منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020
عرض مشاركة واحدة
قديم 17-05-2025, 07:55 AM   رقم المشاركة : 47
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

ترك جاك ما في يده وتنهد تنهدات المتوجع وقال: «أكبر همي تلك المحطات الليزرية، فالوسط الفعال الكافي لإثارة الليزر قد لا يكون متوفرا بالقدر الكافي على سطح القمر، كما أنها تحتاج إلى جيش من الروبوتات وآلاف الفنيين لتشيدها على الوجه الأكمل، وسوف تستغرق وقتا طويلا لبنائها وسوف تستنزف اقتصاد العالم.»
قال رئيس ناسا مستدركا: «فعلا، لما قرأت رسالة الدكتوراه الخاصة بك شعرت بأنك كنت تتألم وأنت تتكلم عنها، كما كنت تخشى عن عدم تمكن العالم من تخليق حقل مغناطيسي يتحمل درجة حرارة الاندماج ويعمل على استمراره.»
لم يكد ينتهي من كلامه حتى ارتعش جسد جاك وجرت دموع العبرة والبين على خديه، ثم ما لبث أن قال: «الوحيد الذي كنت أثق في قدرته على إيجاد هذا الحقل المغناطيسي قد ذهب، ذهب بلا رجعة.»
وأجهش جاك بالبكاء.
طيب رئيس ناسا خاطره بقوله: «هوّن على نفسك، فهمان ذهب إلى الشيطان وهو يحمل أنبل رسالة كونية، رسالة الأنبياء، لعله ينجح في قتل إبليس.»
سكت وهو يحاول رفع الهم عن جاك أكثر فقال: «الروس يحاولون، وأنا متأكد أنهم قادرون على تخليق هذا الحقل المغناطيسي.»
قال جاك: «وما أخبار هيليوم-3؟ اتعظوا أم لا؟»
أجابه: «اتعظوا، اتعظوا يا جاك، فطب نفسا.»
تبسم جاك وسأله في لهفة: «أخبرني بالتفاصيل.»
أجابه: «يصل لخبراء الفيزياء النووية كل ما تم الكشف عنه (هيليوم-3) على سطح القمر بوساطة الروبوتات من أجل بناء مفاعلي الاندماج والانشطار، ومنه منع منعا باتا تصدير أي منه إلى الأرض، بل وأرسلت كل الدول النووية كل ما لديها من هيليوم-3 إلى سطح القمر عبر المصاعد الفضائية.»
هز جاك رأسه بعد أن طابت نفسه.
وعاود العمل على الجهاز الشامل وهو يقول: «وأخبار محطة ناسا ومحطة الروس والصين؟»
– «خبراء الفيزياء النووية والفضاء يشرفون عليها على أكمل وجه.»
سكت رئيس ناسا لحظات ينظر فيها إلى جاك المنهمك في عمل الجهاز، فتراءى له أن يخبره بباقي أعمال تجهيزات رحلته.
قال: «وخبراء آخرون يصعدون درج المصاعد الفضائيّة للوصول إلى الشراع المثبت في مداره الأرضيّ ليركّبوا الخلايا الشمسيّة النانويّة على كامل طوله وهو واحد كيلومتر.
وقد كان خبراء اليابان أمهر الخبراء في تنفيذ خطوات تصميمك، فهم يصممونه من الرسم الهندسيّ الموجود في رسالتك، ويصُممونه على أن يكون سيرانه بصورة دائريّة طول الرحلة لإحداث جاذبيّة صناعيّة تساوي جاذبيّة الأرض تزيد أو تقلّ قليلاً، كما سيزود بكاميرا ومحرك صاروخيّ ومعدات اتصال وملاحة.»
