتار الفائقة، وقد طرقنا بوابة الجن، وأكيد رصدونا.»
قال جاك: «المهم أن تتمكن من العبور بأمان، فأنا متأكد أن ملوك الجان رصدونا وهم بانتظار اختراقك، أسأل الله نجاتك يا فهمان.»