– «كم تكلفت هذه التجهيزات حتى الآن؟ ومن أنفق عليها؟»
– «لقد بلغت التكلفة حتى الآن رقما خياليًا، قرابة مائتى تريليون من الدولارات، الشعوب كلّها تتبرع للحكومات، كلّهم يتسارعون إلى وكالات فضائهم بالدمع الحار لينجوا من الموت، كلّهم يدعون لأمريكا، كلّهم يدعون لك، لكَ أنتَ يا جاك.»
مر بضع دقائق وجاك يعمل فيها على الجهاز، وفجأة قال: «هذا الجهاز أخذ بلب عقلي، لكني على وشك الانتهاء منه، وفور أن أنتهي منه سوف أجربه.»
***
ورغم أنّ الرئيس مهديّ يتفطّر قلبه حرقًا على المسجد الأقصى إلَا أنّه لم يجد وسيلة لردعهم إلّا الشجب والاستنكار.
هو يتابع الأحداث العالميّة، كلُّ الوكالات تركّز على الثقب الأسود وتتابع تجهيزات رحلة جاك في صحوهم ومنامهم ولم تعد تهتم أيضًا بالقضية الفلسطينية إلّا تهميشًا.
أمّا القنوات الإسرائيليّة الدينيّة فتركّز على دعوة الربّ لهم بالعمل على إقامة دولة إسرائيل الكبرى بداية من أرض فلسطين وتقول: إنّ المسيح قد ينزل في أيّ وقت بعد بناء الهيكل الذي أمرنا الله ببنائه.
واستغرق في التفكير، واجتمع بالمجلس العسكري أكثر من مرة لإيجاد حل يردع به اليهود التي تود هدم الأقصى وسط انشغال العالم كله بشأن ثقب سحابة أورط.
ولم يصلوا لحل.
وفي ذات يوم صلى الفجر وجلس يفكر وحده في المسجد بعد أن صرف حرسه الرئاسي حتى قال بعد زفرة عجز وألم: «إذن، لا بد مما ليس منه بد، لابد أن أجبره.»
ونهض، ومضى إلى قصره بعد أن أرسل في طلب فهمان الذي يعلم بمكانه بالضبط، وعلى ملامح وجهه العناد والحزم.
وتراءى له أن يتصل به.
واتصل، الهاتف مغلق.
واتصل عشرات المرات بيد أن الهاتف مغلق على الدوام.
حتى قال: «يبدو أنه منهمك مع جاك في التجارب على المصادم.»
وأخيرا عاد من أرسله مهدي، دخل عليه وهو خائف من مغبة الخبر عليه.
سأله مهدي في حذر ودهشة: «أين؟ أين فهمان.»
أجابه ورأسه في الأرض: «عبر، وترك لنا صديقه هذا الخطاب.»
لكزه مهدي في أعلى كتفه بقوة حتى كاد يقع الرجل على الأرض وهو يقول: «عبر ماذا؟ ما بك يا رجل؟»
قال الرجل وهو يرفع بالخطاب نحوه: «خير إجابة في هذا الخطاب.»
نزعه مهدي منه في ضيق شديد، نظر مهدي فيه والغضب يتفجر منه، فتحه بوجل وقرأ: أنت تبحث عن فهمان، فهمان عبر إلى الجنّ ولن يعود، أيها الذئب الملقب بالمهدي، شعبك خرج من الجحور إلى القصور سابحًا في أنهار من دماء الأمريكيين، ولن أدعك حتى آخذ حق أبناء وطني.
ضغط على الخطاب بقبضة يده التي بدت مرتعشة فكومه وضرب به الأرض بقوة، وأطبق على أسنانه يحرك وجهه يمنة ويسرة، واحمرّ وجهه غضبًا.
وقال غير مكترث لوعيد جاك له: لا شأن لي يا جاك بما حدث لوطنك، أنا فحسب كنت أريد أن أخرج بالمصريين من أنياب المجاعة التي تفشت فيهم وقد نجحت.
وخرّ مندكا كالجبل بعد عبور فهمان.
وظلّ يكلم نفسه متحسرًا: عبرت، عبرت، أكنت تخدعنا طول هذا الوقت؟ أردت المصادم لتعمل على هداية البشريّة ولم تقصده للنهوض ببلدك.
أتظنَّ يا ولدي أنّ البشريّة من الممكن أن يأتيها يوم وتعيش في سلام! لقد كنت طوباويًا حالمًا إلى أقصى درجة يا بني.
ثمّ قال معاتبًا: لِمَ يا ولدي؟ لِم يا فهمانَ؟
والآن ضاع الأمل الأخير الذي كنّا سنتَوَكَّأ عليه لنحيا نحن العرب بكرامة، وها هم العرب يلبسون طرح النساء تاركين اليهود يهدمون ثاني قبلة للمسلمين، كنت سأمنعهم بقنابلك، والآن لا أمل.
لن أقوى على مجابهة المخطط الصهيوني وحدي، وليس معي ما يردعهم.
صمت هنيهة ثمّ قال في حسرة وهو يضرب كلتا يديه ببعضهما: ليس معي كان معك، سامحك الله. ثمّ أطرق رأسه في الأرض ودعا كلّ العرب أن يطرقوا معه بعد أن فازت إسرائيل بكل الجولات بعد أن انغمسوا في العلم بينما انغمس العرب في الشهوات.
================================================== ================================================== ================================================== =====
الأقصى يلتهم الثقب الأسود
إبراهيم أمين مؤمن/ مصر

أتمّ جاك تركيب الجهاز المعجزة الذي سوف يرافقهم طول الرحلة.
وكذلك تمّ الانتهاء من تصميم الشراع الشمسيّ للرحلة وهو الآن مثبّت في مدار حول الأرض.
أمّا محطتا الفضاء الشمسية النانويّة فتعمل على أحسن وجه.
والمشكلة الآن أنهم لم ينتهوا بعد من بناء السبع محطات الليزريّة، فما زالت ناسا ترسل خبراءها وملايين المرايا عبر المصاعد الفضائيّة لاستكمال بنائها الذي بدأوا فيه منذ نحو خمسة عشر شهرًا، لكن الخبر الجيد أنهم عثروا على كميات ضخمة من الوسط الفعّال لليزر الذي سيُثار في جميع أنحاء سطح القمر.
كذلك تمّ الانتهاء من مفاعلي الانشطار والاندماج، وتمّ حلّ مشكلة الحقل المغناطيسيّ، فقد صدق الروس فيما قالوا بشأنه.
أمّا بالنسبة لإطلاق مركبة الرحلة فسيتمّ عبر صعوده على السلم الفضائيّ شأنه شأن كلّ الخامات والروبوتات التي انتقلتْ من قبل.
حيث يوجد طابق كامل تم تشيده بجانب المصعد الفضائيّ مباشرة، ذلك الذي سيصعده جاك وروّاد الفضاء معه من خلال مركبة القيادة الرئيسة.
هذا الطابق يغطي مساحة فدانا واحدا وذلك من أجل إنتاج شعاع الليزر الذي سيدفع كبسولة القيادة للتخلص من الجاذبية الأرضية.
يتمّ في هذا المبنى إنتاج ليزر فائق القوة والتركيز وذي طاقة عالية.
وبذلك تمّ توفير كل التقنيات اللازمة لعمل الليزر الذي سيدفع الشراع الضوئي.

***
بدأ تحرك فرق الهدْم ومعهم معاولهم وعدتهم صوب الأقصى لهدمه، يتقدمهم يعقوب إسحاق بعينين مفتوحتين وصدر منشرح وعلى وجهه هالة من السعادة والحزم على هذا القرار.
قال في نفسه وهو يشاهد ذاك المشهد العظيم الذي يتوجه صوب الأقصى: الآن حانت اللحظة الفاصلة في عهدك أنت يا يعقوب، وأنا أول من يسعى إلى المسيح ويقبل يده حال نزوله، ما هي إلا بضعة أيام فحسب ويُسوّى هذا المسجد بالتراب.
كما كان يتقدمهم بعض حاخامات اليهود وأبرز القيادات السياسيّة والدينيّة منهم.
وكما أن معظم مراسلي الوكالات العالمية وقنواتهم ومنصاتهم يتوجهون بأنظارهم لرصد وتوثيق مساهمات كافة أجناس الأرض لتذليل كافة العقبات التي تواجه جاك من أجل نجاح رحلته لدحر ثقب سحابة أورط إلا أن بعضهم رافق عن بعد فرق الهدم المتوجهة نحو الأقصى ونقلوها بثا حيا إلى العالم كله.
لما وصلوا رفع يعقوب رأسه وأشار بيده نحو الهدامين كي يجدوا في هدم أول لبنة من لبنات المسجد الأقصى.
وتقدمت معاول الهدم بالفعل وكاميرات القنوات العالمية مسلطة هنا وهناك.
بينما الشعوب العربية والإسلامية في لحظات تقدمهم وحال وصولهم خرجت من كل حدب وصوب في لمح البصر لتنذر الكيان الصهيوني من مغبة هدم الأقصى عبر تلك القنوات الإعلامية.
ومن هؤلاء الذين تابعوا أخبار الأقصى جاك، جاك الذي وجد يعقوب إسحاق فجأة في طريقه نحو الأقصى لهدمه نقلا عن كاميرات مراسلي القنوات العالمية.
تقلصت ملامح وجهه، وارتسم على وجهه الغضب والخوف معا، ثم ما لبث أن رفع هاتفه وهاتف الرئيس الأمريكي وأخبره بمغبة فعل يعقوب إسحاق المجنون على نتائج رحلته الفضائية في لحظات فحسب.
بينما أوناش الهدم ترفع بفؤوسها الحمقاء الغاشمة لأعلى لتهبط على قبلة المسلمين الثانية رن هاتف يعقوب إسحاق.
نظر فيه وهو في حالة نشوة واغتباط، فتح الخط وكلمه، قال جورج على الفور: «قبل السلام أؤمر رجالك بالتوقف.»
تقلصت ملامح وجهه من فوره، وتسمر كالتمثال، لم يدر ما يدور حوله، بينما الرئيس الأمريكي يصرخ في الهاتف مكررا كلمة "توقف".
رد عليه يعقوب بلسان لا يكاد يستطيع التكلم إلا تلعثما: «لم؟»
أجابه وقد نزلت أوناش الهدم على بعض جدران الأقصى: «أوقف العملية وأمر رجالك بالتقهقر للخلف وبعد ذلك نكمل كلاما.»
وامتثل يعقوب بالفعل لرغبة الرئيس الأمريكي وأمر رجاله بالتقهقر.
تنفس جورج الصعداء كما تنفسه جاك.
أما يعقوب ففي وجل لسماع جورج.
قال جورج بعد أن زفر زفرة الخلاص: «كدتَ أو كدنا معا أن نفعل أمرا سوف يهلك كوكب الأرض.»
فسأله يعقوب عن كيفية هلاك الكوكب بهدم الأقصى فأجابه جورج: «نحن في فترة لابد أن تتحد كافة قوى العالم البشرية والمالية، ولاسيما المعنوية والروحية منها، من أجل دعم رحلة جاك، وعملك هذا سوف يتسبب في صرف نظر كافة البلاد الإسلامية عن تدعيم رحلة جاك فضلا عن تنابذ واحتراب الأحلاف العالمية على خلفية هدم الأقصى، فتفشل رحلة جاك التي سوف تقضي على الثقب الأسود.»
قال يعقوب في يأس بالغ بعد أن استسلم: «ويستفرد ثقب سحابة أورط بالمنطقة المحيطة به فيلتهمها، ثم ما يلبث إلا أن يلتهم بلوتو ثم نبتون وأورانوس وزحل والمشتري والمريخ والأرض.»
سكت لحظة وهو يهز رأسه ثم قال لجورج الذي فضل الصمت بعد أن أدرك يعقوب إسحاق خطأه الفادح: «خسارة، إسرائيل كانت تنتظر تلك اللحظة منذ عدة عقود، ولما جاءت اللحظة وقف ثقب سحابة أورط حائلا دون حلم إسرائيل الكبرى.»
وأنزل الهاتف من على أذنه في يأس، وقع على الأرض، وظل لحظات ساكنا لا يتكلم، ثم أمر بعد ذلك بانسحاب الجميع والعودة بهم إلى أدراجهم.

***

كان يتابع مؤيد أصيل تقدّمَ فرق الهدْم إلى المسجد بعينين زائغتين وقلب مرتجف، كان يأمل أن يتراجعوا ولكنّهم تقدّموا، ومع لحظة رفع أوناش الهدم توقف قلبه عن النبض وصعدت روحه إلى بارئها.
ربما لو شاء الله أن يرى انسحاب فرق الهدم ما توقف قلبه.
ومات مؤيد أصيل ومن قبْلِه فطين ورجل المائة ألف جنيه، ورحل فهمان عبر ثقب الشيطان، كلّ الأوفياء رحلوا وما بقي منهم إلا القليل في هذا العالم البائس.

***

تشكلت لجنة عالميّة فضائيّة أعضاؤها من القارات السبع ليكونوا في رباط مستمر فينقلوا التغيرات التي تطرأ على المجموعة الشمسية وخاصة الشمس والأرض أوّلاً بأوّل.
كلّ تلسكوبات العالم سُلّطتْ على الثقب الأسود، وظهر كلّ هذا على شاشات التلفاز إلى شعوب العالم أجمع.
فكان يمثل شحنا معنويا هائلا يجعلهم في رباط مستمر نحو تدعيم رحلة جاك.
تدقيق 16/2/2024

================================================== ================================================== ================================================== ======
وذُلّت الأعناق
مقتطف من رواية قنابل الثقوب السوداء

إبراهيم أمين مؤمن
كان يعمل في الجهاز الشامل وهو داخل أحد معامل ناسا، فجلس يستريح برهة، ليتابع آخر أخبار إسهامات العالم في دعم رحلته.
فسمع إعلامي يقول عبر قناة فضائية عالمية بأن معدل الجريمة في العالم منذ علم البشر بأمر ثقب سحابة أورط كاد أن يقترب من الصفر، وعليه ظهرت ثروات لدى الناس لم تكن في حسبان أحد من علماء الاقتصاد؛ بل أدهشتهم؛ مما وفّر دعما لرحلة جاك الأمريكي بقيادة الناسا لم يتصوره أحد.
فهزه الخبر، اجتاز السرور كل جوارحه، مما دفعه لمعاينة أحوال العالم بنفسه.
لم يكن لرجل مثل جاك أن يفوّت فرصة كهذه دون أن يشفي غليل نفسه من الحقد والبغضاء والعداوة التي ملأت نفوس البشر منذ بدء الخليقة.
إنها فرصة ذهبية خلّقها ثقب سحابة أورط، فتذكر في نفسه كيف يتحد الأعداء وينسون ما في نفوسهم من شر وهم على متن سفينة تهددها الرياح العاتية لينجوا بأنفسهم من الموت غرقا.
وتمنى في نفسه شيئا عبر عنه بقوله: يا ليتك أيها الثقب المتربص بنا في السماء تنتظر طويلا علّ نفوس البشر التي اعتادت على العواء والزئير والفحيح تكف عن تلك العادات الوحشية التي لطالما انتشت بها وطربت لها آذانهم قرونا من الدهر، منذ أن كانوا شيئا مذكورا.
فخرج، خرج ملثمًا كي لا يعرفه أحد مستقلا سيارته الطائرةً ليتجوّل شوارع واشنطن، وهو يعلم أنّ أهل واشنطن لا يختلفون في شيء عن باقي أهل الأرض، فالبشر كلّهم سواء.
قال في نفسه وهو يهز رأسه مستعبرا ومرارة الوجع طفحت في حلقه: الإنسان هو الإنسان، قلما يعالج عنفوان الأرض وسطوتها نفسَه الآثمة، والتأثير الحقيقي لقوة مهيمنة جبارة، ولا ترتكز إلا في السماء.
وبفضل القاضي الذي في سحابة أورط خشع الناس وآمنوا واستسلموا للحقّ والعدل والسلام.
وظل يسهب في حديث النفس حتى قال متوجعا خائفا: أخلاقهم الآن كأخلاق الملائكة، وكم أخشى أن أفجّر لهم الثقب فينتهجون أخلاق الشياطين؛ فمن يتّق تحت سلطان السيف يفجرْ عند كسره.
وقطع بسيارته مسافات شاسعة جدًا على حالته تلك، لا يدري أين هو بالضبط؛ فحديث النفس طغى على كل مداركه وحواسه فعاش في عالمها.
وسمت نفسه، فدفعته لمعانقة الشواهق، فارتفع بالسيارة إلى أعلى وهو يستنشق الهواء بشهيق أحدث صوتا متواصلا من صفير الرياح الخفيف كأنما يعبئه بقدر ما يستطيع في جيوب أنفه لتمر في عروقه وتتخلل روحه، لنقائه المنقطع النظير والذي لطالما انتظر تلك النسمات الصافية الطيبة حينا من الدهر.
وسكر في أحلام التمني، فغفت نفسه فرأى السيارة وسط أسراب هائلة من الحمائم ذات أجنحة خضر.
تساءل عندئذ في غفوته: رباه يا مالك الملك أين أنا؟ ربما في الجنة.
وأطلّ بعينيه فوجد كل ما حوله يتحرك داخل تموجات، فكانت الأشياء تظهر وعليها تموجات تصدر صوتا كالصوت الذي يصدر عن قيعان البحار.
كما ظهرت أمامه وكأنها محاطة بهالة من الموجات أو فيض مغناطيسي.
فكانت السيارة والحمائم ونسائم الهواء يتحركون داخل تلك التموجات.
وتساءل مرة أخرى في دهشة: رباه، أين أنا؟
وأجاب بنفسه: ربما في بعد الجاذبية الأرضية كما يقول أينشتاين.
ورأى، رأى تعانقًا في العوالي، تعانقت مآذن المساجد وقباب الكنائس، ورقد كلّ منهما بجانب الآخر يستأنسا ببعضهما ويعاضدا بعضهما.
وفجأة تفجع قلبه، حيث رأى طيورا جارحة لا حصر لها تقبل من بعيد متوجهة نحو الحمائم.
فقال خائفا مترقبا: رباه، سوف يذهب السلام بأنياب الغدر والخيانة.
وما إن انتهى من كلامه حتى رأى الكواسر تنظم نفسها ضمن خطوط سير أسراب الحمائم.
فطابت نفسه بعد أن ذهب الخوف من قلبه، وحمد الله.
وتساءل في شأن آخر وهو ينظر إلى هذه الأسراب الهائلة: أين أدخنة المصانع؟ أين إشعاعات القنابل النووية؟
فلما أدرك أنها لم تعد توجد انفرجت أساريره كالزهرة التي تتفتح لتلتقي بندى الماء بعد الفجر.

***
ونظر كذلك في غفوته كأنّ سيارته هبطت على الأرض، فوجد الناس ترتدي الأثواب البيضاء، والتيجان الخضراء، وهم عائدون من المقابر بعد أن ذبحوا الشر وكفنوه في أثواب من الشياطين.
وتعانقوا وهم يتبادلون التهاني بعد أن أدركوا كافة دروب السعادة الحقيقية.
كما وجد السجون تُفتح لإطلاق الأبرياء، والملاجئ فرغت من اللقطاء بعد أن اهتدى آبائهم وأمهاتهم إليهم.
ووجد الناس يتسابقون في نزع النفاق من قلوبهم، ذاك الذي عج في الأرض وأطّت به وحق لها أن تئط.
فوجدهم يتسارعون لأخذ مكان في صفوف عديدة، ليس لها نهاية، كل صف فيه أناس من ألوان وجوه أهل الأرض جميعا، وكذلك ألسنتهم، سمعهم يتكلمون بلهجات كافة أهل الأرض.
تسابقوا إلى نزع ذاك النفاق، فرأى الواحد منهم ينزع عن وجهه قناعا واحدا، وآخر ينزع قناعين، وثالث ينزع ثلاثة أقنعة.
وعلى بعد كبير من الصفوف يجد مجموعة منهم تنزع عشرات ومئات الأقنعة وهم يبكون بكاء الندم والتوبة.
فتقدم إليهم جاك وسألهم عن شأنهم فأجابوه بأنهم الرؤساء والرعاة والدعاة.
فلما انتهوا من نزع أقنعتهم وجد قبحا لم ير مثله قط، فتفجعت نفسه وكاد قلبه يتوقف لولا أن تلك الوجوه سرعان ما تبودلت، فبعد أن كانت أقبح ما تكون ظهرت في أجمل صورة.
وفي جانب آخر وجد مجموعة من الرجال يحاولون نزع قلوبهم بكل قوة وهم يعضون على أسنانهم؛ فسألهم عن ذلك فأجابوه بأن قلوبهم امتلأت من كل صنوف الشر.
فقال لهم: أحسنتم.
وعاد إلى سيارته وظل سائرا حتى وجد نورا يكتسي بلون أخضر يشع من بعيد، فأقبل إليه في شغف، ودقق النظر إليها، فتبين له أنها جزيرة ذات أشجار كثيفة، أغصانها من القناديل التي ينبثق منها نور أخضر.
وكل يحيط به تموجات تصدر أصواتا كأصوات قيعان البحار.
فنزل عن سيارته واقترب منها، روحه تسعى إليها قبل قدميه، فوجد نهرا جاريا، ماؤه ذو لون أخضر، فظمئت نفسه، فسعى إليه راكضا حتى إذا ما وصل إليه مد يده إلى الماء على جانب من النهر واغترف غرفة واحدة وارتشفها من كفه، فتعجب من شأن تلك الغرفة؛ حيث روت نفسه الظامئة إلى درجة ظنه بأنه لن يظمأ بعدها أبدا.
وفجأة وجد ظبية على بعد كبير من النهر الواقف على شاطئه، فأمعن النظر إليها، فشعر بأنها منهكة عطشانة، وهي تحاول أن تقترب من الشاطئ بيد أنها لا تستطيع لوجود منحدر قد يجذبها إلى النهر.
فقال: لا تستطيع الاقتراب خشية أن يشدها التيار فتقع فيه، والنهر تغشاه أمواج كأمواج الجبال.
ومضت لحظات، والظبية تحاول بيد أن كل محاولاتها باءت بالفشل، حينئذ أقبل تمساح نحوها بأقصى سرعته.
فتفجع قلبه، وركض نحو الظبية يدعوها للفرار من أنياب التمساح، لكنه تفاجأ بأنها لم تكترث له، وظلت تنتظر في أمن ويعلو وجهها بسمات.
فتعجب من شأنها، حتى إذا وصل التمساح عبأ فمه بالماء واقترب من الظبية وضخ ما في فمه من ماء لها فشربت وعادت.
ونظر في الأفق، فوجد الفهود بجانب الظباء، ووجد الذئاب تحفر في الأرض للحصول على ماء الينابيع للإبل الظامئة.







 
رد مع اقتباس